]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وطن العجائب

بواسطة: Hawraa Roz  |  بتاريخ: 2012-06-14 ، الوقت: 10:13:46
  • تقييم المقالة:

    لبنان.. يا وطني النازف, يا وطني المنهك, يا وطني المثقل بالهموم والمشاكل.
 

  لبنان.. يا وطن التحزب والتعصب والتباغض والتناحر, لبنان.. با وطن الحيتان النهمة والوحوش الضارية والذئاب الحاقدة والضمائر الميتة, لبنان..يا وطن العجائب في زمن الغرائب.

   زمن ٌ بات القوي فيه يبتلع الضعيف, والقادر يقضي على العاجز, والماكر يخدع الطيب, زمن ٌ ضاع فيه الضمير والرقيب العادل, وتدحرج التعامل الإنساني بين الناس إلى الحضيض ليستقر فيه, زمن ٌ ماتت فيه مخافة الله في قلوب العديد من الناس, ومكارم الأخلاق من أعماقهم, والعفة من نفوسهم, والوطنية من وجدانهم, زمن ٌ بات أسهل عليك أن تجد فيه سلطعونا ً يمشي مستقيما ً من أن تجد حاكما ً عادلا ً أو سياسيا ً نزيها ً.

  بطش الحكام ولصوصية السياسيين وسرقة المال العام والخاص على حدّ سواء ليسوا ظاهرة فريدة أو إختراعا ً جديدا ً, بل هي مهنة عريقة راسخة تضرب بجذورها أعماق تاريخ الدولة وحضارتها, فالفساد قديم قدم النظام اللبناني الذي تديره المؤسسة الحاكمة المتبنية لما يسمى بالأيديولوجية الليبرالية.

  تنتشر ظاهرة الفساد وتتسع رقعتها لتضرب الطبقة الحاكمة برمتها, ولتتكشف معها ملفات مزمنة, فمن فضائح سوكلين ومرفأ بيروت وسوق بيروت الحرّة, إلى فضائح وزارة المالية وشركة الكهرباء والكسارات والمحاصصة وغيرها العديد.... فساد, إبتزاز, إختلاس, إحتكار, إستغلال نفوذ, تبييض أموال,تهريب, صفقات مشبوهة, حقوق مغتصبة, نهب للمال العام والخاص.. قضايا باتت مألوفة من شعبٍ يتقن الخنوع ويحترف الصمت, قضايا تقوم الدنيا ولا تقعد لمدة أيامٍ معدودات عند نشرها ثم تذهب أدراج الرياح كغيرها من القضايا, فيكون "من ضرب ضرب ومن هرب هرب" بحسب المثل اللبناني الشائع. ولم يعد يقتصر الفساد على الطبقة السياسية فحسب, بل إنتقل الفيروس ليضرب العامة تحت غطاء سياسي أوعشائري. وباتت شريعة الغاب تحكم الشارع اللبناني, القوي يحكم الضعيف ويفرض شروطه عليه, حتى وصلت بنا الحال إلى فرض الخوات والعودة إلى النظام الإقطاعي لكن بطراز أحدث, فإذا أردت أن تفتتح مشروعا ً في الجنوب عليك أن تأخذ رضى الجهة السياسية وحاشيتها المسيطرة على العديد من المناطق, والتي بدورهاتفرض شروطها عليك , إما بفرض نسبة من العمال التابعين لها أو بفرض نسبة من الأرباح , وإذا رفضت سيكون مصيرك كمصير الساحلي الذي أنهى أعماله في لبنان ونقل معمله إلى الخارج بسبب بطش الجهات السياسية والتضييق عليه, أو كمعمل إبراهيم للبطاريات الذي أدّت الخوات إلى إقفاله وسافر صاحبه من بعدها إلى الخارج. أما إذا إستسلم صاحب المال والأعمال لهيمنة الجهات السياسية سيكون مصيره كالملياردير جميل السعيد الذي مات بعد ان أشهر إفلاسه أو كالميليونير حجاج الذي تم شراء أرضه الواقعة في الرملة البيضاء التي تقدر بمئة وثمانين مليون دولار بأقل من ثمانية عشر مليونا ً, هذا فضلاً عن أتباع السياسيين النافذين والمقربين منهم الذين يأمرون وينهون ويتمادون بلا حسيب ولا رقيب, يسيطرون على الموارد الرئيسية ويبنون محالهم التجارية بشكل عشوائي في أراض ٍ ليست من حقهم ويعتاشون على الإتاوات التي يفرضوها على التجار وقليلي الحيلة.

  ويمتد البطش السياسي إلى الشوف وغيرها من المناطق الجبلية وخط الساحل الممتد من الجبل نزولا ً إلى بيروت الذي لا يمكن لأحد أن يفتتح مشروعا ً سياحيا ً أيّا ً يكن من دون أن تفرض عليه الجهات السياسية شروطها وتسلب منه جزءا ً من أرباحه. ولبيروت حكايات مع السمسرة السياسية, فالفساد يفتك بمؤسساتها وإداراتها, ويكاد يقضي على أهلها التي هجّرتهم الحرب, وأتت سوليدير لتكمل على ما تبقى. ويتجسد الإستغلال والإحتكار بألوانه في السياسة الحريرية التي قضت على قطاعي الصناعة والزراعة واستنزفت صندوق الإنماء والإعمار, هذا فضلاً عن إختلاسات الخزينة وصندوق المهجرين وأزمة الكهرباء التي إستهلكت أكثر من 14 مليار دولار ولا تزال لا تُؤمَن لأكثر من نصف نهار لكل منزل, ومصادرة الأملاك الخاصة, واليات الدين العام المشبوهة التي تنهب أكثر من 10% من الدخل المحلي, وأكثر من 53.6مليار دولار دين عام أغرقوا البلد تحت وطأته, والمواطن يدفع الثمن.

أما في الضاحية الجنوبية لبيروت الحديث مختلف, فالفساد يأخذ منحى اخر ويستشري بأحياءٍ تشكّل بؤرا ً يسودها التوتر. الإتاوات والتعدي على المواطنين الامنين وتعاطي المخدرات والإتجار بها باتت مظاهر مألوفة تتم تحت غطاء عشائري أو ما يشبه المافيات المنظمة التي تقوم بفرض الخوّات على التجار وأصحاب المؤسسات, وباتت كل عشيرة تحتكر المصالح بحسب نفوذها وأماكن تواجدها, فأحد العشائر تسيطر على بيع المياه إلى المنازل, والبائعين الأخرين لا يجرؤون على الإقتراب من مناطق سيطرتهم, وغيرهم يحتكر توزيع إشتراكات الكهرباء, واخرين يسيطرون على الإشتراكات الشهرية للقنوات الفضائية ويفرضون التسعيرة التي تناسبهم ويرفعوها متى شاءوا. وتخرج مظاهر الإتجار بالمخدرات وتعاطيه إلى العلن بشكلٍ لافت ليُسجل حصول أكثر من 700 حادث أمني عام 2011.

ويبلغ الفساد أوجّه في البقاع, تهريب السلاح والمخدرات يتم برعاية سياسية, ففي السابق وصل تاجر المخدرات البقاعي ليكون عضوا ً فاعلا ً في البرلمان اللبناني حيث كانت المخدرات تنقل بالهيلوكبتر من البقاع برعاية رسمية, هذا فضلا ً عن بعض العشائر التي تمارس شتّى أنواع التسيّب والتطاول على القانون, فالمعامل والمطابخ الخاصة بصناعة الحبوب المخدرة تُستورَد من الخارج لتلبيةأكبر قدر من الزبائن, كيف لا والقوى الأمنية التي يُفترض بها أن تصادر البضائع التي تحرّزها وتقوم بتلفها, تعاود بيعها لتجار اخرين وتأخذ ثمنها منهم كسبتية (أي كل نهار سبت دفعة من المبلغ) كي لا يلفتوالإنتباه, وتحرق السكر أو الطحين بدلا ً منها. ويبلغ الإحتكار أوجّه في المناطق البقاعية التي يقضي نوابها على قطاعها الزراعي الأغنى على الصعيد اللبناني, فالمحصول الزراعي ما زال حتى اليوم يُسحب من الأسواق بأسعار متدنية من قبل سياسيين بقاعيين, ومن ثم يُطرح إلى السوق بأسعار مرتفعة.

  ينتشر الفساد بشكل بنيوي في لبنان ليطال السلطات الثلاثة من تنفيذية وتشريعية وقضائية وينبعث من قمة الهرم إلى مختلف المسؤولين في الدولة وأتباعهم, ويمتد ليطال الدوائر الحكومية والأجهزة الأمنية والشارع اللبناني عموما. السمكة تفسد من الرأس, وهذا ينطبق بشكلٍ جليّ على الوضع في لبنان, فالدولة غارقة بالفساد, فضائح لا تنتهي, كل يوم ملف فساد جديد وفضيحة جديدة تشغلنا عن فضائح الأمس. نظام مهترئ يتقن إنتهاك القوانين واللعب على كل حبالها, نظام قائم على الإقتسام والمحاصصة, نظام هشّ حوّل الفساد من علّة إلى وباء ومن عيب إلى قيمة. نظام يحتاج إلى عملية تطهير شاملة وقلع من الجذور, لأن الكلام في هذا الموضوع كمن يلقي حجرا ً في مياهٍ راكدة, إلاّ أن السؤال الذي يطرح نفسه : ألم يحن الوقت بعد, للإنتقال من طور الكلام إلى حيّز الفعل؟!

 

      
 

 


 


 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق