]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحنين الى الاستبداد والرّغبة في التحرر

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-06-28 ، الوقت: 09:09:36
  • تقييم المقالة:

 

الحنين الى الاستبداد والرّغبة في التحرر

فتحي العكرمي

1- تاريخيّة التسلّط: يُحدّثنا تاريخنا- لنُنصت ونفهم ونعي ونتعقّل – عن لحظات فارقة صنعها المُبدعون في العلوم والفقه والحكمة والقِيم الجماليّة والسّياسيّة،  فآراء أهل المدينة الفاضلة  للفارابي رسمت قولا عربيّا في تدبير شؤون البلاد والعباد بمنطق التعقّل والحوار والاختلاف وفق خصوصيّات حضاريّة ميّزت  اللّسان العربي  والكرم الطّائي والحبّ العذري والمدح والهجاء والتطيّر والفِراسة عن بقيّة الحضارات ، غير أنّ هذا التميّز بدأ في الانحسار وتحوّل إلى علامة سلبيّة حين اختلط عرش الحاكم بشهوة السّلطة وبالرّغبة في البقاء فبدأت " طبائع الاستبداد " في التشكّل وأضحى الحاكم مصطبغا بدلالة مقدسة فهو ظلّ الله في الأرض أو سليل الأنبياء أو العائلة المقدّسة أو حامي حِمى الدّين أو  المنقذ من مصائب الدّنيا والآخرة فهو الإمام والهادي لما هو مستقيم والمتحكّم في ثروات البلاد وفي رقاب العباد إذ هو القاضي والحَكَم لأنّه يبقى دائما خارج الصّراع ، فهو الوحيد الذي لا يمكن له أن يكون عدوّا فقداسته تجعله حاكما عادلا وزاهدا في الحياة ، بينما كل المصائب والمشاكل والصعوبات التي تحلّ بمن يحكمهم هم من يصنعها لأنّهم لا يطيعونه بإطلاق ولأنّهم لا يفكّرون على شاكلته  وأساسا حين يتساءلون عن معنى الحرّية في البداية ثمّ يبحثون في لحظة موالية عن سُبُل تحررهم من عبوديّة يراها الحاكم طبيعية وضرورية وشرطا لاستمرار عرشه ، حينها تبدأ المسافة الفاصلة بينهما والتناقض بين حاكم مستبد يحنّ الى التسلّط الذي تعوّد عليه وبين مواطن يرغب في الحرية داخل دولته ليكون له معنى وليصبح قادرا على الفعل والاضافة وتفعيل قدراته داخل وطنه

2- الحرّيّة كتوهّم  : يمرّ تنظيم الدّولة في سياق حديث عبر عَقْد ناتج عن اتفاق بين المجموعة ، غير أنّ الواقع العربي الرّاهن يصطدم بصعوبات عديدة أهمّها من هو أو ما هو مصدر هذه المرجعيّة التي وجب الاتفاق بشأنها : هل العقل أم الشّريعة أم كلاهما ؟ وهو ما خَلق تناقضا بين التيّارات الحزبيّة التي برزت بعد الثّورة مردّه هل نعطي ثقة كاملة في العقل ليتدبّر شؤون الدّولة أم يجب اختزالها في خلف وسلف لهم من الصّلاح والصّلاحيّة ما به يمكن حلّ القضايا المُستَحدثة وفق مصدر ممتدّ في التّاريخ؟

إضافة إلى هذا التناقض الجوهري بين المطلبين توجد وتستمرّ القطيعة الجذريّة بين من حَكَم وسيحكُم لاحقا ( الفرد-العائلة الحاكمة-العشيرة-القبيلة-الحزب الواحد ) وبين المواطن الذي هو دائما مصنع يُجَرّب فيه كل شيء : أدوات القمع – التعذيب السّريالي – البرنامج الاقتصادي الجديد – التقشّف ، فالأخير تحوّل إلى أداة أقصى اجتهادها أن تبارك وتُطيع وتتبع حاكمها تدعو له علانيّة وفي سرّها لأنّ الكوابيس تتبعه حتّى في نومه والتي صنعها له حاكمه . ففي الرّاهن المابعد ثوري أي " بعد أن بدأ الهيجان في الخفوت "  كشفت الصّراعات بين الأحزاب والإيديولوجيات حتّى داخل الملّة الواحدة عن رغبة لها امتداد عميق في استعادة الواحديّة في الحُكم : أُحاديّة القائد والزّعيم ، الايديولوجيا المُثلى، الحزب الأفضل ممّا أنتج علاقة عِدائيّة بين الأطراف التي ترغب في هذا تجسّدت في محاولة الإقصاء والعنف والتّخوين والتّكفير، فكلّ طرف يريد أن يكون واحدا يسير الجميع خلفه صمتا ومدحا وتصفيقا وتبريرا .

فالتمركز حول حقيقة واحدة على اختلاف مصدرها هو بداية المسار للاستبداد، والخوف من الاختلاف وكُره التعدّد ورفض تنوع المقاربات والمناهج هو دلالة على التسلّط وعلى الرّغبة في الافتكاك والاحتكار، فكما حوّلت العولمة الإنسان والفكر والجسد والأوطان إلى مجرّد بضاعة لا معنى لها أخلاقيا وإنسانيا ، فان الصراعات العربية الرّاهنة تمارس عولمة محلّيّة مصحوبة بسوء نيّة سياسية ترغب في استقطاب المواطن كورقة انتخابيّة وكجسر تصل به إلى العرش ثمّ تحكمه ليس لتحقيق أبسط مطالبه بل للتحكّم فيه كما جرت عاداتنا العربيّة التي تحوّلت من قِيَم كونيّة تتمثّل في الوفاء بالعهد وإغاثة الملهوف إلى عقل حِسابي يسعى وراء غايات متعددة وينظر إلى المواطن على أنّه غنيمة سياسية وحقلا يزرع فيها إعلامه وحاشيته ومصالحه ونزواته .

3- العَدل من القيمة إلى البضاعة: في التعريف اللّغوي العَدل هو ضد الجور وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحُكم، ورجل عَدْل ورجال عَدْل ونسوة عَدْل – اللغة عادلة هنا إذ من المناسبات القليلة التي تسوّي فيها بين المؤنّث والمذكّر-  ، والعِدل هو نصف الحِمل ، فأيّ موقع للعَدل وللعِدل في واقع راهن يتحسّس الجديد؟

ما هو الأثر الذي تركه " الوثب السّطوع " أي الثّورة ؟

تتمثّل الحلقات المنقوصة في الثورات في الوعي بمعنى تفعيل العقل بطرق متعددة ، وبما أنّ الفكر هو موطن التغيير والنقد ومعرفة الظّاهر والخفيّ ، فانّ الحاكم العربي الواحد والأوحد والمقدّس قد قتل هذا العقل بطرق مختلفة فأشاع الأوهام وأباح الأساطير ووزّع الخيالات بسخاء وزرع الخوف في النفوس وطرد كلّ عقل نقديّ ، استعمل الإعلام والدّعاية والحزب والدّستور ليجعل صورته أيقونة تجسّد واحديته العادلة فهو أب الجميع والمدافع عن الدّنيا وعن الدّين والإمام والأمّ الحنونة ، غير أنّه في مقابل تلك الأوهام التي ينثرها في العقول ليطمس فيها تفكيرها النقدي يبيع الدّنيا والآخرة والوطن والمواطن والأرض والسّماء لطائرات الأعداء غايته جمع الثّروة وتوريث عرشه واقتسام الغنائم فهو لا يحكم وطنا بل يستعمره إذ هو في حرب دائمة مع المواطن – العدوّ . فبداية الثّورات كانت من جهة ما بداية تشكّل وعي رأى في الحاكم الفرد –الحزب-الأسرة الحاكمة عدوّا صريحا وُجد لا للحُكم العادل بل لتصفية كل من يطالب بالحق الأدنى من العَدل ، فبقدر ما كان غياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية سببا في تثوير الواقع كان البحث عن مساحة متحررة يستطيع فيها المواطن العربي أن يعبّر عن موقف وأن ينقد ما هو سلبي وأن يكون لموقفه وقعا قادحا لتغيير قرون من الاستبداد حكمت فيها العائلات والأحزاب طويلا فأضحى طعم الاستبداد معروفا وأصبحت مناهجه ووسائله معروفة لدى الأغلبية ، فكأنّ الرّغبة في تغيير شكل الاستبداد أصبح الغاية القصوى والإبقاء على روحه وجوهره هو الرّهان الذي يبقى متساوقا مع المواطنة .  

فاللاّعدالة هي ميزة واقع عربي تنهشه أدوات التسلّط والحسابات المنفعيّة من داخله ومن الخارج حتّى تحوّلت الحرّيّة وهما بمعانيه المختلفة ، فأوْهَمْت الشيء إذا أغفلته أو تركته كلّه ، وفي المقابل فالوهم هو الطّريق الواسع والواضح . ففي مفترق الثّورات نحن في راهن يتردد بين إغفال الحريّة أو تركها برمّتها وفي جهة ثانية الانفتاح على طُرُق  لم تكن معهودة وأمام طريق بدأ واسعا وبدأ تضيق ، فالحاجة إلى رؤية واضحة ومنهج قويم واختلاف ينشد التعدّد وتحديد المعنى الإنساني والقيمي لدلالة الحرّيّة يمثّل رهانا ثوريّا بما أنّ إنسانية المواطن لا تنفصل عن تحرره من آليات الاستبداد

4- صراع المشتاقين للاستبداد والمحتاجين للتحرر : إذا اعتبرنا أنّ الاستبداد طبيعة وطبع يحنّ إليهما من عاش في وضع يمنع ويجرّم ويرفض الحرّيّة كمفهوم والتحرّر كفعل واقعي واجتماعي ، فانّه في المقابل تبدو الرّغبة في الحرّية والعمل على التحرر هي ذاتها طبيعة سابقة تاريخيّا ومنطقيّا عن المستبدّين ، فالناس الذين " ولدتهم أمّهاتهم أحرارا "  والمواطن الذي يستجير بحاكمه من ظُلم الحياة ومن قسوة معيشه الاجتماعي والاقتصادي هم أقرب إنسانيا ودينيّا وقيميّا في تحقيق رهانهم  من المستبدّ ، والفترة التي يسيطر فيها المتحكّمون الحاكمون في مجتمع ما ليست دلالة على مخزون عقلي يتميّزون به على المحكومين بل هي نتاج إيمان المحكوم بأنّه وُلِد عبدا وسيَحْيا كذلك " فالعبد لا يرى سيّده كبيرا إلا لأنّه يعيش حياته ساجدا له " لذلك ليس غريبا أن يصبغ الحاكم على عرشه القداسة – مع اختلاف المرجعيات -  والثبات فيوجد لها تبريرا ليكون تسلّطه مقبولا ومعقولا وبريئا ولتكون عبوديّة المواطن فعلا يدلّ على طاعة وخضوع تجسّدان المواطنة الحقيقية في مقابل المتمرّدين والمشرّدين والخارجين عن بيت الطّاعة والمجانين لذا يصنع الحاكم " لسان الاستبداد" كلسان عربي  يفصل فيه بين التابع  والخاضع له وبين العدوّ ، فداخل الوطن الواحد ومن وجهة نظر الحاكم الأوحد الحرّيّة هي قوله وفعله وما سوى ذلك فهو السّلبيّة الكاملة . أن يكون الاستبداد قَدَرا وأن تكون حركة التّاريخ العربي تردّدا بين ألوان متعدّدة من التسلّط أو هو المسافة الفاصلة بين اللاعدل واللاتحرر على الرّغم من الوثب السّطوع وأنواع الهيجان فذلك يفرض جملة من الأسئلة التي تتطلّب " تفكّرا واعتبارا " لعلّنا نستيقظ من أوهام التجارة بالحرّيّة ومن كوابيس الاستبداد لفتح أفق عربي جديد يجعل الحياة ممكنة أوّلا وحَسَنة وفُضلى لاحقا :

- ما الموقع الذي يحتلّه الشّهداء والمعاقون واليتامى والمُشرّدون في واقع سياسي جديد أو ربّما يستعيد قديمه ، فهل  النّسيان كما الصّمت من شِيَم العرب؟

- هل بلغنا من القُدرة ما به نستحضر مفهوم الحرّيّة في معناها العربي ؟

- متى كان الاستبداد فعلا إنسانيا سواء من وجهة نظر دينية أو أخلاقيّة أو إبداعية ؟

- ما الذي جعل التفكير في الحرّيّة فعلا استثنائيّا في مقابل التسلّط كعادة وكتجربة عاديّة ؟

- ألم يحن الوقت لنستيقظ الفكر النقدي الذي يراهن على تحرّر كل مواطن في تلازم مع المسؤوليّة ؟

 - ألم يتوضّح بعدُ مفترق الطّرق الذي يوصل إلى وجهتين متناقضتين : الأولى نحو استبداد بأسماء متعددة والثّانيّة باتجاه الحرّيّة كتفكير وفعل يجسّد إنسانية المواطن ؟

- هل مازلنا عاجزين عن التّفريق بين باطل استبداد يُراد به التحكّم والإكراه وبين الحرّيّة كحقّ شرعي وإنساني وقيمي ؟

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق