]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

الـمـكـتـوب !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-06-22 ، الوقت: 10:04:51
  • تقييم المقالة:

 

" الحزن " عليك هو المكتوب يا ولدي...

" الحزن " عليك هو المكتوب يا ولدي...

كم هو كبير حزني، خلال هذه الأيام الكئيبة، التي تنقضي ما بين الأكل، والشرب، والنوم دون أحلام سعيدة، وأحلام يقظة غير مهذبة، وغير ممكنة، في نفس الوقت، تجعلني أعيش وحدي، شريدا، محطم الخطوات...!!

أشعر به ( أي الحزن ) كأنه ملايين من الأحجار الصلدة، الثقيلة، تتكدس فوق روحي وفؤادي؛ فلا أشعر بذاتي، ولا بالذين حولي، ولا بالدنيا كلها...!!

ولست أعي، بالتحديد، ما سبب هذا الشعور الفظيع، أو ما هي دواعيه ودوافعه ؟!

ربما يعود إلى الرتابة، التي تنجم عن العمل، الذي أزاوله كل يوم؛ فهو " عمل بلا أمـل يصفي رحيق الحياة "...!!!

أو يعود إلى القلق، الذي يوسوس في صدري من الجنة والناس ...!!!

أو إلى الإصابة بالإحباط، والانكسار، والشعور بالهوان، والتيه، والضياع...!!!

وربما يعود إلى الإخفاق في أن أحقق شيئا.. أن أصنع شيئا .. أن أبتكر .. أن أبدع .. أن أؤلف ...!!!

حتى الكتابة ـ هذه الهواية المحببة جدا إلى نفسي ـ أفلت مني زمامها، أو قل ضاع مني أول خيطها، أو فقدت مفتاحها السحري العجيب؛ فلم أنجح، لحد الآن، في أن أكتب شيئا ذا فائدة، ومغزى، ومعنى...

وحين يخامرني أدنى شك في أنني لا أستطيع أن أكتب، أتصورني شخصا ميتا، أو ذاتا مهملة، لا دور لها في الحياة، ولا أهمية، ولا شأن في الوجود؛ فأنا لست ذا مال، ولست ذا جمال، ولست ذا جلال ... حتى ألقى في هذه ( المزايا )، التي يفرح بها غيري من الناس، ويعتزون، ويفخرون، ألقى فيها بعض العزاء والسلوى.

الكـتـب ؟!!

قد مللت منها . بل قد أصبحت أضجر منها، وأقرف؛ فهي تملأ حياتي كلها، إلى درجة أنها جعلتها " فارغة " من أي شيء سواها ... فهي باستمرار بين يدي، وأمام عيني، وقبالتي، وورائي؛ في المكتبة التي أعمل فيها أطراف النهار.. في الغرفة التي آوي إليها آناء الليل .. في الواجهة التي تقابل باب منزلنا عند الدخول .. بل وحتى في المرحاض توجد صناديق، أيضا، امتلأت بالجرائد والمجلات والملاحق الثقافية ...

كتب .. كتب .. كتب ...

ما هو مكتوب في الكتب " لازم تشوفه العين "، ولا بد أن أقرأه، وأن أفكر فيه، وأن أعمل ببعضه نادرا، وأن أتعذب ببعضه الآخر حائرا...!!!

وكثيرا ما يخامرني ظن قوي أنني، يوما ما، سأموت بها، مثلما مات بسببها الكاتب العربي القديم الجاحظ (777م/868م)...!!!

 وصديق لي، كثيرا ما يتفكه معي، ويقول لي، في بعض الأحيان :

ـ يا بختك السعيد..!! فأنت يوم تجد نفسك في ورطة، أو تقع في ضائقة مالية، ستجد على الأقل كتبك كي تبيعها، فتخلص نفسك من الفقر والحاجة، وتصير من ذوي الغنى.

وابنة عمي، بدورها، رددت على مسمعي، ذات مرة، مثل هذا الكلام.

وأقول للجميع :

ـ أبيع نفسي ، ولا أبيع كتبي ...

" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها " .. وثدياي : كـتـبـي ..!!!

عندما كان والدي يعيش بيننا، ويتحكم فينا بقسوة، ويقود مصائرنا بجبروت، مثل إلـه إغريقي قديم، يحقد على البشر، كان يعيرني بها، ويهددني، ويقول لأمي أثناء غيابي عن المنزل، فكثيرا ما كنت أغيب عنهم :

ـ ما فائدة هذه الكتب، جميعها، التي يكب عليها ولدك ليل نهار، إذا كان لا يجلب لنا بواسطتها المال ؟!

خير لنا، ولـه، أن أبيعها، وبثمنها أحصل على رأسمال، وأباشر تجارة نأكل منها ونشرب ونعيش...

و هذه هي عادة والدي المتأصلة في نفسه : يحصل على رأسمال غيره ، فيضيعه ، ثم يضيع رأسـه ومـالـه ، ويضيع أموالنا ورؤوسنا ، ويضيعنا جميعا ، حتى ضاع منه كل شيء .. كل شيء ... ومن عـود نفسه الشر حرمها الخير !!

تعترض أمي، التي لا تقرأ ولا تكتب، كما يفعل هو، وتقف له بالمرصاد، وتقول له بدهاء، كي تثير فيه نخوة الرجال، وإنصاف الآباء :

ـ إذا رآك الناس تبيع كتب ابنك، فسوف يعيبون عليك هذا العمل، وسيقولون : لم يكفه أنه طرد ابنه من المنزل، وها هو الآن يبيع كتبه.. يا له من رجل فظ غليظ القلب، ميت الضمير والشعور...!!

وحين يسمع منها ذاك، يصيبه غيظ شديد، وحقد مضاعف، ويثور، وينفعل مثل تيس مسعور، ويقول لها بعزم وتصميم حقيقي، من ألطاف الله وعنايته، أنه لم يتحقق :

ـ إذن سأشعل فيها النيران ، وليذهب ، بعدها ، ولدك إلى الجحيم .

ثم ينتبه، قليلا، ويضيف مهتاجا أكثر:

ـ ثم من أين تأتين بهذا الكلام المسموم، يا طويلة اللسان ؟! لا بد أن أقطعه لك يوما ما.

عندما كانت أمي تلتقي بي، وتخبرني بذلك، كنت أقول لها :

ـ والله لو فعلها سأجعله يذهب إلى السجن، أو إلى مصحة الأمراض العقلية. وسوف يندم على اليوم الذي أنجبني فيه...

اليوم الذي أنجبني فيه ؟!                                      

يا له من يوم مشئوم، ملعون، منحوس، منقوص، حتى أنه كان في شهر منحوس منقوص، هو شهر ليس كمثل باقي الشهور، أيامه ناقصة منقوصة : إنه شهر شباط...!!!

اللعنة عليك يا شهر شباط .

وعليك يا يوم مـولـدي ونـقـمـة الله وضـربـاته .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق