]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دعاة المثالية المجنحة

بواسطة: عيد الخطيب  |  بتاريخ: 2011-07-10 ، الوقت: 21:17:28
  • تقييم المقالة:

 

  يتحدث بعض  الدعاة  في كثير من الأحيان فيغوصون في بحور من المثالية التي عاش فيها الصحابة و التابعون ، دون أن يعرضوا بعض المواقف التي وقعت في عهدهم، والتي تبين للناس أن الصحابة والتابعين كانوا بشرا غير معصومين،ولم يبلغوا درجة الكمال المطلق الذي اختص الله سبحانه وتعالي به نفسه. فما يحدث في واقع الدعوة أن بعض الدعاة يتعمدون إخفاء الجوانب السلبية في حياة السلف ، ظنا منهم أن هذه السلبيات لو وصلت إلي الناس في هذا العصر فسوف يكون لها تأثير سلبي عليهم ، وربما يفهمها الكثيرون فهما خاطئا ، بل ربما يتخذها البعض ذريعة لارتكاب المنكرات بحجة أن السلف وقعوا في الخطأ -كما يقولون - وهم لن يكونوا بأي حال من الأحوال أفضل من السلف. وهذا أسلوب فاشلبالمرة ، لأنه من الواجب الإشارة إلي مثل هذه السلبيات بأسلوب تربوي هادف ، يبين للجيل المعاصر أن الصحابة رضوان الله عليهم نمط من أنماط البشر فريد ومتميز،أكرمهم الله بوجود الرسول بين ظهرانيهم ، لكنهم في الوقتنفسهليسوا ملائكة ولا معصومين ، فهم أيضا يخطئون كسائر البشر. لقد روت كتب السنة الصحيحة أن حديث الإفك قد سري علي ألسنة بعض الصحابة ، بل وأن شَّكاً وقع  في بعض النفوس وكاد أن يحدث قتالابين الأوس والخزرج ، وذلك عندما صعد النبيصلي الله عليه وسلمالمنبر ، وقال: " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني  أذاه في أهل بيتي ( وكان يقصد عبد الله بن أبى بن سلول،  وهو من الخزرج ، وهو أول من خاض في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها)  فوالله ما علمت علي أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ( وكان يقصد هنا صفوان بن المعطل ، الذي اتهم ظلما في حادث الإفك مع السيدة عائشة رضي الله عنها ) ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل علي أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فقام سعد بن عباده وهو سيد الخزرج،بعد أن احتملته الحمية ، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر علي قتله. فقام أسيد بن حضير-وهو ابن عم سعد بن معاذ -  فقال لسعد بن عباده : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق  تجادل عن المنافقين ، فتساور الحيان الأوس والخزرج  حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم علي المنبر ، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت ". ولاشك أن الأنصار رضوان الله عليهم برغم منزلتهم ومكانتهم العظيمة  سقطوا في هذا الموقف العصيب الذي مر به النبيصلي الله عليه وسلم، وليس من المصلحة مطلقا ألا نبين للناس أن الأنصار لم يراعوا الأزمة التي مر بها النبي، وأنهم أخطئوا خطأ كبيرا عندما تحكمت فيهم العصبية وأخذتهم الحمية ، حتى كاد أن يحدث بين الأوس والخزرجقتال وهم بين يدي رسول الله وفي مسجده .       إن رسول الله في حاله المعتاد كان من أكثر ما يكدره أن يري بين اثنين من صحابته مشاحنة ، فكيف يرى ـ وهو في حال أزمته وشدته العصيبة التي لا يتحملها أي إنسان ـ  بين صحابته ما رأي ، وقد كان أحوج ما يكون إليه صلي الله عليه وسلم أن يرى من ينصره ويقف بجانبه ، لا إلي من تأخذهم الحمية والعصبية العمياء إلي موقف آخر يجعل شدة الأزمة التيهوفيها تتزايد عليه. وكنت أقرأ منذ سنوات غير بعيدة في أحد كتب السيرة قصة الثلاثة الذين خلفوا ، وهالني ما قرأت علي لسان كعب بن مالك رضي الله عنه في نهاية القصة بعدما نزلت آية التبرئة من عند الله سبحانه وتعالي علي المخلفين في قوله تعالي في سوره التوبة "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" وهذا نص ما قاله كعب بن مالك في نهاية سرده لقصته المتعلقة بتخلفه عن الجيش ، وذلك كما ورد في كتب السيرة وكتب السنة الصحيحة ، يقول كعب ابن مالك : " .... حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله الناس ، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره ، وكنت لا أنساها لطلحة ..." فقلت في نفسي هل حقد المهاجرون علي كعب بن مالك ؟ وقبل أن أدع نفسى تسترسل في الإجابة على هذا الوسواس طردته، فمجرد التفكير في ذلك جريمة كبري كما تعلمنا من مشايخناوعلمائنا، وظللت فترةكنت إذا ذكرتهذه القصة أو سمعتها لا أعلق علي مقولة كعب بن مالك ، على الرغم من حيرتي الشديدة من تصرف المهاجرين معه. ولما تحرر عقلي من عبث الأفكار الساذجة الذي كان يسيطر عليه ، بدأت أثير هذه المسألة مع بعض الدعاة والمشايخ ، وأسألهم عن  هذا التصرف الغريب الذي صدر من المهاجرين مع كعب بن مالك ، ولم يكن هناك رد مقنع شافيروى ظمأى، فجميعهم حاول أن يؤول هذا التصرف تأويلات غير منطقية بالمرة، فمنهم من يقول إنهم فعلوا ذلك بسلامةصدر ، ومنهم من يقول ربما لم ينتبه المهاجرون لدخول كعب ، ومنهم من اتهمني في عقيدتي لأني أثير مسألة كهذه قدتقدح في الصحابة . فعجبت من هذه الردود الغريبة ، والأعجب من ذلك أنه جمعتني الظروف مع عالم جليل من علماء الأزهر الشريف ، وأستاذ مرموق  بجامعتها ،  فلما ناقشته في هذا الموقف ، واستشعر منى أنني لن أقبل منه مطلقا ردا   تقليديا ، قال : وما تفسيرك أنت لهذا الموقف؟ فقلت له : هذا الموقف ليس له إلا تفسير واحد ، وهو أن المهاجريناستكثروا  أن ينزل الله في شأنكعب بن مالك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ، والدليل ما ورد في كل الروايات الصحيحة على لسان كعب : " والله ما قام رجل من المهاجرين غيره ، وكنت لا أنساها لطلحة" . وليس معنى هذا أنني أقدح في المهاجرين، أو أقلل من مكانتهم العظيمة رضوان الله عليهم أجمعين، لكنى أحلل الموقف بأمانة. فقال لي : يا بني لا تتبع منهج الفسقة في تفكيرهم. فقلت له : وما منهج الفسقة هذا ؟ قال : تشويه صورة الصحابة والسلف . قلت: حاشا لله فأنا لم أقصد ذلك مطلقا ، كل ما أقصده أن تُنقل لنا حياه الصحابة والسلف كما هي بايجابياتها وسلبياتها  بحسناتها وسيئاتها . فقاطعني متسائلا: وما الفائدة من أن نبين للناس الأخطاء التي وقع فيها الصحابة؟ وما الضرر الواقع عندما نبين للناس الجوانب الإيجابية فقط في حياه الصحابة و السلف؟ فأجبته :أن هناك ضررا كبيرا لحق بالمسلمين فعلا وأثر تأثيرا سلبيا علي ثقافتهم ، بل وجعل عقول المسلمين تتأخر قرونا من الزمان ، وذلك بسبب هذا المنهج الخاطئالذي ينقل الجانب التعبدي أو الروحاني فقط من حياه السلف . إن الضرر من وراء ذلك أكثر بكثير من أي منفعة، لأن الناس اعتقدت أن الدين مقصور علىهذه العبادات فقط. إن المنهج الإلهي الذي ورد في القران الكريم عندما نقل قصص الأولين من الأنبياء والصالحين ، لم ينقل لنا الجانب الروحاني أو الإيجابي فقط من حياتهم ، بل نقل حياتهم كما هي بالواقع الذي عاشوه لتكتمل الفائدة من ذكر هذه القصص ، وليستفيد الناس من تجارب السابقين استفادة حقيقية . فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم  ذكر معصية آدم ولم ينكرها ، وذكر لنا خطأ يونس عليه السلام وعقاب ربه له بأن التقمه الحوت ، بل وذكر الله لنا عتابه للنبي-وهو المعصوم صلي الله عليه وسلم  -  في أكثر من موضع في القرآن الكريم . وأنت يا سيدي تعلم ذلك جيدا، فالمنهج الإلهي يجسد لنا الصورة الكاملة عن حياةالسابقين مهما كانت مكانتهم دون إغفال أي جانب أو موقف إيجابيا كان هذا الموقف أو سلبيا. أما انتم يا سيدي فتسببتم في إبعاد الناس عن سلفهم الصالح ، عندما نقلتم حياة السلف علي أنها حياه قاصرة علي أوراد، وأذكار، وعبادات، وكرامات، وعلوم شرعية. لماذا لا تذكروا للناس علاقة الصحابة والسلف بالدنيا؟ وكيف دخلوا معترك الحياة ، وثابرواوكافحوا فيها ؟ وكيف أخطئوا وكيف عالجوا أخطاءهم وتعلموا منها؟ وكيف ...... وكيف!؟ إنكم غيبتم الناس عن هذه الجوانب المهمة من حياتهم ، والتي جعلت لهم شأنايذكر في تاريخ الدنيا، فلمصلحة مَنْ نلوي أعناق النصوص الصحيحة الصريحة التي تبين للناس أن هناك خطأ وقع من صحابي أو سلفي، ولا نبين للناس حقيقة هذا الخطأ ليتعلموا منه؟ لمصلحة مَنْ نبين للناس أن عهد الصحابة والسلف كان عهد ملائكياأسطوريالا مجال فيه للخطأ علي الإطلاق، ونعزل الدين عن دنيا الناس بهذا الشكل ؟ إننا لو تحدثنا مع الناس ، أو راقبنا أسئلتهم عبر الفضائيات والإنترنت أو من خلال الندوات ، والمحاضرات العامة، سنجد أن ثقافتهم الدينية بل والحياتية معدومة، وأنهم يسألونعن سنن بسيطة ويعولون عليها رضا ربهم جل وعلا، في حين أنهم يعاملون بعضهم معاملة لا ترضي الله على الإطلاق. والسبب في ذلك يرجع ـ في رأيي ـ إلى أنمثل هذه القصص التي وردت لنا عن السلف والتي اتخذها الناس دينا لهم جعلتهم يعتقدون أن المسلم الملتزم المخلص لربه هو فقط الذي يهتمبالعبادات كالصلاة والذكر والدعاء والأوراد، ويكتفي بهذه العبادات دون غيرها لينال رضا الله سبحانه وتعالى . وبذلك حدث هذا الانفصام الذي نراه على أرض الواقع إذ نرى أعداداهائلة من المتدينين يصلون ، ويصومون ، ويعتمرون ، ويحجون ، ويطلقونلحاهم ، ويرددون الأوراد والأذكار مع حفظهم لبعض الأحاديث المتعلقة بطقوس العبادة  لينصحوا بها منيخالفهم وخاصةمن لا لحية له من الرجال ، أو من لا ترتدي النقاب أو الحجاب من النساء ، ويعتقدون أنهم بهذه الطقوس قد ساروا على درب سلفهم الصالح ، بل و اقتربوا من ربهم حتى صاروا خلفاء الأنبياء والرسل ،  في حين أنهم في مجال الأخلاق والمعاملات ، والحرص على إعمار الأرض ، وإصلاح الأوطان ، ومراعاتهم لعملهم أبعد ما يكون عن الله .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق