]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ألعابُ السياسة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-06-29 ، الوقت: 20:04:47
  • تقييم المقالة:
ألعابُ السياسة

محمد الحداد /العراق

في زاويةٍ خفيةٍ مُظلمة من رأسِ كلِّ سياسيثمة ألعابُ طفولةٍ تحجزُ لهامكاناً أثيراً..تستعمرُ ذهنه وتمثلُ لهُ دون وعيٍّ منهُ مرجعية لا غنى عنها.. وحيثما حَمِيَ الوطيس نزلَ قبوَ طفولتهِ..وأخرجَ منهُ لعبة ما وأزاحَ عنها غبارَ الزمن وافترشَ لهُ مكاناً فوقَ أحراشِ الذاكرة وأدغالها وابتدأ اللعب!

هي ألعابٌ أكثر من أنْ تُحصى..لكنني سأستلُ من بينها لعبتينِ كُنا نمارسهما نحن أيضاً بشغفٍ عجيب حينما كُنا صغاراً..هما لعبة السُلّم والثعبان ولعبة الكراسي..لو أردتُ اليوم أنْ أستعيدَ تفاصيلهما للزمَ الأمرُ مني أن أعودَ بأقدامٍ حافية مُمتطياً ذاكرةً تتقاطرُ بي إلى الوراءِ وتتداعى صوبَ ماضٍ بعيد حيث مرتع طفولةٍ كانت عنواناً لمَرَحِنا الأول وشقاوتنا البريئة..

أذكر أننا كُنا نسأمُ أحياناً من القيودِ التي تفرضها علينا لعبة السلم والثعبان بقوانينها الخانقةِ التي توارثناها عن أهلنا..فنعمدُ إلى خداعٍ ذاتي نكسرُ بهِ بعضَ المللِ إذ نقلبُ تلكَ القوانين حسبَ مِزاجنا..فنصعدُ بالثعابين ونهبط بالسلالم !حتى إذا مللنا ذلك أيضاً هرعنا إلى فضاءٍ أرحب يَسَعَ بعض أحلامنا الطائرة مما توفرهُ لنا ألعابٌ أخرى منها لعبة الكراسي..وإنْ كان فراراً لا يطولُ أمده..في الحالةِ المقلوبة كان الصعودُ بالثعابين يشكلُ لنا وحشة أكبر وغرابة أشد من الهبوط بالسلالم..فالثعبانُ يظلُّ ثعباناً والاقتراب منه كان يمثلُ لنا الخوفَ بعينهِ حتى إنْ كان بنيّةِ الصعود نحو فوزٍ ينتظرنا في المربعِ الأخير..لكنَّ الأمرَ مع السلالم مُختلفٌ تماماً فلا وحشة معها ولا غرابة..ربما لأنَّ الذي رسخَ في الأذهانِ أنَّ وظيفتها مزدوجة أساساً بصعودٍ وهبوطٍ مألوفين..فمَنْ يصعدُ سُلّماً ينزلُ منهُ أيضاً..إلا أنْ يسقطَ أو يُسقطهُ أحد! حكمة كانت السلالمُ تجودُ لنا بها فنستسيغها ونأخذُ بها بطيبِ نفسٍ ونفضلها على حكمةِ الثعابين..

الغريبُ أنني أتابعُ اليومَ أطفالي من بعيدٍ وهم يلعبون لعبة السُلّم والثعبان التي ورثناها وأورثناها لهم..فأجدُ أنهم يقلبون اللعبة أيضاً كما كُنا نفعلُ تماماً..

في الألعابِ دائماً ثمة دروسٌ وعبرٌ كثيرة لا يُحسنُ السياسيُّ الإنصاتَ لها اليوم مثلما كان يفعلُ وهو صغير..رغم أنها تُغدقُ عليهِ منها ما يعينهُ على البقاء..طالما ظلتْ ممارسة اللعبِ حتماً عليهِ حتى بعد أنْ يُسجّلَ اسمهُ الكبير على قيدِ السياسة..

التعبُ سمة اللعبتين معاً..إذ لا مكان للراحةِ والسكينةِ فيهما لمنْ أرادَ قطفَ ثمارهما..ليس فيهما مكانٌ للجلوسِ ولا وقت لالتقاطِ الأنفاسِ بين صعودٍ وهبوطٍ في الأولى وركضٍ ودورانٍ في الثانية..فشروطُ اللعبتينِ لا تسمحانِ بذلك..لكن ما عسى أن تجودَ بهِ لُعبتا أطفالٍ إلى السياسي بوجهٍ خاص من دروسٍ وعبرَ تستحقُ الكلامَ والتفصيلَ غير الصبرِ والمطاولةِ والتحدي واحترامِ الخصوم؟ لنستمع ما الذي تقولهُ اللعبتانِ إلى اللاعبِ - السياسي مباشرة :

تقولُ لعبة السُلّمِ والثعبان :

- أنتَ في مكانٍ يُشبهُ ساحة حرب..يُدحرجكَ فيها نردٌ طائشٌ تتقلبُ بأمرهِ وسطَ ثعابينَ وسلالمَ ستجدُ نفسكَ مُجبراً على التعاطي معها رغم أنكَ لا تثقُ بها أبداً..وكيفتطمأنُ إلى لعبةٍ يُسيّرُها نردٌ لا قدرة لكَ أنْ تجزمَ بما سيهَبهُ لكَ أو لخصمكَ من رقم..لذا فمما يزيدُ اللعبة صعوبة وخوفاً أنَّ الفائزَ فيها يُمكنُ أنْ يكونَ أكثر اللاعبين غباءً..وأوفرهم حظاً!

- ليسثمةمَنْيكرهُ الصعودَ نحو القمةِ ولا مَنْ يُحبُّالسقوطَ منها..لذا قد تنسى صعودكَ بسرعةٍ لكنك لن تنسى سقوطكَ أبداً..يزيدكَ ذلكَ حسرةً لو كان منذاتِ السُلّم الذيأوصلكَيوماً مانحو هذه القمة..

- إجعلْ لكَ سُلّماً تثقُ بهِ..واحذر كثيراً من الصعودِ بسلالمِ الآخرين لأنَّ سلالمَ كهذهِ لن توصلكَ إلى القمة..وإن أوصلتكَ فهي نفسها التي ستُسقطكَ منها!وستجد أن احتمالا كهذا سيكبرُ أكثر لو أنَّ أحدهم أسندها لكَ..حينئذٍ ستتركُ حياتكَ رهنَ يديهِ إنْ شاءَ أصعدكَ وإنْ شاءَ أسقطك..

- إذا لم يُثمر صعودكَ بسُلّمٍ ما بإيصالكَ نحو القمةِ بنجاح..فتعلّم أنْ تنزلَ منهُ بسلام..أو بأقل الخسائر على الأقل..حينما يحينُ وقت النزول!

- الثعبانُ..عدوكَ الأول في اللعبةِ قبل غريمكَ الذي تلاعبهُ..يُمكنهُ ببساطةٍ أنْ يبتلعكَ إنْ لعبتَ كما يلعبُ الجميع..هذهِ وظيفته..لكن إذا كانت خياراتكَ بيديكَ وحدكَ فلن تعدمَ وسيلة لتحجيمهِ..وإنْ قلبتَ اللعبة نجحتَ في ترويضهِ..وبدلَ أنْ يبتلعكَ سيكونُ تابعاً لكَ..حينها ستمتلكُ القدرة على امتطاءهِ في كلِّ مرةٍ يحاولُ فيها ابتلاعكَ وربما هو الذي سيوصلكَ إلى مربع اللعبة الأخير!

أما لعبة الكراسي فلها شأنٌ آخر..فالكرسيُّ في موروثنا العربي هو الكرسي..حيثما نُصِبَ فسطوتهُ لا تقاوم..من الرئاسةِ إلى المقهى..يُذكرنا الجلوسُ عليهِ بهيبةِ الإمارة ولو على حجارة..هوأكبر عندنا من مجردِ مقعدٍ وثيرٍ يوفرُ راحة واطمئناناً لِمنْ يجلسُ عليه..يزدادُ ذلكَ المعنى سوءاً بشكلٍ مأساوي في دروبِ السياسةِ..إذ ينمو لهذا المفهوم منظورٌ شاذ نكادُ نتفردُ بهِ عن الآخرين..حينما تصبحُ لهُ قيمة تصلُ حدَّ القداسة..خاصة حينما يسبقُ انتزاع الزعامة عليهِ صراعٌ دامٍ طويل يحكمُ بألا يجلس عليهِ إلا شخصٌ بعينهِ دون سواه!

الكرسيُّ يمثلُ عندنا حالة تشكيلية مزدوجة الرؤية ترسمُ علاقة الأنا بالآخر ..ازدواجية القيادةِ مقابل العبوديةِ..والفوقيةِ مقابل الدونيةِ..والاستفرادِ مقابل التحجيم..علاوة على ذلك فإنَّ فشلَ الطامحينَ في الجلوسِ عليهِ يُشكلُ حالة نكوصية كامنة تزرعُ في بواطن الشعور الجمعي أشواكاً من الخيبةِ واليأسِ كوباءٍ مُضمرٍ لا شفاء منه..

لعبة الكراسي هي لعبة الأقوياء بامتياز ليس لأنها أكثر إمتاعاً بل لأنَّ القويَّ يطمأنُ دائماً إلى سطوتها أكثر..ويُنصتُ إلى عدلٍ يُشرعنهُ لهُ منطقُ القوةِ الذي يُبلسُ فيها..لأنهُ يؤمنُ تماماً أنَّ في هذهِ القوةِ قانوناً أوحداً يستحقُ الإنصات إليهِ والاحتكام لهُ والأجدر لأنْ يبسطَ كلمتهُ على الجميع.. يُحبونها أيضاً لأنها لعبة تزيدُ الضعيفَ ضعفاً والقويَّ قوةً..لذا هي تتفقُ تماماً مع طموحهم السياسي أكثر من اللعبةِ الأولى..

بعدَ ذلك تقولُ لعبة الكراسي للسياسي:

- لا صدفة في اللعبةِ أبداً..شاردُ الذهنِ وثقيلُ الحركةِ وبطيءُ البديهيةِ لا مكان لهُ مع الفائزين ربما يُسعفكَ الحظ فتربح مرة أو مرتين..لكنكَ إنْ راهنتَ عليهِ لن تجلسَ أبداً على كرسيّ اللعبةِ الأخير..لأنَّ مَنْ يستحقُ ذلكَ هو أكثر المتنافسين قوة وبطشاً ودهاءً..

- الكرسيُّ الأخير مثلكَ..يظلُّ مُبهماً للجميع شأن الذي سيفوز بهِ تماماً.. لأنكَ لا تعرفُ بعدَ كلِّ جولةٍ أياً من الكراسي المتعددة التي تتصارعُ عليها مع خصومكَ سيخرجُ من اللعبة وأيها سيظلُّ صامداً حتى النهاية..تلكَ شروطُ اللعبةِ فلا تنسى ذلك..

- حتى مع أشدِّ السباقاتِ الرئاسيةِ ضراوة..فالصراعُ ينحصرُ دائماً في النهايةِ باثنينِ يتنافسانِ حولَ كرسيٍّ أوحدٍ وأخير..مهما كثرَ عدد المتنافسين..

- إنْ خسرتَ اللعبة فمِنَ الإنصافِ أنْ تُصفّقَ لخصمكَ الذي ربحَ الجلوسَ على الكرسي الأخير بدلا عنكَ وتُباركَ لهُ..وإنْ ربحتَ فمِنَ الفروسيةِ أنْ تحترمَ خسارتهُ وتشهدَ لهُ بالقوةِ وطولِ النفَسِ والصبر..لأنهُ ظلَّ نداً لكَ حتى آخر لحظةٍ..   

-..لن يسعَ لكَ الوقتُ لتحتفلَ بكرسيٍّ فزتَ بهِ في جولةٍ ثانوية لأنكَ ستعاودُ الركضَ ثانية طمعاً بالجلوسِ على كرسيٍّ جديد حتى يُحسمَ الصراع أخيراً على الكرسي الأخير! لكنَّ العجيب أنكَ بعد أنْ تألفَ الركضَ والدورانَ طوال اللعبة..ستستوحشُ أخيراً من مكوثٍ آمنٍ مُطمأنٍ على كرسيٍّ واحد لو حُسمت اللعبة لصالحك! لذا سيوسوسُ لكَ كرسيكَ أنَّ الجميعَ يُخططونَ لإزاحتكَ منهُ ويعدونَ العُدة لانتزاعهِ منك..حينها ستكتشفُ أنكَ أصبحتَ شخصاً آخر لم تكن تعرفهُ من قبل! لكن إليكَ الخبر السيئ..فرحلة الجلوسِ على الكرسيّ الأخير في لعبةِ الكراسي ليست طويلة فحسب بل لانهاية لها أبداً..وأحياناً تنطلقُ بداية اللعبةِ من نهايتها طالما بقيّ الكرسيُّ مُدرجاً على قيدِ الأحلام!

- الكرسيُّ الذي صارعتَ الجميعَ من أجلِ الفوز بهِ..أنتَ الذي صنعتهُ فلا تدعهُ يصنعك..لا تنس أنهُ جاهزٌ لكَ بقدرِ ما هو جاهزٌ لغيركَ..كم تزينَ قبلكَ لغيركَ وكم سيتزينُ لآخرين من بعدك..الغرامُ الذي بينكما كاذبٌ وغزلكما زائف..تسعى إليهِ بقدرِ ما يبتعدُ عنك..تكرههُ لأنكَ تهيمُ بهِ مادام بعيداً عنك..وتحبهُ لأنك تخشى فرارهُ مادام تحتك..لكنكَ لا تدري أنهُ يقتربُ منكَ بقدر ما تزهد بهِ..ويبتعدُ عنكَ بقدرِ ما تلتصقُ به!

في المحصلة..تنتصرُ لعبة الكراسي دائماً على جميعِ ألعابِ السياسةِ الكثيرة..يُحبها السياسي ويفضلها على لعبةِ السلم والثعبان مثلا..لأنَّ المنافسة فيها تبدو أكثر وضوحاً..حينما تكونُ القوةُ والحنكة والمكرُ والدورانُ على المحك..رغم أنَّ الخسارة فيها أبهظ..وربما هذا سببٌ آخر يدفعُ بالسياسي لأن يقامرَ بحبها أكثر! لعبة هي الأقدر على أنْ توقعَ بهِ وتنفخَ في غرورهِ حينما تلوحُ لهُ من بعيد وتوحي لهُ في كلِّ مرةٍ أنَّ النصرَ حليفهُ لا محالة لأنهُ وحدهُ أهلٌ لذلك...لعبة ستظلُّ الأقدر دائماً على أن توقظَ فيهِ منطق طفولتهِ القديم الذي يستعمرُ رأسه مرة بعد مرة..    

هما لعبتان..كرهناهما مبكراً فتركنا لعبهما..كم كنا واهمين حينما ظننا أننا كبرنا عليهما قبل الأوان فاكتشفنا أن اللعبتين هما اللتين كبرتا علينا! لم ندرك أنهما لعبتا الكبار لا الصغار..من يومها تركناهما لِكلِ مَنْ أحبهما كحُبهِ لجنونِ السياسةِ الأصفر..لكننا من يومها أيضاً كرهنا مَنْ بقيَ يُحبهما و لا يملّ من لعبهما! 

مواعظ اللعبتين..محضُ كلمات..حتى لو أسرفنا هنا في نثرها بين يديه.. سيعدها السياسي ثرثرة مجنونٍ لا يعبأ لهُ أحد..أو كدندنةِ مُنقطعٍ في صومعةٍ أعلى جبل..لأنهُ موقنٌ أنَّ اللعبة الحقيقية هي ساحة الحرب التي لا وقتَ للعبِ فيها! وسيظلُّ أبداً كلما حميَ الوطيس نزلَ قبو طفولتهِ المُظلم وأخرجَ لوحةقديمةللعبةِالسُلموالثعبان وافترشَ لهُ مكاناً فوق أحراشِ الذاكرةِ وأدغالها أو نثرَ فوقها بضعة كراسٍ وابتدأ اللعب..أو الحرب....رغماً عنا.

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق