]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رأب صدع قديم

بواسطة: نصير الإنسان  |  بتاريخ: 2012-06-13 ، الوقت: 13:28:57
  • تقييم المقالة:

الحمد لله حمداً يسقي أوْداج الغبراءِ، و الشكرُ لله شكرا يُبرِق أساريرَ الخضراء، و الثناءُ كلُّ الثناءِ للذي جعل لكل كرْب فرجا، و كل  ضيق مخرجا، مُدركُ دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظَّلماء، فالقُ الحبة و بارئُ النسمة، مصورُ الكون و مُسَخرُ الغني لمد يد العون.

أيْ جدي الكريم....

أخُطُّ إلى حضرتك هذا المقال، و قد ابتلعني ماردُ الحاجة اللعين، الذي  لم أجد عني منه ذَائِداً، فما وجدتني إلا أَجْثُو على الرُّكَب، آملا العثور عن من يأزرني و يشدُّ عَضُدي، ويريحني همًّا أثقل كاهلي و أبأس مَحْيَاي، و لكن هيهات. لقد رأيتُ النور في ظلمة حالكة تبيَضُّ لها المُقَل، و تُذرفُ الدمعَ لها العيونُ، وترعرعت في كَنَفِ مسرحية انقلبت فيها الأدوار على عَقِبَيْها، فبعد أن كان دورُ المرأة مقتصرا على خدمةِ بَعْلِها، و السهرِ على راحة صغارها، و مهمةُ العملِ و الجنيِ منوطةً بالرَّجُل و موكولةً إليه فطرة و عُرْفا و شرعا، كان على أمي أن تعمل و تكدَّ، لتَسُدَّ رَمَقَ ابنها، و تلبي حاجته، و تعول زوجها و تُقدمَ له المال على طبقٍ من فضة ، ذلك الرجلُّ الناضجُ العاقلُ القويُّ، الذي لم يتوانَ قيدَ أُنمُلَة يوماً، عن مدِّ يده لامرأة مسكينة أنهك عاتقَها العملُ، و سلْبِها عرقَ جبينها طَوعا و قسرا، للركوض للماخور، و السُّكر و العَرْبَدَة، و إنفاقِ المال طولا و عرضا،  ولعقِ أحذية العاهرات و البَغيَّات في المراقص و الحانات.

سألت نفسي ذات مرة فقلت: ما بالي لستُ سعيد الحظ كباقي أقراني؟ ما بالي لا أجِدُ أباً يداعبني ، و يلهو معي و يُؤنس وحشتي؟ و ما بال وجهِ والدتي يشعُّ بؤسا و تعاسة كُلَّما رَمقْتُها؟ لم أجد جوابا مقنعا يشفي غليلي سوى أني ألقيت باللوم على والدِي، الذي لا أخاله يستحق نعمة الحياة.

وا جدَّاهُ...

لقد أمضيت عِشريَّةً من السنين يتيما، على الرَّغم من كوني على النقيض من ذلك، و تجرَّعتُ من حَنْظَل الوحشة أعواما، و رَشَفْتُ من كأس الخوف دُهُوراً، فما وجدتُ أَسْمَجَ من غياب الوالد، و لا أقبح من ضمور واجبه. فيا تُرى، كيف لسفينةٍ أن تَشُقَّ عُباب بحرٍ من غير قبطان؟ و يا تُرى كيف لصغيرٍ أن يَطأَ شوكاً من غير حام؟ ويا تُرى أنَّى لرعيةٍ أن تنطلق من دون راع؟

قدْ علمتني الأيامُ كيف أمشي بخُطىً وئيدةٍ على شَوك الدهور، و لَقَّنتني الدهورُ كيف أتخطى عَثَرَاتِها بِصَبر و جَلَدٍ، و أوضحت إلي العثراتُ أنه لا مناص من تضحياتٍ جِسَامٍ، في سبيل نيل المنى، وبلوغ المآرب.

جدي...

عشت في كنفك عِقدا كاملا، و أظَلَّني جناحك الظليل أحوالا مديدة، قضيت إبانها أترَف أيام حياتي، و لم أكُ يوما أَحْسَبُ أن القدر سَيَتَجَهَّمُ في وجهي هكذا تَجَهُّمًا. دَرَسْتُ تسعة أعوام دراسة عمومية في مدارس الدولة، أَتَرَنَّحُ بين دُونية كفاءة أُطُرِها، و بين تواضع بُنيةِ منشآتها، و أَنْألُ بين مُعلمٍ متقاعسٍ لا ضمير له، و بين آخرَ مُضْرِبٍ يطالب بحقوقه على حساب أبناء شعبه. قدْ تقول أنَّ سادة الدولة مَرُّوا جميعا منها مُروري، وأنَّ قادتها لم يولدوا وفي أفواههم ملاعقُ من ذهب، و أنهم كَدُّوا و اجتهدوا حتى بلغوا أرقى المناصبِ، و نقشوا حروف أسمائهم في عمق الحجر ، و أنَّ حالي أحسن من حال غيري. سأجيبك قائلا :انسلخ عصرُ اليوم عن عصر الأمس انسلاخ بطانة الشاة صبيحة العيد، و لسوف أضيف: مَنْ مِنْ هؤلاء سَلِيلُ أسرة عريقة مثلي؟ مَنْ منهم أجداده حسن بن حموش و عبد الله الزكريتي، ذَاِنك القائدان المِغْوَاران، اللذان حاربا العدو كالليوث الهَصُوَرة، و لم يَرِفَّ لهما يوما جَفْنٌ حتى قَطَعَا دَابِرَ المستعمر؟ مَنْ مِنْ هؤلاء يأبى التاريخ أن ينسى ما ألحقه أجدادهم بالفرنجة من هَزَائِمَ نَكْرَاء؟ مَنْ مِنْهم كتب جَدُّهُ كتابا يُشِيدُ فيه ببطولاته، و يعتز فيه بإنجازاته؟

لا أَخَالُ كثيرا من العامَّة و الدَّهْماء يُطيقون الجواب، إلا زمرة من الفتية الذين ينتسبون إلى عائلات مُتَجَذِّرة تَجَذُّرَ عائلتي. أَتُراهم جميعا أيتامُ الأحياء؟ أَتُرَى أجدادهم جميعا يتناسونهم؟ أَتُراهم يدرسون في عين المكان مع الشِّرْذِمَةِ و المتسكعين من أبناء دور الصفيح؟ وأي تعليم يَتَلَقَّاه هؤلاء، حتى لو وَدَّ المعلمون؟ فبين أحمقَ يقتفي أثَر الفتيات أينما حَلَلْنَ و ارْتَحَلْنَ، و مُدمنٍ يقطع طريق أقرانه لِيَسْلَبَهُمْ أشياءهم و يضمن ثمن نشواه، و مهلوسٍ كَلِفٍ بالتمرد على مُدَرٍّسِهِ، كَدَدْتُ و سهرت الليالي و ضحيت بأوقات اللهو التي ابتلعت أبي ابتلاع الثعبان للفئران، في سبيل تمحيص الأوراق، و إثراء الثقافة و إغناء المعارف، و أَبَيْتُ أن أكون غُصنا فاسدا كوالدي، و ما رضيتُ إلا أن أكون ثمرة طيبة من شجرة طيبة غرسها السابقون و سقاها اللاحقون.

أيا جذر الشجرة...

أنَّى للغصن أن يَشْتَد، و أنَّى لعروشه أن تمتد، و كيف لثماره أن تَيْنَع، إذا لم تَسْقِها الجذور؟ فأنا الغصن و أنت الجذر، و الحمد لله على كونك ما زلت صامدا، بالرغم من معاناتك مع ابنك العاق. اعلم يا جدي العزيز أنك كنت و ما تزال مثلي الأعلى و أُّسْوَتي الحسنة في درب الحياة. لقد خُضْتَ بِشِكَّتِكَ معاركَ ضارية بالأمس، و أَسَلْتَ دماء المستعمر القذرة، فما عساني إلا أن أنهج نهجك، و أن أسير على خطاك. بَيْدَ أن شِكَّتِي لن تكون خنجرا و لا طبنجة، بل ستكون أفتك من ذلك. سوف يكون سلاحي القلم، تلك الأداة التي ترتاع لها أبدان الأشداء، و ترتجف لحضرتها سواعد أولي البطش.

فلا تضن علي بمزقة، و لا تدر ظهرك لي كما أداره لي الدهر المرير. و اعلم أن طيب الأراك من طيب عوده، و أن الشجر ما كان ليغذو باسقا من دون غصنه، فأنت الشجرة و أنا الغصن، وبالذات حينما لم يكتب لك الله خليفة طيبا، و لم يكتب لي أبا رحيما ينير علي دياجير الدهر و أهواله. فاعتبرني ابنا قبل اعتباري حفيدا، ولْأَعتبرك أبا قبل اعتبارك جدا، و لْنَنْسَ الماضي بكل ما تحمله ثناياه من كدر، فكذلك كتب الله لك أن تعيش ثَكِلَ ابن حي، و كذلك كتب الله لي أن أعيش يتيم أب حي.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق