]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البطيخة الملعونة . ( أطياف من السيرة ) .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-06-23 ، الوقت: 17:04:52
  • تقييم المقالة:

 

هل تملك المرأة الحامل ، حين يأتيها وجع المخاض ، إلا أن تصبر وتتجلد ، كي تلد ، وهي تعلم أن في ذلك نوعا من المخاطرة ، وربما الهلاك ؟!

ولكنها تفعل ذلك ، أكثر من مرة ، في سنين حياتها ، بنوع من النشوة والألم ، والأمل أيضا ، والفرح في نهاية المطاف ؛ لأنها وهبت للحياة مخلوقا جديدا ، سيكون له دور في الوجود ...!!

كذلك أفعل أنا ، في هذه " الأطياف " من السيرة ؛ فإن رأسي ، في الحقيقة ، منتفخ بها ، وقلبي متوجع منها ، وكان علي أن أضغط على أسناني ، وأشد على يدي ، وألدها ، وأرتاح ، وذاك بفضل القلم على سرير الورق .. وما أكثر ما ينزف قلمي ، بصورة فجائية ، ويسيل كلمات وكلمات ، ترقص على الورق ، كما الطير يرقص مذبوحا من الألم !!

ولكن كيف أفعل ذلك ؟!

إنها " أطياف " من حياتي المنصرمة ، تمرق كالبرق في ذهني ، من حين إلى حين ، ولا أستريح من إشعاعاتها القوية ، إلا إذا اعتقلتها ، ولا يتأتى لي ذلك إلا بفضل الكلمات ، التي تتراكض سريعة ، كي تلحق بها ، وتمسك بأزمتها العصية ، وتجعلها تستقر أخيرا على الورق . وذلك دون أن أفرض على نفسي أي منهج ، أو أستعين بأي كاتب أو شاعر أو فيلسوف ، قرأت له ، أو أضع لقلمي خطوطا حمراء ، أو حدودا معينة ، يقف عندها ، ولا يتجاوزها . بل أترك قلمي يخط على سجيته ، وأدع نفسي تملي عفو خاطرها ، وأكتب كأنما أنظر إلى مـرآة ؛ فالمـرآة هي الشيء الوحيد الذي يكشف للمرء حقيقته كاملة ، دون زيادة ، أو نقص ، أو تحريف ، أو خداع ، أو تشويش ...

ولكن، علي أن أخبركم من أكـون ؟

أنا فرد في هذا العالم ، ولدت من أبوين فقيرين ، جاهلين ، جئت إلى هذه الدنيا أول ذكر ، بعد أول أنثى ، ثم جاء بعدي أربعة ذكور ، وأنثى هي آخر العنقود ، كما يقولون .

يحكى لي أن طفولتي كانت معذبة لي ، وغير مريحة لغيري ؛ عشتها كلها معرضا للأدواء والأسقام ، وأنني كنت كثير الصراخ والآلام : طعامي دواء .. شرابي دواء .. نومي دواء ، وأحلام مرعبة ، وكوابيس مفزعة ...

حتى إن والدي ، ومن يدور في فلكهما من أقارب وعقارب ومعارف ، كانوا يرجحون موتي المحقق ، في أقرب الآجال !!

غير أن هذا الترجيح لم يتحقق ، وبقيت حيا ، أرزق عند ربي ، إلى حد كتابة هذه السطور، كي أشهد عذابات وآلاما من نوع آخر، وبـوعـي أكثر ...

أذكر أنني كنت طفلا عليلا ، ومشاغبا ، على رغم العلل : كنت أشعل النيران ، وأحرق الأمتعة ، وأتلف أغراض بيتنا وبيوت الجيران ، وبيت جدتي لأمي خاصة . وكانت أمي حين تأخذني إلى بيت جدتي ، كانت هذه الأخيرة تضيق بي وتنزعج ؛ فلقد كنت أحطم لها الأواني ، وأهشم أغصان أشجارها القليلة من تـيـن ورمـان ، وأخنق كتاكيتها الصغيرة ، وأطارد أرانبها المذعورة أيضا ... وكثيرا ما كانت أمي تنهرني، وتعاقبني أحيانا بالضرب ، أو بحرماني من متعة ما ، وتحذرني ألف مرة ، من أن أعود إلى اقتراف هذه الأعمال الشيطانية ... غير أن شيطاني كان أقوى من أمـي ، وإغراءاته كانت أشد تأثيرا من أوامرها وزواجرها !!

حين أتذكر هذا الماضي البعيد ، تتمثل في ذهني صورة جدتي ، التي كانت أطيب جدة على وجه الأرض ، فأترحم على روحها ، وأطلب منها أن تغفر لي زلاتي ، وتعفو عن جرائمي البريئة .

وأتحسر على أنها لم تظل حية إلى يومنا هذا ، حتى تشاهد حفيدها المشاغب ، كم تغير من النقيض إلى النقيض ، وأصبح إنسانا يؤلمه أن يؤذي ولو نملة صغيرة ، أو يخدش غصنا في شجرة ...

وأتذكر أيضا ـ ويا ليت لا أتذكر ، وأنسى تماما ـ أتذكر والدي ، الذي كان يرعبني كثيرا ، ويرعب أمي و إخوتي ، ويمارس علينا نوعا من الجبروت والقسوة ، الوحوش منها تـفـر ، والجبال تتصدع ... وصورة عنيفة جدا ، ظلت منقوشة في ذهني ، مثل الوشم في ظاهر اليد ، إلى يومي هذا ؛ وهي يوم أن عاد ، ذات مساء ، إلى البيت ، يسبقه صوت محرك دراجته النارية ، وكعادتي هرعت إليه ، عند الباب ، كي أقبل يده ، وأحمل عنه ما كان يحمله . وشاء حظي الأسود ذلك اليوم أن أحمل بطيخة ( بطيخة لست أنساها أبدا ) ، كانت ضخمة جدا ، وثقيلة ثقيلة ، فسقطت من بين ذراعي الواهنتين ، وانفلقت في ساحة البيت أجزاء متناثرة ... فلم أشعر إلا وأنا مسافر بين الأرض و السماء ، والضرب المبرح ينهال على جسدي الضعيف ، كأنه المطر ، حتى أن مـاء ساخنا جرى بين فخذي ، ثم أغـمـي علي !!!

يا لها من ذكرى مريرة : لقد كدت أن أهلك بسبب بطيخة !!!

البطيخة ، في النهاية ، كانت شهية ؛ أكل منها والدي حتى التخمة ، بعد أن جمعت أمي أنصافها الصالحة للأكل ، ونظفتها ، وقطعتها قطعا صغيرة ، في طبق كبير.

وهكذا تـرى أن البطيخة ، عند بعض الآباء ، أعـز من الولـد !!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-06-24
    بينما كنت اقرا لكم ,,
    وجدت ان تلك الاحداث متشابهة في كل الاوطان ..حتى البلاد الغربيه ..كان الاب  كما فترة تلك الحقبة الظالمه ..
    كانوا ينظرون الى الأباء كرمز يجب اطاعتهم ولو كان معاكس لكل القوانين ,
    قد يكون ناتج تربية ما ..او كانه كان وضعا مقبولا وغير مرفوض ابدا ..فهي صفة المجتمع آن ذاك
    اما الآن فقد انقلبت الصورة تماما
    قد تجد الابن هو من يتحمل تلك المسؤولية او صاحب الامر والنهي .. لا اقل انها صفة سائدة ..ولكنها بدات تظهر لنا جليا ولم يعد للاباء سلطة على الابناء وصار الاب ..يخاف ان تقع منه البطيخة !!!
    لا انكر ان التربيه في كل الاحوال هي الوسيلة لتلك الاوضاع الظالمة  ..والتربية منبعها من الفكر الصح ,,والفكر الصح من الفكر الصالح ,,والفكر الصالح اصله دين صحيح نتبعه وناخذ به ..قل لي الان ..كيف نحن ؟؟
    أليس ديننا مهلهلا ..صار يتبع كل واحد أهواءه ويفسره كما يريد ؟؟
    اذن كيف ستكون تلك اللبنة الصحيحه في مكانها الصحيح ؟؟!
    الخضر التهامي ..
    انت رائع بكل طرح تقدمه باسلوبك المثير للجدل والحوار الذي يفتح العقل ..وبطريقة شيقة وتبعث الهدوء والسكون
    لك السلامة والنبض المفعم بالود
    طيف بخالص التقدير لكم

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق