]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نـهـايـة تـصـرخ !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-06-15 ، الوقت: 15:55:59
  • تقييم المقالة:

 

على ربيعة حـط القدر و نـط ، و في عربة الموت حمل زوجها إلى الأبد ، مخلفا وراءه ثلاثة أبناء ، لا يتعدى أكبرهم ثماني سنوات ، يحوطون بها في ذعر و حزن ، و رضيعا يصرخ و يئن ، فتـلقمه ثدييها ليستـنفذ منهما ما بقي من حليب ، ثم  بعدها ، عليها أن تشتري له الحليب الصناعي ..

 و يا ليت المسألة تبقى عند الحليب و كفى.. و إنما عليها أن تشتري أيضا، السكر، و الزيت، و الدقيق، و الشاي، و البن، و الغاز، و الخضر، و اللحم، و الدواء إذا لزم الدواء، و أشياء أخرى، إذا اشتدت إليها الحاجة...!!!

و الـدار ـ يا للخيبة ـ ليست دارها، و لا دار زوجها الراحل؛ فالزوج في حياته، كان بالكاد يطعم الأفواه الخمسة، و يكسو الأبدان، و يدفع ثمن كراء الدار، و مستحقات الماء و الكهرباء، و ضرورات العيش...!!!

و هي، بالطبع، لن تقوى على القيام بكل هذه المهام، بعده، و حتما و لا بد أن تغادر الدار، و تتركها لصاحبها، أحبت أم كرهت...!!!

إلــى أيــن ؟!

طبعا، إلى الشارع؛ فنحن في زمن، لا يعرف الأخ أخاه، و لا يرحم الأب ابنه، و لا يبالي قريب بقريبه، و في النائبات خاصة، فما بالك بالغريب ؟ و هي ليست لها أب أو أم تلوذ بهما ، في هذا الوقت العصيب ؛ فقد ماتا منذ وقت ليس بالقصير ، و لم يتركا لها دارا تلجأ إليها في مثل هذه الظروف العسيرة ، أو خلفا لها ميراثا و لو قليلا تتصرف فيه .. و أخواتها ، جميعا ، يعشن مع أزواجهن ، في ديار الغربة ، يكابدن هموم الحياة و قسوتها ، إلا أخت واحدة ، بقيت مع زوجها العامل البسيط هنا ، و حالها ليس أحسن من حالها ...!!!

 فأين تذهب ؟!

و بمن تستجير ؟!              

و ماذا عليها أن تعمل ؟!

و هي لا حيلة لها ، و لا حول ، مع هذا الذي حدث ، و لا تملك من حطام الدنيا ، سوى أبنائها الثلاثة ، و رضيعها الذي يصرخ ، و يئن ، بين حين و مين .

و يا ليتها لا تملكهم.. فربما وجدت بعض الخلاص، و تدبرت أمرها لوحدها، بطريقة ما، و تـتـكبد بمفردها، ما قد يحيق بها من أهوال القدر، و أخطار الزمن، و شرور الناس...

 و هي ، حتى لو أرادت أن تعمل الآن خادمة في البيوت ، فلن يقبلها أحد ، و هي تجر بين يديها مخلوقاتها الصغيرة .. فالأولاد ، مهما كان ، هم عبء ـ و أي عبء ـ لا يتحمله آباؤهم الحقيقيون ، فكيف بالغرباء ؟!

فأين تذهب بهم يـا رب ؟!

لقد ضاقت الأرض عليها بما رحبت، بعد وفاة زوجها، و غمت الدنيا في عينيها، و اسودت غاية السواد...

و الناس ؟!

الناس، لا شفقة في قلوبهم، و لا رحمة، و لا يفكرون في غيرهم، و لا هم يحزنون..

و الأولاد، لا بد أن يأكلوا، و يشربوا، و يناموا، و يغتسلوا، و يقضوا شؤونهم الصغيرة.. فأين ؟!  و كيف ؟!

يا ليتهم لم يكونوا..!!

يا ليتهم يموتون...!!!

يمـوتـون ؟!

أجل ، يموتون ، يا ربيعة ، و تموتين أنت أيضا . و هل تشكين، لحظة، أنكم لن تموتوا ؟!

هيهات .. هيهات ، و أنت في مثل هذه الحال ..!!!

و تراءى لها الموت مرارا ، في يقظتها و نومها ، شبحا أبيض ، يتخايل باسما في ظلام دنياها .

طرقت الأبواب ، و مـدت يديها ، و سكبت دمعها ... و من الناس من رثى لحالها، و أشفق على أولادها، و تعاطف معها، و أعطى لها ما تسد به رمق أولادها، يوما أو يومين. لكن لا أحد ساعدها مساعدة، تنتشلها تماما من الضياع، الذي يلاحقها بإلحاح و تزايد...

ضياع.. ضياع.. ضياع...

و هي، ضعيفة.. ضعيفة.. ضعيفة...

و لم تنفرج لها أبواب السماء عن أي فرج حقيقي ، و أحست أن الانتظار يعبث بها ، و أن الصبر يخونها ؛ فبدأت مقاومتها تتلاشى يوما عن يوم ، وأخذ اليأس يدب في أعماقها دبيب مارد جبار ، و يخنق أنفاسها بيديه الغليظتين ، فسقطت سقوطا ، كان له دوي مـلأ الآفاق كلها ، و زلزل الأرض زلزالها ؛ فلقد كان ضعفها قـويا حيال أزمتها العنيفة .

ذات صباح، قـرأ الناس، في الجرائد، بمختلف العناوين المثيرة، و التفاصيل المـمـلة:

في غضون هذا الأسبوع عثر رجال الشرطة على ثلاثة أطفال ، في عمر الزهور ، ماتوا إثـر تناولهم طعاما ساما ، و جثة امـرأة ، تطفو فوق المياه ، قرب الساحل ، بدت من ملامحها أنها أم الأطفال ، و رضيعا ملفوفا في خـرق بالية ، عند عتـبـة بيت من بيوت الثـراء ، يملأ الدنيا صراخا.

   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق