]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حـيـاة تـافـهـة !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-06-20 ، الوقت: 08:25:33
  • تقييم المقالة:

 

في الصباح ـ ككل صباح ـ انتهى إلى سمعي لغط إخوتي الصغار وضجيجهم . فتحت عيني بمشقة . ضايقني شعاع الشمس ، المتسرب عبر خصاص النافذة ، أغلقتهما بسرعة ، وشرعت أفتحهما ثانية ، وببطء شديد ، واحدة تلو الأخرى . غادرت الفراش متثاقلا . وفي الممر الضيق نحو الحمام ، تعثر بي أحد إخوتي الصغار ، وهو يعدو مرحا ، مسحت على رأسه بعفوية ، وقلت مخلصا :

ـ هنيئا لهم هذا العبث البريء .. اللهم اجعلهم مرحين، دائما، بأن تتركهم أطفالا، أبدا...!!!

دخلت الحمام، قضيت حاجتي، وغسلت وجهي وأطرافي، ووضعت رأسي تحت الصنبور، المتدفق بالمياه الباردة، بضع دقائق؛ علني أنتعش شيئا ما، ويدب في جسدي الخائر بعض النشاط، لكن دون أثر، قلت مصمما :

ـ لست ذلك الشيء الذي يجعل منه الماء حـيـا؛ فالخمول رابض في أعماقي بثبات، قبل أطراف جسدي .. وما الجسد إلا أداة مسخرة لأوامر الروح .. وروحي لا تأمر ولا تنهى؛ فهي ميتة، أو كالميتة ...!!!

توجهت نحو المطبخ ، لكي أصيب فطوري ، وجدت الشاي باردا ، والخبز غير طازج ، وإخوتي قد أتوا على كل الجبن والمربى الموجودين في الثلاجة ، قلت في نفسي مستغربا :

ـ عجبا، منذ دقائق أفرغت ما في جوفي، والآن أريد أن أملأه من جديد ؟  يا لتفاهة الإنسان وحقارته ...!!!

وأضفت على مضض :

ـ يا جسدي لا جدوى ...!!!

لم أحمل نفسي طاقة البحث عن الجوارب ، وانتعلت الحذاء دونها . وقبل أن أغادر البيت، التفتت إلي أمي، وقالت بعتاب :

ـ أيها الكسول ، اعتن بمظهرك قليلا ؛ صفف شعرك ، وسو هندامك ، ثم اخرج ...

لبيت طلبها ، وقصدت الخروج ... أضافت وهي تشيعني لدى الباب، كالساخرة:

ـ أيها الطفل الكبير، حذار أن تقع في الطرقات ..!!

قلت في نفسي باستهانة :

ـ سواء وقعت أم لم أقع فلا خلاف؛ فإنه يا ناس لا جدوى. وما لجرح بميت إيلام ...!!!

همت على وجهي في شوارع المدينة ، على غير هدى أو هدف . وقفت عند واجهات المكتبات ، أتطلع إلى الجرائد المعروضة بكثرة ، وإلى المجلات المتنوعة . قرأت بعض العناوين المثيرة ، وسطورا من بعض الأخبار التافهة ، وتأملت بعض الأجساد العارية لحسناوات الشرق والغرب ، ثم انصرفت عنها بتقزز ، وأنا أردد كالأبله :

ـ يا عقلي لا جدوى .. لا جدوى ...!!!

صادفت أنثى، تتطلع إلي خلسة، بعينين يشع منهما بريق أنثوي ساحر، ليس خافيا عني سره ومبعثه. اقتربت منها بثقة وعزم، و تبادلنا بضع كلمات، ونحن نسير جنبا إلى جنب. وفي زقاق ضيق تلفت يمينا وشمالا، بحذر واحتراس، وعندما لم أر أحدا، طوقت خصرها، وحاولت أن ألثمها ... ردتني بجفاء مبالغ، و هي مباغتة من طوري الجريء، ودهشة من إقدامي الجسور، وقالت بخشونة :

ـ ولـد وقـح !!

تسمرت في موقفي مخذولا، ولعنتها في باطني، واستطردت ساخرا، وأنا أحدق في مؤخرتها، وهي تفر مني مهرولة :

ـ ولأي غرض كان ما كان ؟! حقا، يتظلمن وهن الظالمات، و يتمنعن وهن الراغبات ...!!

وأردفت بخيبة :

ـ يا شهواتي لا جدوى ...!!!

تابعت سيري بخطى وئيدة ، واتجهت آليا نحو مقهى . جلست بين الرفاق ، في شبه صمت . كانوا يتجاذبون أطراف أحاديث متفرقة؛ في السياسة، والدين، والفن، والتعليم، والمال، والحب، والجنس، والرياضة، و.. و ...

اقترح أحدهم أن نلتقي مساء، لنشاهد، معا، مباراة في كرة القدم، ولنتراهن أيضا. وافقوا جميعهم إلا أنا، واعتذرت لهم، وقلت صادقا :

ـ إنني لا أحب مشاهدة مباريات كرة القدم .

استغربوا كلهم، وقال أحدهم :

ـ لماذا ؟!

قلت بتوكيد :

ـ ماذا سأجني وراء ذلك ؟ لاشيء قطعا .. والمباراة ستجري سواء شاهدتها أم لم أشاهدها، ولا فائدة لي في جميع أحوالها. ثم إن تتبعي لأشواطها لا جدوى منه !!!

تطلعوا إلي باستخفاف، وبغير اقتناع. وفارقتهم، بدوري، بغير اكتراث .

أوشك النهار أن ينتصف ، ووجدت ساقاي تقودانني في اتجاه المنزل . وأثناء الطريق رأيت أشخاصا يـيممون شطر مسجد ، ليقيموا صلاة الظهر . دخلت المسجد بفتور . توضأت ، وصليت مع المصلين ، ودعوت مع الداعين . ثم أردت الانصراف؛ ففقدت حذائي، وبحثت عنه في بعض أرجاء المسجد، وعند أعمدته، فلم أجد له أثرا... دعوت على سارقه ، وخرجت بنعال مطاطية متهرئة ، وقلت باستسلام :

ـ يا إلهي، وهنا أيضا لا جدوى ؟!

ثم حثثت الخطى ، وأنا أنشد بمرارة :

أنا أهفو إلى الحياة وروحي

تشرب الموت في كؤوس الحياة

أنا أستشهد السماء على ما

أمطرتني السماء من نكبات .

دخلت المنزل مكدودا ، مثل عجوز طاعن في السن ، أنهكه التعب ، من طول السير ، في نهار قائظ ، تحت الشمس . وألقيت بجسدي المتراخي على أقرب كرسي . وأسبلت جفناي في شبه سنة ، ثم تفكرت في الآية القرآنية التي تصف الحياة الدنيا ، وتقول : " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح . " فقلت مقرا :

ـ تالله إن الحياة تذروها الرياح .

بعد قليل ، سمعت والدتي تناديني ، وتقول :

ـ الغذاء جاهز .

فتحت عيني بصعوبة، وفكرت أن أمتنع، لكني عدلت عن الفكرة، تجنبا لثرثرة والدي، واتـقاء لحواره العنيف والعقيم، وقمت مرغما عني، وأنا أردد، يائسا من أعمق أعماقي :

ـ يا حياتي التافهة لا جدوى .. لا جدوى ...!!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق