]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

وتلك الأيام نداولها بين الناس

بواسطة: ولد شيخنا  |  بتاريخ: 2012-06-20 ، الوقت: 17:11:47
  • تقييم المقالة:

( وتلك الأيام نداولها بين الناس )

 

لقد وقفت كثيرا عند هذه الآية الكريمة وقفة تأمل وتدبر واستشعرت معناها وعمق دلالتها، وتأملت تاريخنا الإسلامى الحديث والقديم وأحوال الناس فأدركت بجلاء أن الله سبحانه وتعالى يصرف الآيات والدروس والعبر للناس فى كل زمان ومكان ليدركوا علو شأنه سبحانه وليعتبروا ، كما قال سبحانه : إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون )، تذكرت ما كان من أمر الملوك والسلاطين فى التاريخ القديم والحديث، تذكرت العهدين الأموى والعباسي وما جرى فيهما  من أحداث جسام  ليس المقام مقام ذكرها ، تذكرت ملوك الأندلس وهى فى أوج ازدهارها، تذكرت المعتمد بن عباد الذى زال ملكه على يد يوسف بن تاشفين المرابطى فسجنه فى ( أغمات ) من بلاد المغرب، وتمر الأيام وهو فى سجنه  فتدخل عليه بناته وقد ساء حالهن بعده  فينشد قصيدته المعروفة :

 

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا   **   وكان عيـدك باللـذات معمـورا

 

وكنت تحسب أن العيـد مسعـدة  ٌ    **  فساءك العيد في أغمات مأسـورا

 

ترى بناتك في الأطمـار جائعـة        **  ًفي لبسهنّ رأيت الفقر مسطـورا

 

معاشهـنّ بعيـد العـزّ ممتهـن       ٌ**يغزلن للناس لا يملكن  قطميـرا

 

برزن نحـوك للتسليـم خاشعـةً   **عيونهنّ فعـاد القلـب موتـورا

 

قد أُغمضت بعد أن كانت مفتّـرةً       ** أبصارهـنّ حسيـراتٍ مكاسيـرا

 

يطأن في الطين والأقدام  حافيـةً      **تشكو فراق حذاءٍ كـان موفـورا

 

قد لوّثت بيد الأقـذاء  واتسخـت     **كأنها لم تطـأ مسكـاً وكافـورا

 

 

 


إلى أن يقول :

 

 

 

وكم حكمت على الأقوامِ في صلف  **         ٍفردّك الدهـر منهيـاً  ومأمـورا

 

من بات بعدك في ملكٍ يسرّ  بـه   **       أو بات يهنأ باللـذات  مسـرورا

 

ولم تعظه عوادي الدهر إذ  وقعت    **        فإنما بات في الأحـلام مغـرورا

 

 

 

 

 


 

 

ثم رجعت إلى تاريخنا الحديث وتذكرت ما حدث فيه من تقلبات الدنيا بأهلها ، وما شهادناه من زوال ملك ملوك ورؤساء، ما كان أحد يتوقع ذلك ولا يجول فى خاطره للحظة،  نظرا لقوتهم وبطشهم  وما كا نوا يتمتعون به من نفوذ، لكن الله سبحانه وتعالى  هو المعز والمذل وهو الذى ينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما قال سبحانه : قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير )، تذكرت الشهيد الرئيس صدام حسين  الذى حكم العراق لأكثر من عشرين سنة، فملأ الدنيا وشغل الناس فى حياته وبعد استشهاده،  كان رمزا للرجولة والعروبة والشهامة ،  وقف فى وجه أعداء أمتنا الإسلامية من الآمريكان ومن على شاكلتهم، ولأنه قال : لا لأمريكا كان لابد أن يزال حكمه، وفعلا أزالوا حكمه فأعدم شهيدا ضحى يوم عيد الأضحى المبارك لعام :2006 ، وليس المقام مقام ذكر تلك الحقية الزمنية وما دار فيها من أحداث وقد أختلف الناس فيها وفيه – أي صدام حسين - كثيرا .. ثم حكم البلاد من بعده اقوام ما كان أحد يعرفهم ولم يسمع عنهم، وتلك الأيام نداولها بين الناس ..

تذكرت الرئيس الموريتانى السابق معاوية ولد سيد أحمد الطائع  الذى حكم شعبه لأكثر من عشرين سنة، ويشاء الله سبحانه أن يسافر  - أي معاوية - لتشييع جثمان الملك السعودى الراحل فهد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فيستولى العسكر على الحكم من بعده فى انقلاب أبيض عام 2005 ، فيزول بذلك حكمه ..

..تذكرت  الرئيس التونسى زين العابدين بن على الذى حكم شعبه بقبضة من حديد  لأكثر من عشرين سنة، وفى ثورة شبابية بوعزيزية خالدة،  إذا به يفر أمام شباب ثائرين باحثين عن الحرية والعدالة ، فزال بذلك ملكه وخرج من بلاده ذليلا  مطرودا.

تذكرت الرئيس المصرى حسنى مبارك الذى حكم هو الآخر شعبه لأكثر من ثلاثين سنة جثم خلالها على صدورهم وأذاقهم أنواع الويل والنكال، وقتل وشرد آلاف الأسر، وفى ثورة شبابية خالدة هى الأخرى على حكمه لم تتجاوز الشهر،  إذا به يتنازل مكرها مرغما عن سدة الحكم، ويزول بذلك حكمه، ويقدم للمحاكمة وتظهره وسائل الإعلام فى حالة يرثى لها وهو على كرسى عاجز عن الكلام والحركة، فيا سبحان مقلب الأحوال جل فى علاه، وإذا ببعض وزرائه وأعوانه وحاشيته يقدمون كذلك للمحاكمة، وهم الذين أذاقوا العباد الويل والعذاب طيلة فترة حكمه، فيحكم عليه بالسجن المؤبد ويدخل سجونا طالما عذب وسجن فيها خصومه، وينتخب الشعب المصرى الرئيس الدكتور محمد مرسى ..{ وتلك الايام نداولها بين الناس}

 

وأقف عند أحد الرؤساء العرب الذين شغلوا الناس طيلة فترة حكمه، أقصد الزعيم الليبى أو ملك ملوك إفريقيا كما كان يحب أن يسمى نفسه،( العقيد معمر القذافى)، الذى حكم هو الآخر بلاده لأكثر من أربعين سنة، كان هو كل شئ فى ليبيا، فهو ليبيا وليبيا معمر القذافى، هكذا كانت بالفعل، كان يتصرف فيها كما لو كانت ملكا خاصا له،  

وفى ربيع الثورات العربية يثور عليه شعبه وبعد حوالى تسعة شهور من المعارك الضارية بين قواته من جهة وبين الثوار من جهة أخرى وبعد أن تهاوى ملكه،  إذا بهم يلقون القبض عليه ثم يقتلونه، فزال  بذلك حكمه .

  

وهكذا بعد هذه النظرة الشمولية فى تقلبات الحياة ورأينا أن الله سبحانه تعالى يصرف الأمر كيف شاء وأنه بيده الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء  يمكن أن نخرج بالدروس والعبر التالية :

أولا : أنه على المؤمن أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل ، وأنه المنتقم من كل ظالم جبار فيقوى بذلك إيمانه ويزداد وعليه أن ينظر نظرة اعتبار وتفكر فى  كل الأحداث التى تدور من حوله .

 

ثانيا : على حكام ورؤساء وملوك  الدول العربية والإسلامية أن يأخذوا الدروس والعبر مما حصل لغيرهم من الحكام ، وأن لا يغتروا بمن يصفقون لهم من منافقين وبطانة سوء وعملاء وأن يتصالحوا مع شعوبهم وأن يلتفتوا إلى شباب أممهم وأن يدركوا بجلاء أن الخير مع الشباب، وكما قال ابن عباس رضى الله عنه : الخير كله فى الشباب )  وأنهم الركيزة الأساسية لبناء الأمم وتقدمها وازدهارها ..

 

ثالثا : لقد ظهر جليا أن الناس من طبيعتهم أنهم مع الحاكم مادام فى سدة الحكم يصفقون ويهتفون باسمه، ولكنه حين يزول حكمه يكونون أول المتمردين والخارجين عليه، بدليل أن هؤلاء الرؤساء والحكام الذين زال ملكهم لم تجد أبدا من يبكى عليهم، فاين هم ملوك إفريقيا الذين كان الزعيم الليبي الراحل ملكهم؟  لم نجد منهم تعليقا أو تنديدا بمقتله ، وأين تلك الجمعيات والأحزاب السياسية التى كان يدعمها ماليا  أو معنويا؟ سكت الكل، لأن زمن الزعيم الليبى قد انتهى ، هكذا هى الدنيا وتقلباتها بأهلها فالعاقل من يعتبر بغيره.

 

وما أحسن قول القائل :

 

  لا شئ مما ترى تبقى بشاشته**يبقى الإله ويفنى المال والولد

 

  لم تغن عن قيصر يوما خزائنه ** والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

 

ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ** والإنس والجن فيما بينها ترد

 

أين الملوك التى لعزتها ** من كل صوب إليها وافد يفد

 

حوض هنالك مورود بلا كذب** لا بد من ورده يوما كما وردوا

 وصدق الله سبحانه وتعالى حين يقول فى محكم كتابه : وتلك الأيام نداولها بين الناس لعلهم يتفكرون }

 

 

                                           بقلم : الدكتور محمد الأمين ولد شيخنا

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق