]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نظام الأنظمة .. عبارات في الدلالة والصورة والمعنى.

بواسطة: احمد جمعة  |  بتاريخ: 2012-06-30 ، الوقت: 14:37:30
  • تقييم المقالة:

 

نظام الأنظمة .. عبارات في الدلالة والصورة والمعنى.

 

 

 

1. تمهيد.  

 

 

 

إن أحد مباحث علم المنطق الصوري هو علم الدلالة، وبتقديري أن هذا المبحث قد وصل إلى ذروته من جهة التنظير والبحث، ولعل في تناقل المعرفة من باحث إلى أخر دور كبير في ذلك، هذا في ما لو تناسينا جهود الفلاسفة و الباحثين أنفسهم في سد الثغرات المعرفية، ووضع الحلول لأغلب المشاكل الثقافية. إلا انه يمكننا كذلك أن ندرج هذه الدراسة الدلائلية تحت نظرية المعرفة الكلاسيكية القديمة ([i]) ولا غبار على ذلك؛ لان المفهوم الدلالي على حد قول جملة من المفكرين(قديم جدا)، والدليل الاستقرائي لهذه المسالة يؤكد صحة هذا المدعى؛ لأنَّ الاشتغال الدلائلي كان ممارساً في اللاشعور، فأبسط المدركات الإنسانية تؤكد حضور الاشتغال الدلائلي ، كما لو أن احد ما يرى نور الصباح ويجزم بأن الشمس طالعة ، وبهذا يكون الاشتغال الدلالي معلوماً بشكل أو بأخر حتى قبل أن يأتي أرسطو ويدرجها كأبحاث معرفية، إذ أن مثل هذه الأبحاث في تقدير الباحث على الأقل، لا تأتي على أنها ابتكار لأحد ما، شأنها في ذلك شأن الأشكال الهندسية الكلاسيكية(المربع و المثلث و الدائرة)، فلا مبتكر لها.

 

 

 

وقد يرى البعض انه لا تصح المشابهة ما بين الجهد الإنساني كفكر، وبين مجرد أشكال، إلا أن الباحث يقصد أن عدم توفر الدليل في كلا الجانبين مع عدم ادعاء أحد في ابتكارهما يؤكد وجه المشابهة ما بين الاثنين، إلا انه لا ضير في أن يكون لأحد ما جهده المبذول للتنظير في هذا المجال أو غيره، فيكون هو الملتفت الأول في تكوين مجموعة الأبحاث(أية أبحاث معرفية)خدمة للإنسان. وهكذا تتحول من جيل إلى أخر وتتسع الدوائر شمولية ومنهجية.

 

 

 

وإذا ما اعتمدنا الفكرة السابقة سنجد أن للمسألة قاعدة اكبر واعم من جهة الشمولية، فلا يدعي أحد انه قد ابتكر الطريقة التي نتوصل بها إلى الأفكار المجردة التي نعمل فيها بعقلنا المجرد، و هنا نجد التفكير في حد ذاته قائما على الدوال التي توصل إلى المدلولات أو(النتائج)، والوقوف على النتائج التي توصل إليها العقل البشري، بوصفها مدلولات ربما كان من المسلمات عند بعضنا، فليس من شك أن الأفكار تتعكز في عملية أو كيفية استخراجنا أو تناولنا إليها على البديهي أو الخالي من الشبهة، وهذا البديهي أو الثابت عندنا حين نفكر يكون مادة ما نتوصل بفضلها إلى النتائج.

 

 

 

فمثلا من الثوابت عندنا(أن للنار الطبيعية دخان) فإذا شاهدنا الدخان من بعيد، عرفنا عن طريق دلالته المتصفة بـ(الملازمة) أن ناراً هناك تحرق شيء ما، وكذلك الأمر نفسه في عملية الحساب الرياضي البحتة، كالجمع أو الضرب تكون بمثابة الدال الذي يدل على النتائج، كما يكون الناتج مدلول يدل على:(العملية الحسابية نفسها).

 

وعلى أية حال فإن الغرض المطلوب التوصل إليه هو: أن نظام الدلالة موجود ما دام هناك مؤثراً ما.(لان الأثر لا ينفك أن يدل على المؤثر) وبهذا تكون الدلالة(كمفهوم) قديمة من جهة الوجود، وللإنسان دخل في تعقلها وفهمها وتقسيمها أو تصنيفها إلى أنواع ([ii]).

 

 

 

ومن جهة أخرى:أن(المعنى) لم تختص به اللغة وحدها دون غيرها. فلا شك أن للأشكال معنى، وللحركات معنى، بل لكل شيء صادر عن فكر وتدبير لابد من أن يكون له معنى. ولهذا نجد أن(السيميائية) اشتغلت في دراسة المعنى على حد قول أستاذنا الدكتور بلاسم محمد في كونها: “خاضت تجارب واسعة في شتى الميادين في العلوم الإنسانية وخصوصا في مجال الشعر والرواية والأساطير"([iii]) و أخيرا في الفن بشكل عام والفن التشكيلي بشكل خاص.

 

 

 

 و أما في ما يخص دراسة(المعنى) وكشف دلالته في العالم العربي الحديث، فكذلك هي في محدوديتها اللفظية لم تخرج عن تناول النصوص اللغوية، أما الدراسات الدلالية غير اللغوية فهي نادرة أو شبه معدودة كما يشير إلى ذلك بعض الباحثين، إلا بعض الاطروحات الجامعية غير المنشورة التي تتناول سيمياء المسرح وعلوم الإيحاء والحركة إلى غير ذلك([iv]). فلا شك في أن علم الدلالة حديثا له أهميته وانه كعلم تتقاسمه عدة علوم."كان من حق كل علم على حدة أن يدعي أن هذا العلم من اختصاصه"([v]).

 

 

 

ومن جهة ثانية إن الشكل أو المعنى في الشكل، يمثل الفكرة الجنينيه لمفهوم الاتصال والتفاهم و لا يخفى انه تطور حتى لحق المعنى في الكتابة، فكأن المعنى في الكتابة ارتكز أولا على المعنى في الشكل، ولهذا تتبنى الدراسات الفنية الأكاديمية التشكيلية هذا العلم على أساس ما جاء به الفكر الحضاري، في كون الشكل أو التكوين عموما هو المصدر الأساسي أو المادة الأولية، لكونه معطى وظف وتطور من خلال التجريد لتظهر اللغة فتكون بوابة المعرفة بشكل عام.

 

 

 

ومن جهة ثالثة: نجد أن تحاور الفكر المبهم ما زال قائماً حول الثنائية التي أصولها(مادية) من جهة و(معنوية) مجردة من جهة أخرى، والباحث يرى العلاقة التي ما بين الدال والمدلول هي نفسها ما بين(الشكل) و(معناه) الذي يشير أليه، فالشكل مادي من كل جهة سواء من جهة التلقي و تعامل الحواس معه أو من جهة التكوين و عناصره حين الانشغال بتكوينه. بينما المعنى الذي يشير إليه الشكل(ذهني) ومفهومي مجرد. والدليل على ذلك تعقلنا له، إذ ليس في ساحة العقليات أو منطقة التعقل مادة مطلقا باتفاق اغلب العقلاء. وإلا لاحترقت الأذهان بمجرد تصور الشمس مثلا. فإذا كانت المسالة الدلالية المتمثلة بثنائية(الدال– المدلول) ترجع أصولها إلى ما ذكرنا، فلماذا لم تحل فلسفيا، إذ كان حريا على الفلسفة أن تعالج حلقات الوصل وتكشفها ما بين المادي(الشكل) واللامادي(معناه).

 

 

 

وقد وجد الباحث في الاهتمام بالدراسة الدلالية تحولا علمياً، في ظل النشاط الفكري اللساني بكل أبعاده، منذ أن أدرك الإنسان أهمية اللغة في حياته اليومية. كما أن اللغة الطبيعية في جوفها هي ربط الأصوات بالمعني، ويتحقق ذلك في ضل التحفيز التواصلي بين أفراد المجتمع اللغوي، مما يجعل اللغة نظاما من العلامات الدالة التي تعطي مجالا رحبا من المفاهيم ([vi]).

 

 

 

ولذا ربط بعض الباحثين“مباحث الدلالة باللغة وأصبحت(الدلالة)أو(علم الدلالة) أو(نظرية الدلالة)أو(نظرية المعنى)أو(علم المعنى)منذ مطالع القرن العشرين فرعا من فروع البحث اللغوي، علما أن بعضا من الباحثين يراه الحق بعلوم البلاغة والنقد الأدبي و آخرين يعدونه في وسط الطريق بين الدراسات اللغوية والدراسات النقدية“.([vii]) كما أن هذه الدراسة، غير مسؤولة عن إيجاد حلول لمشاكل العلاقات الفكرية هنا أو حتى محاولة إيجاد حلول منطقية وفلسفية لموضوع الثنائية المادية، اللامادية. إذ أن هذا الموضوع يتميز في كونه من المواضيع التي لم يقف المفكرون لها على حدود. فعلم الدلالة نفسه"يشكو كغيره من العلوم الأكثر قدما وجدة في آن، من انه لم تحدد غايته بدقة... لذا يضل المختص والجاهل سبيلهما إلى هذا العلم لما يكتنف هذه التسمية(semantique) من مغالطات في الواقع"([viii])

 

 

 

2. تعريف الدلالة.

 

 

 

يدرجها صليبيا في معجمه على أنها :"أن يلزم من العلم بالشيء علم بشيء أخر والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول".([ix])

 

والفضلي عرفها :"ما يوجب إدراك شيء بسبب إدراك شيء ملازم له".([x]) بينما يعرفها الشيخ المظفر :"كون الشيء بحاله إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى وجود شيء أخر"([xi])

 

في التعاريف الاثنين الأولى نجد أن طرفي الدلالة(الدال- المدلول) يرتبطان ارتباطا اعتباطيا، أي بمعنى غير معلل، فإشارة معنى كلمة(يلزم)في التعريف الأول و(ملازم)في التعريف الثاني تؤكد صحة المدعى، في كون الارتباط هنا اعتباطي. وهذا يحيلنا إلى أبحاث سوسير، حيث يقول أنها"مركب يتكون من وجهين : دال ومدلول يستحيل الفصل بينهما لأنهما يرتبطان بعلاقة تواضعية اعتباطية"([xii]). لأن الدلالة ما هي سوى حاصل واقعي، نتج عن طريق التواضع و الالتزام(الاجتماعي، والنفسي، والثقافي، والسياسي... الخ) بمعنى الاتفاق والاصطلاح. فكأن الطرف الأول عندما يريد أن يدل للطرف الثاني إلى مسالة ما عليه أن يأتي بمتلازم لهذه المسالة.

 

 

 

وهنا أجد تقيداً في تعريف الدلالة، تحديدا عند النظر إلى آلية استخدامها وسعته في(العلامة – والإشارة – والرمز)، في حين التعريف الثالث للشيخ المظفر أكثر شمولية من التعريفين السابقين. وان كان لا يبتعد عنهما كثيراً. إذ هو يقول بالملازمة لاحقا عندما يتعرض إلى أقسام الدلالة.([xiii])

 

إن فهم الدلالة يكمن في نفس آلية اشتغالها(طرف ما يشير إلى طرف أخر)، وفي آلية الاشتغال هذه تدخل كل من هذه المفاهيم أيضاً(العلامة- الإشارة-الرمز) إذ كل منها يشير إلى معنى مقصود. وبما أن الأمر متعلق بأهل اللغة، فماذا نقول لهم، إذ يقولون بان اللغة نفسها وقفت أمام هكذا مفاهيم عاجزة عن إدراك معناها، وإلا لوجدنا لهم آثارا تفصح عن مكونات هذه العلاقة مثلا. وكأننا بهكذا منحى نطالب بتعريف للدلالة بما هي دلالة مطلقة، صحيح أن الأمر موكول لأهل اللغة في مثل هذه الأمور، إلا انهم في ذات الوقت يقولون أن اللغة باتت قاصرة على استيعاب اكثر المفاهيم، لاسيما ان الآراء في ذلك متعددة او هي متغايره، وتبلغ على حد علم الباحث ثلاثة: ([xiv])

 

 

 

أولا : رأي يقول بان خصائص العلم تعرف من خصائص اللغة.

 

ثانيا : آخر يقول إن المعرفة الإنسانية كلها محصورة في دائرة ما يعرف الناس من الفاظ وعبارات. فهم لا يرون وسيلة ينفذون بها لمعرفة الواقع غير اللغة فهي تؤدي إلى حيث الحقيقة الواقعية.

 

ثالثا : و أخر يقول إن ثمة جانبا من المعرفة يستحيل على اللغة أن تعبر عنه، و مع انهم يقرون ذلك، تراهم يحاولون استخدام هذه اللغة نفسها ليدلوا بها على المعرفة ذاتها.

 

 

 

إلى هنا نتوقف بعد أن بينا الاهتمام والقصور الواقع من جهة اللغويين، تجاه هذا الجانب المعرفي. كما إن هذه الآراء في كشف نوع العلاقة ما بين ثنائية الوجوه في(العملة)الواحدة، التي يستخدمها اغلبنا في كافة النتاجات المعرفية، لا تشير إلى إمكانية الوقوف الحتمي على ماهية العلاقة الحقه بين(الدال – المدلول). و ليس القصد من خلال ما ذكر أن يعظم الموضوع اكثر مما هو متسع في واقع الدراسات النفسية واللغوية والمعرفية، و إنما لتتم الإشارة إلى ذلك فقط.([xv])

 

 

 

3. أقسام الدلالة.

 

بما أن النظام الدلائلي الذي ينتقل من شيء، إلى معرفة شيء أخر، بحركة تأويليه ذهنية تربطها علاقة مقصودة معينة، فأنواع الدلالة تتعدد بحسب إيجاد اختلافات في العلاقة المذكورة.ولهذا يلحظ التوافق بشكل عام عند المسلمين العرب على تقسيم الدلالة إلى ثلاث أنواع(عقلية، وطبعيه، و وضعية)، هذا الحصر الدلالي في ما ذكر ليس حصرا عقليا إذ أن العقل لا يجزم به بمجرد ملاحظة القسمة بل هو حصر جعلي، أي بمعنى هو ناتج عن الاستقراء.([xvi])

 

فأما الدلالة العقلية فهي:"الملازمة الذاتية التي بين الدال والمدلول كالتي بين الأثر والمؤثر، ضوء الصباح اثر لطلوع الشمس".([xvii])

 

 

 

و أما الدلالة الطبعية :"وهي التي يكون سبب الدلالة فيها طبع الإنسان مثل قول(آخ)عند الإحساس بالألم"([xviii]). أو حركة النبض على وجود الحياة

 

والدلالة الوضعية : وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين تنشأ من التواضع والاصطلاح على أن وجود أحدهما يكون دليلا على وجود الثاني، كالخطوط التي اصطلح على أن تكون دليلا على الأشكال، وكإشارات المرور وإشارات الخرس... الخ.([xix])

 

 

 

ثم يقسم كل من فاخوري والشيخ الفضلي والعلامة المظفر([xx]) تقسيمات للدلالة الوضعية، إلى لفظية وغير لفظية، وربما تخرجنا هذه التقسيمات عن غاية المطلب فسوف لن نتعرض لها.

 

 

 

4. الصورة والدلالة.

 

 

 

ذات مرة ذكرت في حوار علمي عن اهمية الصورة والمعنى في صفحة من صفحات الحراك الفكري الفاعلة ، تحديدا في (المعجم الفلسفي الجمالي) (www.facebook.com/groups/Dictionaryarts)، النص الآتي : من جهة أولى أجد في تعظيم الخالق تعالى للصورة وهو المصور سبحانه، وفي تأكيده على تمثيل الوجود بصور، منها ما نقوى على إدراكه ومنها ما امتنع علينا إدراكه على اقل تقدير إدراكا حسيا كالملائكة وغير ذلك، وفي تعظيم الإنسان لإدراك الأشياء المحيطة به اخذ يحاكي صورها واخذ يضع لها تسمياتها بغية التفريق بين بعضها والبعض الآخر، وان دل هذا الاشتغال على شيء فأنه يدل على أمرين : الأول وهو (الخارجي) المحسوس في الصور أو التسمية، والثاني وهو (الذهني) المدرك او المجرد في (معنى) الصورة أو التسمية، ولا اعتقد أن أي احد منا ينكر ذلك؛ لأن الحديث عن(الصورة) يعني الحديث عن تلك الوحدة التي كانت بمثابة الهداية المؤشرة أو الدالة على باب الاركيولوجيا في أنظمة تاريخيانية، وعلى باب الاكسيولوجيا في أنظمة استاطيقية، وهي ذاتها - أي الصورة - التي اقحمتهما معا بالتقنية، وان كانت هذه الأخيرة موضوعا يستحق السجال والجدل بمفرده، حتى أصبحت الإشارة لتلك الأبواب (الأنظمة)، يراد منها الموضوع الباحث عنها كصورة ، فقط للمح بعض معانيها، لكنها تخفي بابها دون أن تُقرع .

 

 

 

انه نوع من عدم الانكشاف أمام التاريخ والجمال، وبوسع كليهما أن يطيلا افتتاح جلسة البحث حتى النهاية عسى أن تنكشف لهما حقيقة كل منهما، تلك التي ارتبطت بالأساس مع (الصورة)؛ الأمر الذي يفسر جهودهما في الاستغراق حولها، وكان الأجدر بهما - على الاقل في تقديري- ان تكون جهودهما حيال الصورة التي أصبحت تشير الى وجودنا الكينوني، الى الذات المتحيزة، الى الهوية، الانا، الى التعبير الذي يعني كل واحد منا والمطلب واحد. غير انها أصبحت موضوعا في الفراغ بلا حامل أو محمول، كما في اطروحة الفن اللاموضوعي، مما جعلها تنتمي إلى صعيد الاغتراب وحينها عبثا تم تجاوز المعنى. انه نوع من هدم تلك العلاقة بين الصورة ومعناها ذلك الذي تدل عليه.

 

 

 

والغريب في الأمر تجاوز هذا المطلب لكل اخبار الفكر الثيولوجي الشديد التأكيد على ان التمايز انما يكون بالصور، ولطالما اخبرنا عن ذلك، تماما كما يغض احدنا النظر عن ما يمثل تاريخنا وجماليتنا، انه تشفير في الذات، في جوانياتها تلك التي يكون اقدس ما فيها – حتى الان طبعا – صورته الذات – ذاتها . او هو انزياح متأرجح في الحوار بين طرفي المعادلة المرموزة تلك التي تمسك بها التاريخ على انها ثمثل حقائقه الموضوعية، وتمسك بها الجمال على انها ثمثل مقولاته الذاتية . الانزياح هنا يعني وصلا وفصلا بين كيانين، ليس جدليا ابدا بالمعنى الهيكلي او المنطقي المجرد، او الصوفي والعرفاني، بل لان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي فيه صورته لا تعني ذاته وتعنيه في آن معا، عجبا كيف استطاعت الصورة أن تكون اولى المواد التقنية في ذاتها كما هي، وان تتعرش في منظومة الاتصال بوصفها (احسن تقويم) حتى النهاية، وعجبا لماذا تتدفق المقولات الذاتية التي تحقق الانفصال في بنية الفكر الاستاطيقي والاركيولوجي، وكأن ثمة ما يحقق الانفعال الطردي بين كل منهما ، يراد به الحيلولة دون كشف مرفولوجي يحدد أهمية (الصورة)، والحقيقة إنما ابغي منها (المعنى) لما يتركه من آثار تحقق الجدل .

 

 

 

وفي تساؤل جميل قام بإيراده الشاعر جان كوكتو(1889- 1963) : الشعر ضرورة.. وآه لو أدري لماذا؟ . وهو إنما يقصد "التعبير الجمالي" بوصفه ضرورة ، وسواء أكان هذا التعبير الذي يمثل (الفرد أو الجماعة)، يرد ألينا من خلال الأداء (الصوري أو المرئي)، أم من خلال الأداء (الكتابي أو المحكي) فهو لا يمثل لنا أي شيء، عدى انه كاشفا عن مهارة الفنان وقدرته على تفعيل مساحة الوسيط (الشكل، الكلمة) في أعماله الفنية ، وما يعنينا في حقيقة الأمر هو "((المعنى))"، أرى أن تحديدا شكليا، محددا سلفا، هو ما يعطي للصورة صياغتها الجدلية التي تشكل منظوماتنا المعرفية، إذ ثمة تداخل في المعطيات، فمشكلة المعرفة ذات صلة بمشكلة (المعنى)، وهو ذا صلة بمشكلة الحقيقة، والأخيرة محط النظر الذي تتفحصه الانطولوجيا، غير انها وفقا لهذا التداخل المترابط، تزاد فيها صعوبة آليات التحليل والكشف؛ ذلك لانها تستدعي كل واحدة من المشاكل باشتراطها حضور الأخرى، وهذه سمة تفوق الانطولوجيا بوصفها عقلانية متفوقة، وما هي في النهاية سوى تجسيدا لمبدأ العلية في قانون التوالي، تماما كالتاريخ الذي لا يكف عن إبراز علاقة الأحداث ببعضها بفضل إرجاعها الى انساق من المتواليات، ونحن لا نحتفي ضمن معقولياتنا بأشياء لم يكن لها معنى، صحيح أننا في كثير من الأحيان نتواطأ على وجود المعنى في الأشياء ذاتها، بعد إن لم يكن فيها ، غير أن وجود المعنى بما هو وجود قووي يسبق وجود (الشكل، الكلمة) بما هو وجود فعلي، ومن هنا قلت أنها تمثل الوسيط او المظهر في صيرورة الأشياء ، وبالتالي تعكس مهارة الفنان وتبين قدرته. والملفت أن عملية تلقي المنجز تحدث بعكس ذلك، ففي كثير من الأحيان نلتفت إلى جانب الإظهار وتقنياته لأنه الجانب المادي في الموضوع الإبداعي وهو الأقرب إلى معطيات معرفتنا الحسية، ثم سرعان ما نصل إلى (المعنى) المحمل، بعد ما جاءت به كشوفات الحواس، فنكون في معطياتنا العقلية .. وهذه جهة ثانية.

 

 

 

ومن جهة أخرى نجد أن المؤرخين بشكل عام يؤكدون على الجانب الاتصالي في اللجوء إلى الصورة قبل اكتشاف الكتابة، وهي بهذا الشكل ليست سوى وسيطا حاملا للمعنى، ولأنها تتطلب المهارة والدربة قامت الذهنية الاتصالية وعلى مر آلاف السنين بتكثيف هذه الصور إلى مرموزات، فتكونت الكتابة، عبر مراحل أشار لها الأستاذ الدكتور ياسر منجي متفضلا. غير أن أي متطلع سيدرك أن الكتابة ما هي إلا معادل موضوعي كما جاء في سؤالي الأول ، بل وهو معادل (يسير: سهل) التداول وله القدرة على إيصال المعنى إلى الآخر وبشكل لا يتطلب ذلك العناء وتلك الدراية والدربة في صياغة الصور الجمالية أو الشكلية، كما انه لا يتطلب مساحات كبيرة ولا زمن طويل، والفرق واضح بين أن ارسم صورة (احمد جمعة) وبين أن اكتب ما يمثل (احمد جمعة) في كلمات وأحرف، غير أن هذا تطلب من الذهنية الاتصالية، البحث عن مسميات للأشياء والموجودات، ومن هنا بدأت التسمية، وبدأت الدراسات الاتيمولوجية وغير ذلك وتطورت اللغة كثيرا و اعجمت ألفاظها وبينت معانيها وصولا إلى الدراسات النحوية والبلاغية وأخير الألسنية، ولنا أن نتصور حجم هذه المعارف على ما موجود من لغات متداولة في الكرة الأرضية، إلا أن الشكل والصورة بقيت مستمرة. والسبب الحقيقي لبقاء الصورة الشكلية الفنية حتى اليوم بحسب ما اعتقد هو: احتياج الإنسان إلى التعبير الذي يكشف عن ما به من خصاصة (انطولوجية: وجودية)، فثمة ما يدفع إلى ممارسة الخطاب بعيدا عن تحجيم اللغة في حدود طوبغرافية مكانية واكرونولوجية زمانية. ثمة ما يحثنا على تجاوز الراهن والانفتاح بالمعنى ليصل إلى أي ذهن له القدرة على الإبصار، فالصورة الشكلية ومنذ الأساس هي المؤسس لكونية الوجود تلك التي أبى الله إلا أن تكون الصورة ذاتها ممثلا لها، و في كل الفنون البصرية إنما هي المؤسس كذلك لكونية الحضور، وبما أن الآخر هو الأهم في دائرة الانطولوجيا ذاتها، توجب إذن تخطي المسافات والأزمنة واللغة وغير ذلك مما يعيق الآخر عن بلوغ (المعنى).

 

 

 

ذات مرة قرأت أن العولمة إنما أصبحت كونية جراء ما في العالم اليوم من تطور تقني، بينما أرى غير ذلك، لان التقنية لا تعدو عن كونها وسيلة إظهار (وسيط ناقل)، وما به العالم اليوم من وحدة كونية جراء انتشار خطاب الصورة وتفعيلها في كل مفاصل الحياة في السينما وفي الشاشات الصغيرة (التلفاز الحاسوب الموبايل...)، وفي الإعلان وفي الصحف وغير ذلك، كما وقد اعترضت في احد الحوارات على فكرة نهاية التاريخ (لفوكو ياما) بدعوى أن الفكرة تشير إلى نهاية الايدولوجيا ، وواقع الحال أننا محكومين الآن بـ(أيديولوجيا) الصورة، على الرغم من تكاليف وأثار التعامل مع الصورة كمحدد ثقافي ومعرفي واخلاقي، فهو تعامل باهظ الثمن جدا ، بدأ من تنفيذ العمل الفني إلى الاقتناء، وهكذا فنحن نلهث وراء الصور، ندفع الفواتير وقوائم الحجوزات والتذاكر وبطاقات الأرصدة وغير ذلك لنشاهد ما يحيط بنا من صور، أو لنقل من (معاني)، مادام الانفكاك بينهما أمر لا يُتصور أو هو أمر تلازمي كما تقدم.

 

 

 

5. الخلاصة .

 

 

 

و أخيرا فإن مفهوم الإحالة من شيء متشكل إلى شيء متعقل . الإحالة من الشكل إلى المعنى . من الصورة إلى التداول الذهني ، إنما هي آليات اشتغال كلها انطوت تحت مفهوم كوني متجذر في بنية التفكير العقلية ومنذ البداية، غير أننا تسامحا قمنا بتقسيم أنظمة الإحالة إلى مسميات عديدة منها (الرمز - العلامة - الإشارة - الدلالة )، واعتقد بأنه لا فرق بين الرمز والمرموز إليه ولا بين العلامة وما تعلم إليه و لا بين الدلالة وما تدل عليه . رحم الله أستاذي العلامة المفكر (مدني صالح) إذ قال : كل ما في الوجود من تشكيل لا قيمة له ، إنما الاحتكام لتلك المعاني التي تحملها الرموز العلامات الإشارات الدلالات ، وهنا تعالوا أحبتي الأفاضل لنفتش عن حضارة قديمة كانت أو معاصرة لم تفعل في خطابها حضور الصورة، على الرغم من وجود الكتابة، غير أن الصورة ليست هدفا بذاتها وإنما (المعنى) هو الهدف، وعليه فأنا من أنصار تعظيم المعنى ، الفكرة ، المفهوم ، ليس فقط لأنه ذهني وكوني ، بل لأنه مدار فاعل لكل مراكز الخطاب ، حتى أننا لا نقوى على فهم أي شيء إن لم يكن له حضوره (المعجمي) ألشأني في أذهاننا، وهنا اسمحوا لي أن أبين المطلب بتساؤل : أيهما يحمل الأصالة الآن: (الصورة – الكتابة – المعنى) .

 

 

 

كما ان نظام الإحالة هذا وبشكل قطعي سوف لن يقف عند هذا الحد، فالإحالة الدلائلية تنفتح إلى ما لا نهاية له من التوصيفات او الكشوفات، وما ذلك البحث في انظمة الاشارة التي تحيل الى وجود العلة، سوى نوع من المواجهة ما بين الذات وذاتها، نوع من سطوع الصورة للحث على التفكير، نوع من الاستشراف على معرفة المجاهيل واحدا تلو الاخر، او لنقل أنه نزعة تحاول تأصيل المرجع في سلسلة الكشف الانطولوجي، انه الصانع الذي يؤكد حضوره في صور، والصور تؤكد حضورها فيه كذلك، انه نوع من الارتداد الاشاري في بنية دائرية مغلقة، لم يعد إزائها المصور والمبدع سوى باث او مانح للاشتغال الرمزي، على الرغم من كونه يشكل الحقيقة في ذاتها، حقيقة كونه صورة خارجية، واخرى كونه صورة شأنية محل وجودها دائرة التفكر والتعقل، الدائرة المفاهيمية، أصبحت في ما بعد تؤكد حضور السؤال الذي نمت به المعرفة بوصفه التاريخي والجمالي، وانه لمن اصعب موضوعات الفكر التقليدية ان تصير اداة التفكير هي موضوع التفكير.

 

 

 

 

 

 

 


 ==== الهوامش ====

 

([i]). ينظر: تدوروف و آخرون، المرجع والدلالة في الفكر اللساني، ت: عبد القادر قنيني، دار افريقيا الشرق، بيروت لبنان، 2000، ص9.

 

 

 

([ii]). سيتناول الباحث أقسام الدلالة لاحقا.

 

 

 

([iii]). بلاسم محمد جسام، التحليل السيميائي لفن الرسم، المبادئ والتطبيقات، أطروحة دكتوراه، بحث غير منشورة، كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، 1999 م، ص2.

 

 

 

([iv]). ينظر: المصدر السابق، ص 3.

 

 

 

([v]). دوروف، المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث، مصدر سابق. ص 9.

 

 

 

([vi]). ينظر : نوريه شيخي،"العلامة في اللسانيات"، مقال منشور في شبكة المعلومات العالمية، الانترنيت.

 

 

 

([vii]). رشيد بالحبيب"مقومات الدلالة النحوية قراءة في بعض الخصائص"شبكة المعلومات العالمية الانترنيت .

 

 

 

([viii]). يار غيرو، علم الدلالة، ت: انطوان ابو زيد، منشورات عويدات، ط1،بيروت، باريس،. 1986. ص5.

 

 

 

([ix]). جميل صيليبيا، المعجم الفلسفي، مصدر سابق، ص 563.

 

 

 

([x]). عبد الهادي الفضل، خلاصة المنطق، مصدر سابق، ص 16.

 

 

 

([xi]). محمد رضا المظفر، المنطق، مصدر سابق، ص36.

 

 

 

([xii]). ينظر:نوريه شيخي"العلامة في اللسانيات"، شبكة المعلومات العالمية ،الانترنيت، .

 

 

 

([xiii]). محمد رضا المظفر: المنطق، مصدر سابق، ص 37.

 

 

 

([xiv]). للمزيد يراجع: مصطفى غالب، برتراند رسل، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت لبنان، 1979،ص 85.

 

 

 

([xv]). بقي أن نذكر أن الدلالة"(semantique)المشتقة من الكلمة اليونانية(semaino)(دل على)والمتولدة هي الأخرى من الكلمة(sema)أو(العلامة)هي بالأساس الصفة المنسوبة إلى الكلمة الأصل (sens)أو المعنى. ينظر في ذلك: بيار غيرو،علم الدلالة، مصدر سابق، ص6.

 

 

 

([xvi]). ينظر في ذلك:جميل صيليبيا، المعجم الفلسفي، مصدر سابق ، ص563 /وكذلك:محمد رضا المظفر، المنطق، مصدر سابق، ص 26-37.

 

 

 

([xvii]). المصدر سابق ، ص 36.

 

 

 

([xviii]). السيد حسين الصدر، دروس في علم المنطق، دار الكتب العالمية، بغداد، 1997، ص38.

 

 

 

([xix]). محمد رضا المظفر، المنطق، مصدر سابق، ص38.

 

 

 

([xx]). ينظر:عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب، مصدر سابق، ص13. و ينظر:محمد رضا المظفر، المنطق، مصدر سابق، ص 38.

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق