]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شلاش .. لموسى شلواط

بواسطة: موسى شلواط  |  بتاريخ: 2012-06-21 ، الوقت: 09:59:47
  • تقييم المقالة:
بسم الله الرحمن الرحيم  

                                       

مقدمة

 

  أضع هذا الكتاب بين أيديكم ، وهو كتاب أتى من المكان وعظمة هذا المكان ( البتراء)، فكما يعلم الجميع بأن السندباد قد جاء من بين قباب بغداد، والشاطر حسن جاء من حقول وبساتين بلاد الشام، والأهرام أتت ببكار، والكثبان الرملية في الجزيرة العربية، جاءت بشخصية عجاج ، وها هي البتراء تأتي بأسطورتها الأردنية، وهي "شلاش" .

وها أنا أقدم لكم هذه الشخصية التي تتكلم عن التنمية والحرية بطريقة سهلة وممتنعة، ليتسنى للجميع فهمها واستيعابها، فتعمدت أن يكون الطرح سلسا وبسيطا وسهلا، وأن تكون المضامين قوية وذات بعد في الخيال، لأتكلم عن الماضي بروح معاصرة.

أقدم لكم في كتابي هذا، مجموعة قصصية مكونة من قصص مبنية على فلسفة المكان والزمان.

حيث سيتبين للقارئ تأثره بالبتراء وجبالها وتاريخها....

                              

 

                                              شلوط            

 

    شـــلاش                  

 

 

                              شـــلاش

 

البتراء وفي إحدى كهوفها، وفي ليلة كانت ماطرة.

كان شلاش نائما في كهفه ، وكانت أمه تراقب المطر من الباب، وكان مطراٌ لم تشاهد مثله طوال حياتها.

فكانت علامات الخوف واضحة على وجهها، فصوت الرعد كان يهز المكان.

وفي تلك الأثناء كان شلاش مستغرقا بحلمه، فكان يحلم برجل يناديه في المنام ويقول له:

قم يا شلاش فاني رأيت من كان على الجبال عاديا، ولكني أراك في الوادي عظيما، فقم يا شلاش لأحدثك عن كل عظيما.

سأحكي لك عن من ترك قصره وذهب الى الفقراء مساندا لهم فعاش مع الفقراء عظيما(بوذا).

وسأحدثك عما باعه صديقه في كرم الزيتون ببعض من القطع الفضية، فذهب الى صليبه مبتسما عظيما(المسيح).

وسأحدثك عما تحمل الأذى من أهله من أجل إيصال رسالة، فعبر الصحراء مهاجرا وكان مهاجرا

عظيما(النبي محمد _صلى الله عليه وسلم-).

وسأحدثك عما انهارت جباله..

وكسر سيفه..

وحطبت أشجاره..

وجف نهره..

فسمع صوتا آت من الغرب, فنظر باتجاه الصوت وإذا بجيش قادم.

فأصبح مثل المجنون يبحث عن أي شيء به يقاتل حتى لو عصى.

فنادته السماء بصوت غاضب ماذا تفعل ومن أجل أي شيء ستقاتل؟

وعن أي شيء ستدافع؟

فأجابها بصوت محزن وبغضب.....

سأدافع عن ألواني

فأخاف أن يحولوها الى ألوان باهتة.

فدافع عن ألوانه ومات عظيما.

 

فقم يا شلاش، سأحدثك عن كل عظيم، فاني رأيت من كان على الجبال عادياً ولكني أراك في الوادي عظيما.

فالعظمة ليست حكرا على الجبال، فإني رأيت من كان على الجبال ضعيفا.

فلا تكن مثل من كان على الجبال ضعيفا.

سأحدثك عن غيم كان على الجبال يسقط مطرا غزيرا, فدفعته الرياح الى الصحراء فسقط مطرا ولكن كان مطرا ضعيفا.

وسأحدثك عن أسد كان في الغابة ملكا فاصطادوه

ونقلوه إلى الميادين مصارعا..

فصار في الميدان مصارعا، ولكنه كان مصارعا ضعيفا.

وسأحدثك عن شجرة صنوبر كانت على الجبال شامخة فنقلت الى ساحة قصر فعاشت ولكن عاشت ضعيفة.

وسأحدثك عن صقر أبيض انضم الى سرب من الغربان فقال أنا واحد من هذا السرب.

لكن السرب قال:نحن سرب من الغربان بيننا صقر أبيض فعاش بين السرب صقرا أبيضا ضعيفا.

فقم يا شلاش فاني أراك في الوادي عظيما.

وفي لحظة واحدة وقف شلاش وكأن صاعقة من السماء ضربته.

فنظرت إليه أمه وقالت له: كنت نائم وفي لحظة واحدة أراك واقفاً، إن هذا الشيء يخيفني فما الذي حدث معك؟

فقال لها شلاش: كنت في حلم رأيت فيه كل عظيما وكل ضعيفا.

فقالت له أمه: وما الذي رأيته في حلمك؟

فحدثها شلاش عن حلمه.

فقالت له أمه: لعله الحكيم شلواط قد جاءك في الحلم ويريدك أن تكون واحدا من تلاميذه.

فقال لها شلاش: نعم لعله كذلك.

فأنا أحفظ كل ما قاله الحكيم شلواط وأتتبع أخباره وعلومه.

فإن شلواط لغير الحقيقة لا يقول.

نعم، فكان شلواط حكيم مدينة البتراء فكان يشتهر بقول الحقيقة.

حيث أنه كان يبدأ كلامه ب "أنا شلواط و شلواط لغير الحقيقة لا يقول."

كانت مدينة البتراء مشهورة بالأمن والسلام, فكان شعبها مسالم بل أن السلم هو الفكرة التي بنيت عليه هذه المدينة.

ولذلك كانت تلجأ إليها القوافل التجارية الآتية من الشرق والغرب لاشتهارها بالأمن والسلام.

فكان جزءٌ من سكانها يعملون بالتجارة، فكانوا مشهورون بتجارة العطر والبخور.

وجزء كبير من سكانها كان ينحت الأضرحة والقبور.

حيث أن البتراء كانت مشهورة أيضا بأضرحتها الجميلة وقبورها المزينة المحفورة بالصخور.

نعم هكذا كانت مدينة البتراء.

 

وفي أحد الأيام استيقظ أهل البتراء على صوت الطبول.

فكان المنادي ينادي ويعلن للجميع أن هنالك اجتماع سيحضره ملك البتراء ومستشاريه ووزرائه؛

لمناقشة أمور المدينة.

 

فسمع شلاش المنادي, وأخبر أمه عن الاجتماع

فقالت له أمه: إنها فرصتك يا شلاش.

فقال شلاش : ماذا تقصدين بفرصتي؟

فقالت له أمه: من المؤكد بأن الحكيم شلواط سيحضر هذا الاجتماع.

فأريد منك أن تظهر أمامه وتتكلم، فأنا أثق بأن لديك من الحكمة ما يثير اهتمام شلواط وملك البتراء أيضا

فقال لها شلاش: نعم يا أمي سأتكلم.

 

وبالفعل ذهب شلاش الى هذا الاجتماع فكان اجتماعا حاشدا، وكان الحكيم شلواط موجودا يجلس بين العامة.،

مع أنه كان بإمكانه أن يجلس بجوار الملك ، ولكن رغبته كانت أن يجلس مع عامة الشعب.

فبدأ الاجتماع بكلمة للملك.

فقال: شعبي العزيز سنبدأ اجتماعنا هذا بمناقشة أمر هام ألا وهو أمر جيش البتراء.

فجيشنا صغير بالنسبة لمدينتنا الكبيرة.

فهنالك من يؤيد فكرة أن يكون لنا جيش كبير.

وهنالك من يعارض ويقول أن البتراء ليست بحاجة الى جيش كبير.

لذلك سنفتح مجالا للجميع لمناقشة هذا الأمر وسنبدأ بكبير المستشارين.

فوقف كبير المستشارين وقال: اسمح لي أيها الملك واسمحوا لي أيها الحضو, فالجميع يعرف أن البتراء مدينة مسالمة وعلاقتنا جيدة مع الجميع.

فلا يوجد لدينا أعداء.

فما نفع أن يكون لنا جيش كبير في ظل ما تنعم به مدينة البتراء من أمن وسلام.

ونحن كما يعلم الجميع، ليس لدينا خطة في مهاجمة أي من البلدان المجاورة.

فأنهى كلامه وجلس.

فقال الملك: هل هنالك من لديه رأي آخر؟

فوقف شلاش ورفع يده.

فنظر الجميع إليه باستغراب, وصاروا يتهامسوا ويقولوا: انه فتى صغير، ما الذي يريد أن يقوله؟

فابتسم الملك وقال: تكلم يا بني.

فقال شلاش: نعم يا سيدي, جيشٌ قويٌ يكون قادر على حماية البتراء وسلامها.

نعم فان ما تحتاجه البتراء جيش يحمي لها سلامها وينتصر لها.

فقال كبير المستشارين بصوت غاضب: عن أي نصر تتكلم.

فقال شلاش: أتكلم عن نصر لا يوجد به دم ودخان.

وفي تلك اللحظة نظر شلواط الى شلاش بإعجاب وابتسم.

 

فقال الملك: هل أنهيت كلامك أيها الفتى؟

فقال شلاش :إني أقترح أن نحفر بئرا كبيرا

يكون به من الماء ما يكفي البتراء لمدة عام, نعم من الشتاء الى الشتاء.

فوقف كبير المستشارين وقال بصوت ساخر: وما نفع البئر والماء يأتينا من العين الكبيرة عبر الأنابيب الفخارية والأقنية.

فقال شلاش: نعم يا سيدي, أنت تسألني ما نفع البئر الكبير.

ولكني أسألك ما الضرر في أن يكون عندنا بئرا كبيرا.

فانبهر الحكيم شلواط من هذه الإجابة

فوقف وقال: هل يسمح لي الملك أن أتكلم؟

فقال الملك: بالطبع أيها الحكيم شلواط.

فقال الحكيم شلواط: أنا شلواط وشلواط لغير الحقيقة لا يقول.

إن كلام هذا الفتى يعجبني.

بل إن كلامه يثير فضولي.

فأسمعوا الحقيقة التي سيقولها شلواط.

 

 

نعم يا سيدي, نعم أيها الحضور.

أمضيت عمري بالبحث عن الحقيقة, بل عن كل حقيقة.

فسافرت وراءها، وزرت الكثير من البلدان.

فشاهدت جيوشا قد أعلنت هزيمتها قبل أن يعلن أعدائهم النصر.

بل شاهدت جيوشا هزمت من غير أن ينتصر أعدائهم.

ورأيت بلادا حوصرت, وقطع عنها الطعام والماء وكانت بلادا مسالمة كبلادنا.

لكن أعدائهم يا سيدي لم يكونوا مسالمين.

نعم فما قاله الفتى شلاش حقيقة وليس اقتراح، فالحقيقة أن الأمن والسلام يحتاج الى جيش قوي يحميهما.

نعم فالأمن والسلام بحاجة الى جيش وبئرٍ كبيرٍ.

 

فقال الملك: نعم أيها الحكيم شلواط سنتباحث أنا ووزرائي في هذا الأمر.

 

فقال كبير المستشارين: فلننتقل الآن الى موضوع الأضرحة والقبور.

فقال الملك لشلواط: هل لديك أي اقتراح بشأن الأضرحة والقبور.

فقال شلواط: أنت تعلم أيها الملك بأنني لا أتدخل بهذه الأمور.

فقال الملك وأنت يا شلاش هل لديك أي اقتراح بشأن موضوع الأضرحة والقبور.

فقال شلاش: لا يا سيدي فلن أتدخل يوما في هذه الأمور.

فنظر شلواط الى شلاش وابتسم ابتسامة كان الفرح يملأها.

 

وبعد أن أعلن الملك انتهاء الاجتماع، بدأ الناس بالخروج من الساحة.

والتف الناس حول شلواط يسأله البعض ويتودد له البعض الآخر.

فلقد كان الحكيم شلواط محبوبا، ويملك شعبية كبيرة في مدينة البتراء.

وفي تلك اللحظات كان شلواط يتلفت حوله، ويبحث عن الفتى شلاش.

فشاهده واقفاً في طرف الساحة ينظر باتجاهه، فذهب إليه الحكيم شلواط.

وكان شلاش يراقب خطى الحكيم شلواط المتجه نحوه.

فقال له الحكيم شلواط: مرحبا أيها الفتى شلاش.

فقال شلاش: أهلا أيها الحكيم شلواط.

فقال شلواط: ابن من أنت؟ وهل أعرف أبيك؟

فقال شلاش: إن أبي ميت وأنا أعيش مع أمي.

فقال شلواط : وأين أمك يا شلاش؟

فقال شلاش: انها هنا في الساحة وناداها بصوت مليء بالفرح.

وقال لها تعالي هنا يا أمي، فان الحكيم شلواط يسأل عنك.

فأتت أمه مسرعةٌ وكان الفرح يملأ عيناها.

فقال لها شلواط: إني أهنئك بالفتى شلاش.

فقالت أم شلاش: إن كلامك شهادة أعتز بها.

 

فقال الحكيم شلواط : وماذا يفعل شلاش بيومه؟

فقالت أم شلاش: انه يحلم بأن يكون أحد تلاميذك.

فقال الحكيم شلواط: انه لشرف لي.

فقال شلاش: اذا فأنا واحد من تلاميذ الحكيم شلواط.

وفي اليوم التالي ذهب شلاش مع الحكيم شلواط الى مقره ومكان سكنه الذي يقع على بعد مسير ساعتين على الأقدام من مدينة البتراء باتجاه الجنوب.

وفي اليوم الأول لشلاش جلس شلاش مع بعض التلاميذ أمام الحكيم شلواط.

فوقف أحد التلاميذ وقال: هل تسمح لي أيها الحكيم بأن أسأل سؤالا؟

فقال الحكيم شلواط: بالطبع يا بني.

فقال التلميذ: سمعت أن هنالك من يزج بشخص ليقتل نفسه في سبيل قتل عدد كبير من أعدائه.

وسمعت أن من يموت بهذه الطريقة يموت مبتسما.

وتبقى الابتسامة على وجهه حتى بعد موته

فهل ابتسامته تعني أنه فخور بما قام به؟

فوقف الحكيم شلواط وقال: سأقول لكم الحقيقة وأنا لغير الحقيقة لا أقول.

سأقول لكم كلاما ترعد له السماء الصافية

ويغضب من هم في نهاية الليل أمام زوجاتهم بالقتل يتفاخرون.

نعم فمات مبتسما لأنه تخلص من مهنة القتل والدم والدخان.

نعم مات مبتسما لأنه تخلص من الذين بالقتل يتفاخرون.

فالويل لكل قاتل إن لم يكن مدافعا.

فالويل لكل قاتل إن لم يكن مدافعا.

 

فصمت شلواط وكانت الدموع تملأ عيناه.

وساد الصمت بين التلاميذ وكانت علامات الانبهار واضحة على وجه شلاش.

فكان منبهر من إجابة الحكيم شلواط ومن طريقته في الكلام.

 

فوقف شلواط ونظر الى تلاميذه وقال: أين يكمن الخوف اذا هاجم جيش كبير بلادا جيشها ضعيف؟

وأي من الشعبين سيكون أكثر ضررا؟

فوقف أحد التلاميذ وقال: الإجابة معروفة يا سيدي.

فقال الحكيم شلواط: اذا فلتجب.

فقال التلميذ: الشعب الذي جيشه ضعيف سيكون أكثر ضررا.

بل إن الضرر بالكامل سيقع على هذا الشعب.

فقال الحكيم شلواط: هل هنالك من يملك إجابة أخرى؟

فوقف شلاش وقال: إني أملك الحقيقة لهذا السؤال.

فهل تسمح لي بقولها؟

فقال الحكيم شلواط: نعم إني أحب الحقيقة وأريدك أن تكون من قالها .

فقال شلاش: سيهزم الجيش الضعيف وسيتضرر شعبه.

بل إن كلمة ضرر لا تكفي.

ولكن سيتركون عند هذا الشعب المهزوم أحقادا ربما ستتوارثها الأجيال.

فتصيب هذه الأحقاد شعب ذلك الجيش الذي اعتبر نفسه منتصرا.

وستكون هذه الأحقاد عبئا على الجيش المنتصر وشعبه.

فإن أخطر عدو حقد تحول الى فكر.

فقال الحكيم شلواط: نعم هذه هي الحقيقة التي شاهدتها بعيني في إحدى سفراتي.

وقد دونتها على هذه المخطوطة.

فخذ يا شلاش وأقرأها لزملائك.

فأخذ شلاش المخطوطة

وبدأ يقرأ بها  وكانت على النحو الآتي: مر شلواط بجيش كبير فكان عددهم لا يحصى.

فقال لأحدهم أريد أن أكلم قائدكم.

فذهب شلواط الى القائد وكلمه قائلا: لم أشاهد جيشا بهذا العدد والعدة.

فقال قائد الجيش: نعم جيشنا قوي لا يهزم.

فقال شلواط : وهل الجيش الآخر بهذه القوة؟

فضحك القائد بصوت عال وقال: ان جيشهم لا يصمد أمام جيشي أكثر من لحظات.

فقال شلواط: إن كلامك أيها القائد يجعلني أخاف عليك وعلى جيشك وعلى شعبك.

فقال له القائد: وماذا تقصد بكلامك؟

فقال شلواط: إن هزمتهم بفرق القوة فستدمر جيشهم ولن يبقى منهم سوى المقاتلين.

وان لاحقت مقاتليهم وهزمتهم, فما تبقى منهم سيصبحون مقاومين

وان لاحقت المقاومين وتخلصت منهم

فانك تصنع من بقي منهم مجموعات من المنتقمين.

وهم أخطر عليك وعلى جيشك وشعبك من الماضين.

وحتى لو تخلصت منهم فسيتحولون الى فكرة.

واني أرى جيشك بعظمته وقوته أضعف من أن يحارب فكرة.

 

وبعد أن أنهى شلاش قراءة المخطوطة.

ساد الصمت المكان مرة أخرى.

فقال شلواط : نعم فأخطر شيء على الانسان أن يتحول الحقد الى فكرة.

ولكنني سأقول لكم حقيقة تئن حزنا، فالحقد لا يأتي من السماء.

ولا يخلق الإنسان حقودا, فكثير من الأحقاد يأتي بها الظلم والقهر.

وكثيرا من الأحقاد يأتي بها الجهل والضعف.

فمسؤولية الحقد لا يتحملها الحاقد وحده.

 

فوقف أحد التلاميذ وقال: اسمح لي أيها الحكيم شلواط.

فكيف للضعيف أن يكون حاقد

ألا يكفيه ضعفه؟

فقال شلواط: سأحكي لكم قصة ذئب وراعي وقطيع.

فجاء الذئب فأكل خروف من القطيع.

فجاء الراعي فقتل الذئب.

فصار الراعي يصيح ويبكي ويقول: قتلت الذئب فأصبحت قاتلا فاتسخت يداي.

نعم أصبحت قاتلا.

فجاءتني القصة لأكون أنا شلواط  قاضيا بها.

فقلت: إن شلواط لغير الحقيقة لا يقول.

فالحقيقة، أن الذئب بريء من دم الخراف.

فالله خلقه يأكل لحما لا يأكل حشائش.

فمن حقه أن يأكل أي من الخراف

وأما الراعي، فان القطيع عمله الوحيد, والدفاع عن خرافه هو دفاع عن عمله، فالراعي بريء من دم الذئب.

أما المجرم الحقيقي فهو القطيع الضعيف.

فكان مستسلم للذئب متفرق إلى درجة أنه فتح شهية الذئب.

نعم لقد كان قطيع ضعيف فالضعف جريمة لكل قطيع.

 

فوقف تلميذ آخر وقال : وكيف يكون القطيع قويا؟

فقال شلواط : يجب أن تكون روحه قوية فالروح المعاقة تصنع كل ضعيف.

فالعقول الذكية والأجساد القوية, لا تكفي اذا كانت الروح معاقة.

فالروح السليمة والقوية هي التي تعمل على ملأ حقولها وهي التي تخاف من أن يصبح الحقل فارغاً والحدود مليئة بالقوافل الآتية.

فما نفع العقول الذكية والأجساد القوية إذا كان ملبسها ومأكلها قوافل آتية.

فبقدر القوافل الآتية تكون الإعاقة والويل لكل روح معاقة.

وليكون القطيع قويا فعليه أن يؤمن بفكر المكان

فان العلاقة بين الإنسان والمكان لم تكن يوما أحادية.

ولم تكن مبادرة من الإنسان أو قرار منه.

 

بل كانت من المكان والإنسان في آن واحد

ومن لا يؤمن بفكر المكان فلا وطن له

فللمكان قلب ينبض، فعليك أن تشعر وتسمع نبض المكان وقلبه لتكون جزء منه

فهنالك من أحب الجبال فكان حب خالد

وهنالك من أحب الوديان فكان حب خالد

وهنالك من أحب السهول فكان حب خالد

وهنالك من أحب نفسه فكان حب فاني

فللمكان قلب يعشق فكن للمكان عاشقا.

 

وبعد مرور عامين من التحاق شلاش للحكيم شلواط.

نجح باكتساب الثقة القوية من قبل الحكيم شلواط.

فكان شلواط يثق بشلاش ثقة كبيرة بل أصبح يوكل له المهام فيقوم بها شلاش بنجاح باهر.

وفي يوم قال الحكيم شلواط لشلاش: لماذا لا تسافر يا شلاش فالسفر يعلمك الكثير؟

فقال شلاش: والى أين أسافر؟

فقال شلواط: فليكن سفرك بحثا ومعرفة.

فقال شلاش: نعم هذا ما سأفعله

سأسافر للبحث والمعرفة.

فذهب شلاش الى البتراء ليخبر أمه عن سفره ويودعها قبل أن يسافر.

فقالت له أمه: علمت منذ أن كنت رضيع بأنك ستكون يوم ما عظيما.

 

وبعد أن قام شلاش بتجهيز ما يلزمه لسفره

بدأت أولى سفرات شلاش.

فقد كان مسافر باتجاه الشمال

وبعد مسير يومين باتجاه البحر الميت

وقف شلاش ونظر الى البحر بذهول واستغراب, وقال: إن لك أيها البحر هيبة تخيفني.

فكلمه البحر الميت بالإيحاء قائلا: قتلني الملح فأصبحت ميتا.

فقال له شلاش: لم يقتلك الملح يا صديقي, فجميع بحور العالم بها بعض من الملح.

سأكلمك عن بلاد كان فيها بعض من الفساد والفقر والخوف والجهل.

نعم، كان بعض تلك الأشياء في تلك البلدان ولكنها بقيت قوية صامدة.

وفي بعض البلدان الأخرى.....

كان الكثير من الفساد والفقر والخوف والجهل سببا في قتل تلك البلاد.

نعم يا صديقي....

فلم يقتلك الملح....

بل ما قتلك هو الكثير من الملح....

كما قتل الكثير من الفساد والفقر والخوف والجهل تلك البلاد.

فالقاتل ليس الملح

بل الكثير من الملح.

فاستمر شلاش في طريقه فقطع النهر وأستمر بالمسير باتجاه الشمال.

وفي أثناء مسيره التقى شلاش برجل يحفر حفرة

فقال شلاش: السلام عليك أيها الرجل

فابتسم الرجل, وتحولت ابتسامته الى ضحكة ملأت المكان.

فقال شلاش: وهل كان في سلامي شيء يضحكك؟

فقال له الرجل: بل إن ما يضحكني سلام قلت انه علي

فقال شلاش : وهل توضح لي معنى كلامك؟

فقال الرجل: دعني أيها الفتى أكمل عملي

فقال شلاش: وما أنت فاعل بهذه الحفرة

فقال الرجل: إني أحفر قبرا لسلامي وسلام أبنائي, بل إني أحفر قبرا لسلام هدمت به جدران منزلي وخلعت به أشجاري من جذورها.

نعم سلام كانت مهمته أن أذهب من نوم الى نوم, بل كانت مهمته الوحيدة هي نومي.

 

فقال شلاش: اذا فأرني سيفك

فقال الرجل: إني لا أملك سيفا

فقال شلاش : صدقني يا صديقي إن من لا سيف له, فلا سلام له إلا السلام الذي يبقيه نائما.

صدقني يا صديقي إن السلام القوي هو السلام الذي يكون له جذور ويكون جذره الأساسي سيفا, فيكون سلام ثابت وجذوره قوية.

نعم، فنحن عشاق سلام, بل نحن السلام نفسه, لا بل نحن أهله

نحبه فيحبنا, نعشقه فيعشقنا, يعطينا فأي شيء نحن نعطيه؟

نعم، فلنعطه سيفا وبئرا

نعم فمن لا سيف له لا سلام له

نعم فمن لا بئر له لا سلام له

فادفن حفرتك أيها الرجل, ادفن حفرتك التي تسميها قبرا

أو فلتكملها بئرا , فتكون قد امتلكت بئرا.

ولتبحث عن سيف يحمي سلامك وسلام أبنائك.

نعم هذا ما يحتاجه سلامك وسلام أبنائك..

سيفا وبئرا...... هذا ما يحتاجه سلامك.

 

وبعد مسيرة أيام وليالي وصل شلاش الى بلاد كانت تسمى ببلاد الكمام.

فكانت تسمى بهذا الاسم لأن حاكم هذه البلاد كان يكمم أفواه الناس في مدينته

فكان لا يسمح أن يخرج أحد من بيته إلا بعد أن يكمم فمه.

فاستغرب شلاش, بل ذهل مما رآه

فقال لا بد لي من أن أكلم حاكم هذه البلاد.

وبالفعل وبعد جهد كبير وصل شلاش الى الحاكم

فقال شلاش: السلام عليك أيها الحاكم

فقال الحاكم : وعليك السلام

فقال شلاش: جئتك مسافرا من مدينة البتراء.

فقال الحاكم: أنت من البتراء اذا

فقال شلاش: نعم أنا منها وفخور بها

فقال الحاكم: سمعت عن حكيم اسمه شلواط , والذي يقول الحقيقة وغير الحقيقة لا يقول

فقال شلاش: نعم انه معلمي

فقال له الحاكم: اذا لن أسمح لك بالتكلم أمام شعبي

فشعبي يكره الحقيقة ولا يحب أن يسمعها

فقال شلاش: نعم رأيت أفواههم مكممة

فقال الحاكم: إني أعرف مصلحتهم أكثر منهم, فما نفع كلام قد يأتي بالخراب والعصيان والفتنة.

فقال شلاش: اسمح لي أيها الحاكم أن أحدثك عن مدينة كانت تشبه مدينتكم

وكانت أفواه شعبهم مكممة أيضا.

فقال الحاكم: هذا يعني أنهم كانوا بعيدون عن أي فتنة وعصيان.

فقال شلاش: هذا ما كان يعتقده حاكم هذه البلاد حتى حصل ما حصل.

فقال الحاكم: وما الذي حصل؟

فقال شلاش: ما حدث أن رجل من هذه البلاد سئم كمامه فأحرقه

فقال الحاكم: وبما عاقبه حاكم تلك البلاد.

فقال شلاش: ما حدث يا سيدي أن رجل سئم كمامه فأحرقه,فاحترق جسده بالكامل .

فقال الحاكم: نعم انه يستحق ذلك فلقد نال جزائه

فقال شلاش: هذا ليس كل شيء

فقال الحاكم: وما الذي حدث

فقال شلاش: استمرت نار كمامه بالاشتعال حتى امتلأت البلاد بالدخان.

فقال الحاكم: وماذا فعل حاكم بلادهم؟

ألم يطفئ رجاله نيران كمام هذا المعتوه.

فقال شلاش: لم يكونوا قادرون على إطفائها , فقد طالت هذه النيران كمامات الآخرين فأحرقتها

وكانت نيران كماماتهم من أكبر الكوابيس التي شاهدها حاكم تلك البلاد.

فقال الحاكم: ولماذا لم يلجأ للحوار معهم, ألم يكلمهم.

فقال شلاش: لا يا سيدي فكانت الكمامات قد أنستهم الكثير من الكلمات, فكيف له أن يحاور من كان لهم الحوار من الممنوعات.....

فكيف له أن يحاور من كان لهم الحوار من الممنوعات.....

فنظر الحاكم الى شلاش وكانت علامات الخوف واضحة على وجهه

نعم فيجب على الحوار أن لا يكون من الممنوعات.

 

نعم كان ما قد قاله شلاش لحاكم بلاد الكمام له الأثر الايجابي في تغيير أسلوب الحاكم في التعامل مع شعبه

فكان كلام شلاش كلاما مقنعا

بل كان حقيقة.

فقال حاكم تلك البلاد لشلاش: لماذا لا تبقى في بلادنا , فنتعلم أنا وشعبي منك الحوار.

فقال شلاش : لا أستطيع يا سيدي، فمدينة البتراء جزء مني كما أنا جزء منها

فلم أغادر منها إلا مسافرا ولن أغادرها يوما مهاجرا.

فقرر شلاش العودة الى مدينة البتراء.

وفي طريق عودته وبينما كانت السماء ماطرة, وفي أثناء مسيره ليلا

شاهد خيمة فذهب إليها مسرعا, ووقف على باب الخيمة وقال: من بالخيمة؟

فسمع صوت يقول: من على باب خيمتي؟

فقال : اسمي شلاش فهل لي أن أحتمي في خيمتك الى أن يتوقف المطر وأتابع سفري؟

فقال صاحب الخيمة : تفضل يا بني

فدخل شلاش الخيمة وإذ به رجل كبير في السن يجلس في الخيمة وحيدا.

فجلس شلاش , وبعد دقائق لاحظ بأن هذا الرجل ينظر الى سقف خيمته باستمرار, وعيناه لا تنزل الى الأسفل.

فحاول شلاش بأن يلفت انتباه هذا الرجل وبدأ معه حديثا

فقال شلاش: إن هذا الموسم يبشر بالخير, فالأمطار غزيرة والأرض ارتوت والآبار أصبحت مليئة.

ولكن الرجل لم يبالي بكلمات شلاش

فكان ينظر الى سقف الخيمة التي كان بها ثقب صغير تسقط منه قطرات من الماء

فعاد شلاش يحاول إشراك الرجل بالحديث فقال: إن الأمطار في هذا العام ضعف الأمطار التي سقطت في العام الماضي

لكن الرجل بكلام شلاش لم يبالي.

فقال له شلاش وكان غاضب: انني أكلمك وأنت بكلامي لا تبالي فهلا تحدثني عن السبب..

فنظر إليه الرجل وقال: إن ما يهمني في الوقت الحاضر هو ثقب في سقف خيمتي قد يتسبب بابتلال فراشي

نعم يا صديقي

فالتفاصيل الصغيرة أحيانا تكون أهم من المواضيع الكبيرة.

فصمت شلاش وقال له: لماذا بنيت خيمتك في هذا المكان وتسكن وحيدا؟

ومن أي البلاد أنت؟

فقال له الرجل: إني من بلاد كان لها أغرب الأسوار

نعم، فكانت أسوارها رايات بيض وكانت الرايات تحيط بها من كل الجهات.

وكانت بيوتها ترفرف مثل راياتها

فقد كانت بيوتها من القماش الأبيض أيضا

وكذلك حقولها المليئة بالأزهار فكان سكان بلادنا يعملون بزراعة الزهور

وكان هناك أنواع من الزهور لا تنبت إلا في تلك البلاد.

فقد كان يصنع من هذه الزهور أجود أنواع العطور

لهذا كان دخل البلاد عال الى درجة أن البعض يعتبرها من البلدان الغنية.

 

وفي يوم أشرقت به الشمس على هذه البلاد

فتفاجأت الشمس بل وصدمت, فلقد اختفت أسوار الرايات وكذلك البيوت حتى أهل تلك البلاد.

فلم يبقى بها إلا حقول الأزهار التي كان يعمل بها أناس غير سكان هذه البلاد.

وكان قسم منهم يبني سورا من الحديد والصلب والفولاذ.

أما سكانها فأصبحت خيامهم في كل البلاد.

فقال شلاش: نعم يا صديقي فالحقيقة أن الرايات البيض لا تحمي البلاد الجميلة...

ما يحميها هو العزم وصورا من الحديد والصلب والفولاذ.

 

 

وفي الصباح، كان المطر قد توقف، فخرج شلاش من الخيمة ونظر الى الشمس وقال:أعرف بأن شعاعك الذي يلامسني يلامس البتراء أيضا، فأنا أشاهدك وأنت تشاهدين الآن مدينة البتراء فأنت الآن فوقي كما أنك فوق البتراء

فأعلمي أنني متعجل للعودة الى البتراء فانقلي للبتراء اشتياقي

نعم أيتها الشمس أعرف أنك فوق البتراء كما أنك فوقي , فانقلي لشلواط تحياتي

وأخبريه بأن شلاش لم يعد يبحث عن الحقيقة، لأنه قد أصبح جزء من الحقيقة

فالحقيقة التي عرفتها، بأن من يصنع الحقيقة هو قائلها.

نعم، فقائل الحقيقة هو من يصنعها

فالحقيقة الأولى التي عرفتها، هي أن شلواط لغير الحقيقة لا يقول

نعم يا شلواط، فإنك صانع للحقيقة

بل أنت صانع ماهر, فمرحى لكل حقيقة يقولها شلواط.

فالمعرفة وحدها لا تجعل من الانسان صانعا للحقيقة.

فكم من عالم للحقيقة قد أخفاها

نعم، فقول الحقيقة يحتاج أكثر من معرفة الحقيقة.

فكم من جبان يمتلك الحقيقة وبداخله أبقاها, نعم، فالحقيقة يقولها فارس

فكذلك أنت يا شلواط فإنك فارس الحقيقة.

فواصل شلاش طريق العودة مرورا بوادي الموجب

فوقف في أسفل الوادي وقال بصوت عال: انك تمتلك من العظمة ما يكفي لحمل الجبال، فكم من جبل كان أسفله مبني على أرضك

فلولا تلك الجبال العالية لما كنت وادي عميق.

نعم، أيها الوادي, فكلما ارتفعت الجبال المحيطة بك أزداد عمقك وأي الوديان أعمق منك.

نعم، فإني رأيت من كان على الجبال عاديا.

ولكني رأيت من كان في الوادي عظيما....

 

كان شلاش عائدا الى البتراء عن طريق وادي الموجب، لكنه لم يكن يعلم بأن جيشا من الشمال قد سبقه

نعم، فقد كان جيش كبير مسلح بأقوى المعدات الحربية.

فكان الجيش يحيط بالبتراء من كل الجهات, فلم يكن الجيش قادرا على دخول البتراء بسهولة , وذلك لطبيعتها الجبلية.

فالجبال تحيطها من جميع الجهات , ولا يوجد لها إلا مدخل واحد يسمى السيق.

وان ذلك كان يجعلها مدينة محصنة, فبقي الجيش يحاصرها لمدة طويلة.

وبعد أن عرف قائد الجيش أن المياه تأتي الى البتراء من العين الكبيرة عبر الأقنية و الأنابيب الفخارية.

قرر قائد الجيش بقطع المياه عن البتراء، مما أضعف من صمودها أمام هذا الحصار.

أما في داخل مدينة البتراء, فكان الملك يجتمع بوزرائه ومستشاريه

فقال الملك للمستشارين والوزراء: هل يوجد عند أحدكم أي من الاقتراحات؟

فأجاب كبير المستشارين: إن الشيء الذي يضعفنا هو أنهم قد قاموا بقطع المياه عن المدينة.

فقال الملك: ألا يوجد لدينا أي مخزون من المياه؟

فقال كبير المستشارين: إن ما لدينا من المياه لا يكفينا إلا لعدة أيام.

فقال الملك: وما العمل إذا؟.

فقال كبير المستشارين: إن صمدنا ستين يوما, سيكون فصل الشتاء قد جاء, وربما سيسعفنا سقوط المطر.

فقال الملك: ألم يقترح علينا الفتى شلاش بأن نحفر بئرا .

فقال كبير المستشارين: نعم ولكننا بكلامه لم نبالي.

فقال الملك: يجب علينا أن نفكر بحلول أخرى.

فقال كبير المستشارين: هل تقصد بأن نحاربهم؟

فقال الملك: ولما لا

فقال كبير المستشارين: لكن جيشنا أضعف من أن يحارب جيشهم الكبير.

فقال الملك: نعم فلقد نصحنا الفتى شلاش بأن يكون لنا جيش كبير يحمي سلام مدينة البتراء.

ليتني سمعت كلامه, نعم، فلقد عرفت الآن ماذا كان يعني بجيش كبير يحمي سلام مدينتنا.

وبعد عدة أيام انتهى مخزون مدينة البتراء من المياه

حتى أصبحت مدينة البتراء من دون أي قطرة ماء.

فما كان على الملك إلا أن يعلن الاستسلام

فدخلها الجيش, وبدأت عمليات السلب والقتل والتشريد.

فهرب من هرب, وقتل من قتل، وأصبحت المدينة لغير سكانها.

نعم، فما أصعب أن تكون مدينة لغير سكانها

وهنالك من يقول بأنه قد سمع البتراء تبكي حزنا على من شردوا وعلى من قتلوا.

وعلى بئر لم تحفر يوما.

 

وبينما كان شلاش للبتراء عائدا

وأثناء مسيره شاهد تجمعا كبيرا للناس

فقال انني لم أشاهد هذا التجمع في هذا المكان قبل سفري.

فاقترب وإذ بهم سكان البتراء الذين هجروا منها

فاقترب منهم وكان مستغرب وجودهم في هذا المكان, فشاهده البعض، فصاروا ينادوا بصوت عال انه شلاش.

فذهب الناس باتجاهه وكانت أم شلاش معهم, وعندما اقترب منهم

كان مستغرب وسألهم ماذا تفعلون هنا؟

فاقتربت منه أمه وصارت تبكي

فقال شلاش بصوت عال : فليخبرني أحدكم عما حصل.

فأخبرته أمه عما فعله الجيش بمدينة البتراء, فوقف شلاش على صخرة وقال بصوت عال: اه لو أن الملك سمع كلامي وحفر بئرا

لكان أفضل له من أن ينهك شعبه بنحت الأضرحة والقبور....

اه لو أن الملك سمع كلامي وبني جيشا، لكان أفضل له من أن ينهك شعبه بنحت الأضرحة والقبور....

وبقي شلاش يكرر هذه الكلمات لأكثر من مره.

فقالوا له : وماذا تنصحنا أن نفعل يا شلاش

فقال لهم: أريد أن أعرف هل أنتصر الجيش الآخر أم أنكم قد هزمتم قبل أن يعلن جيشهم انتصاره؟

فقالوا: كان جيشنا صغيرا فلم نحارب, فاعتمدنا على الجبال بأن تكون حصن لنا, فقاموا بقطع المياه القادمة من العين الكبيرة.

فقال شلاش : اذا هم لم ينتصروا , ولكنكم أنتم المهزومين.

نعم، فكنتم ضعفاء تتباهون بالأضرحة والقبور

نعم، كنتم ضعفاء تتباهون بالقوافل الآتية, فكان مأكلكم ومشربكم قوافل آتية, نعم فكانت مياهكم عبر الأنابيب الفخارية والأقنية آتية.

فهذه هي أسباب هزيمتكم, فكانت هزيمتكم لا محال عنها.

ألم تكن حقولكم فارغة؟

فتركتم المحراث وأمسكتم بالأزاميل تنحتون الأضرحة والقبور.

اه لو أن الملك سمع كلامي وحفر بئرا لكان أفضل له من أن ينهك شعبه بنحت الأضرحة والقبور.

 

فقال شلاش : سأترككم الآن وسأذهب إلى شلواط , لكي أعرف منه حقيقة ما قد حدث في البتراء.

فواصل شلاش طريقه الى شلواط بعد أن عرف أنه لا زال في مقره

وبعد أن وصل شلاش , وجد شلواط جالسا صامتا

فنظر شلواط الى شلاش وكانت الدموع تملأ عيناه

فقال شلاش: أعرف أن ما حدث كان صدمه كبيرة لك أيها الحكيم شلواط

ولكن يجب علينا أن نخرج من هذه الصدمة, و أن نفكر ما الذي سنفعله.

فقد رأيت سكان البتراء في العراء يسكنون.

فقال شلواط: انه الخوف يا شلاش

فقال شلاش: عن أي خوف تتكلم أيها الحكيم؟

فقال شلواط: نعم فالخوف هو سبب ما حدث في البتراء يا شلاش.

فقال شلاش: نعم فإنني قد رأيتهم خائفين.

فقال شلواط: إني أحدثك عن خوف في داخلهم منذ ولادتهم

نعم انه خوف توارثوه عن آبائهم, ولأبنائهم أورثوه.

فالخوف حولهم الى نحاتين أضرحة وقبور, وما من شيء أسهل من هزيمة نحاتين الأضرحة والقبور.

فجاءتهم جيوش قوية من الشمال

فقوة هذه الجيوش لا تكمن في سيوفهم وعدد جيوشهم, بل كانت تكمن في ما ورائهم من حقول مليئة بالسنابل.

نعم يا شلاش، فالحقول المليئة بالسنابل أقوى من أي جيش.

نعم يا شلاش، فالحقول المليئة بالسنابل تأتي بالنصر والأمان معا.

فالسنابل تأتي بالقرار أيضا, فمن لا سنابل له لا قرار له.

فالويل لكل أمة سنابلها قادمة من حقول غيرها.

نعم يا شلاش، فقد كانت سنابلنا آتية وحقولنا فارغة, وتركت أيدينا المحراث والسيف

وأمسكت الأزاميل تنحت بها الأضرحة والقبور.

اه لو أن الملك سمع كلامك وحفر بئرا لكان أفضل له من أن ينهك شعبه بنحت الأضرحة والقبور.

فقال شلاش : أعرف أنك عملت ما بوسعك أيها الحكيم شلواط , فكنت لهم كمصباح ينير طريقهم, ولكنهم بكلامك لم يبالوا

فقلت لهم الحقيقة وكل حقيقة , ولكنهم تركوا الحقيقة وذهبوا إلى الوهم الذي أحبوه

نعم فهم كانوا للوهم يعشقون.

فقال شلواط: الحقيقة أني حرثت أرضي ونثرت بذوري, وسقت السماء ما زرعت

وفي موسم الحصاد تفاجأت فلم تنبت بذوري.

نعم يا شلاش فقد زرعت في تربة مالحة

والزرع لا ينبت في الأرض المالحة حتى لو أمطرت عليه أعواما.

فحزنت على بذور بأرض مالحة رميت.

 

فقال شلاش: وما الذي سيحدث بعد الآن؟

فقال شلواط: إني لا أمتلك الإجابة يا شلاش.

فقال شلاش: ومن الذي يمتلكها يا شلواط.

فقال شلواط: إن من يمتلكها هو شلواط الآتي.

فقال شلاش: حدثني عن شلواط الآتي.

فقال شلواط: سيكون مقره يطل على بوابة البتراء, وسيكون دائما هناك.

فقال شلاش: حدثني عنه أيضا يا شلواط.

فقال شلواط: نعم فانه للحقيقة يقول بل انه لغير الحقيقة لا يقول.

فهو كالنهر المنساب، فأكبر السدود غير قادرة على إيقافه

فيشق الصحراء ليهديها اللون الأخضر

فهو كشعاع الشمس, فأكثف الغيوم تعجز عن إيقافه

يخترق الغيوم ليهدينا ضوء النهار

وغضبه موج من الرمال في صحراء غاضبه

وهدوئه كمصابيح تنير الطرق

فالخوف يهرب من مصابيحه إلى صحرائه الهائجة .

فمصابيحه قادرة على أن تحرق الخوف

بل قادرة على أن تحرق كل خوف.

فيقول شلاش: وفي أي زمن يأتي شلواط القادم؟

فيقول شلواط: سيأتي في زمن المظاهر, بل في زمن كادت أن تنتصر فيه المظاهر فيكون مساند لكل جوهر.

فيحثهم على أن يكون الحقل مليئا بالسنابل وأن يحفروا بئرا لكل حقل.

 

فقال شلاش: وهل سيكون له أعداء ومن هم إن وجدوا؟

فيقول شلواط: أعدائه الخوف وكل خائف, والجهل وكل جاهل, والقتل وكل قاتل , والظلم وكل ظالم , والنحت وكل من ينحت الأضرحة والقبور.

فقال شلاش: وهل سيكون معلم لتلاميذ؟

فقال شلواط: سيكون في المطل المقابل للبتراء وسيقها

يبيع القهوة الساخنة, ويهدي الحقيقة لكل من يقابله.

فقال شلاش: أما أنا فسأعود لأسافر

فقال له شلواط: والى أين ستسافر؟

فقال شلاش: سأسافر إلى كل مكان فيه حقيقة.

فقال شلواط: أريد أن أحدثك عن وادي عربة ورماله وكثبانه

فتسافر رماله مع الرياح الغربية , فتعود بها الرياح الشرقية.

فإذا أردت أن تذهب فاذهب مسافرا لا مهاجرا

وانتظر فربما تعود بك الرياح الشرقية كما أعادت رمال وادي عربة إلى كثبانها.

 

فقال شلاش: نعم سأسافر لأخبر العالم عن أحلام قد قتلت.

وكان الجهل والفقر والخوف هو قاتلها

سأسافر لأبحث عن سلام يعيد البسمة إلى كل طفل, ويقتل كل خوف.

آه لو أن الملك سمع كلامي وحفر بئرا لكان أفضل له من أن ينهك شعبه بنحت الأضرحة والقبور.

 

وللأجيال الآتية أقول : الويل لكم ان لم تحفروا بئرا

والويل لكم ان بقيتم نحاتين أضرحة وقبور.

 

 

 

موسى شلواط

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق