]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من أسرار التحولات الصامتة

بواسطة: Ahmed Qarani  |  بتاريخ: 2012-06-12 ، الوقت: 23:26:54
  • تقييم المقالة:

  

من أسرار التحولات الصامتة

  لماذا يكره الناس النهضة وتحولاتها عندما تأتيهم عن طريق التغيير المفاجيء، ويمقتون مكاسبها حتى وأن كانت عمليات بناء، أو توفير فرص عمل، أو خدمات بلا حدود؟ قد يرون أنفسهم في ترف وسراء ولكن من الاعماق يحسون بأنهم عن الحقيقة محرومون، يحنون الى الماضي وحلاوته، ويشكون من الدهر ونعمه.

  وبعكس ذلك عندما يبتلي المجتمع بكارثة طبيعية او حملة ابادة، ويفقدون معها معظم ما يملكون، تراهم يتكاتفون ويتعاونون ويتآزرون في سبيل ايجاد مخرج يخلصهم من ذلك الشر الذي افقدهم الجاه والمال، وما تبقى لديهم من الاشياء القليلة تصبح محور عملهم الشاق وكلهم أمل بان تنقشع المصيبة ويعودوا الى سابق ماضيهم.

  وهنا يكمن السؤال الملح: لماذا الخوف من التغيير؟ وأي تغيير سواء أكان تقلبات اجتماعية سلبية أم تطورات حضارية ايجابية!؟

  لابد هناك سبب معين، او ربما أسباب غير محددة، الا أن البحث عن الجواب الشافي المدعوم بالبراهين يتطلب الدخول في تفاصيل كثيرة، وهو عمل شاق قد تنتج عنه كمية غير قليلة من الشروحات التي يمل منها الباحث قبل المتلقي، ويضيع فيها الشك الممكن قبل الهدف الأساس.

  هناك احتمال آخر يصب في منحى اللاجدوى من التطرق الى مثل هذه المواضيع وهو ان التعويد والتكيف والتأقلم مع عادات وأعراف متجذرة منذ قرون باتت من ضمن مقدسات المجتمع، لذا فإنها تتحدى اقوى قوة في العالم، وقلما يتجرأ احد ويعطي لنفسه الحق بأن يتجاوز عليها. والسبب الثالث هو ان السكون والركود هما حالتان متلازمتان مع ما هو سهل وبسيط، لذا فأن الإنسان القنوع الذي لا يبدي استعداداً للتجديد ولا يشعر بلذة الاستكشافات ولا يهمه حلاوة الحداثة أصلاً، نراه ينحاز دوماً الى حياة البساطة والمحافظة على ما هو معمول به، ولا يشغل باله بما هو متعب ولا يثقل كاهله بمتطلبات هو في غنى عنها، بل يميل الى ما هو واضح على تفكيره وخفيف في أدائه. أما الاعمال الكبيرة والمنجزات الضخمة فيتركها تسرد ضمن احداث الاساطير والقصص التي يشتاق الى سماعها في هدوء ليالي الشتاء الطويلة.

  لا تتوفر هذه الاجواء وضمن هذه الشروط في حياة المدن الصاخبة، بل تتلاءم مع العيش الرغيد في القرى الهادئة، وربما تنسجم كلياً مع حياة البداوة التي تتطلب خفة في التنقل وبداهة في القرار وفراسة في التحديد وسهولة في التفكير وبساطة في العيش... لذا فالبدوي او ربما القروي ايضاً لا حاجة له بأن يرتد الى ذاته ويتمعن في الأمور المعقدة ليصل الى نتائج قد تختلف مع ما توصل اليه الآخرون.

  هكذا تكون العشيرة كتلة بشرية واحدة تنضوي تحت لوائها مجموعات صغيرة متنقلة او مستقرة في قرى وواحات متفرقة تنتج ما يكفي بها رمق العيش، ويحتفظ الفرد بما يزيد عنه تحسباً لضيف يتكرم، او الايفاء بما يترتب عليه في البت بنـزاعات الثأر، او اغراء عائلة حسناء يغرم بها عندما يراها وهو في جولة صيد او زيارة مريض او في حفلة عرس.

  على هذا الأساس تكون العشيرة مكتفية في اقتصادها ذاتياً، ولا تبالي بالمخاطر، لأنها مجتمعة قوة عسكرية تصد أي هجوم يهدد المجموعة، أو تدافع دون هوادة عن كل فرد يتعرض لمكروه.

  من هنا تتزكى روح الانتماء الى الأصل النقي وليس للوطن المصطنع، والى الأرض المعطاء وليس للمنظومة الاجتماعية المقننة. لذا يبدو الفرد شاكراً على ما يتمتع به من نعم الحياة وما حظي بالمال والبنين.

  وكان ابن خلدون (1332- 1406م) خير من تنبه الى هذه الحالة التي شكا منها المجتمع في عصره وما يزال الوضع مستمراً الى يومنا هذا. فهو يقيم الصراع بين البداوة والحضارة بشكل يفهم مؤيدو الطرفين أن الحقيقة تبقى حية ناصعة تغذي الحياة على الارض بالرغم من المغامرات الفكرية والمعرفية التي يقترفها الإنسان وما يترتب عليها من تناقضات ومتاعب فيجسدها أبن خلدون في مقدمته على الشكل الآتي: (والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف واستجادة احواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من اصنافه وسائر فنونه، ومن الصنائع المهيئة للمطابخ او الملابس او المباني او الفرش او الآنية ولسائر احوال المنـزل... واذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنـزلية الغاية تبعته طاعة الشهوات، فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لاتستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها) وحسب رأي أبن خلدون فأنه يفضل البدو على الحضر وخاصة في الفصول التي خصصها لهذه المسألة الحساسة منها: ( فصل في أن البدو اقرب الى الخير من أهل الحضر) وآخر حول ( فصل في أن اهل البدو أقرب الى الشجاعة من أهل الحضر) وفصل آخر يحسم فيه رأيه الصريح عندما يعنونها بـ (فصل في أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة عنهم).

  نستنتج مما سبق بأن الحفاظ على تلك المشاعر التي تراها البداوة صائبة أمر يستوجب احترامه وفي الوقت نفسه لابد من فتح الأبواب على مصراعيها لاستقبال ما يستجد في عالم المعرفة والاستكشافات الجديدة. فالتوازن بين الحالتين هو قمة مستوى الادارة الناجحة في أي بلد. ولكن عندما يختلط الحابل بالنابل وتتناطح الشرائح الأجتماعية في أعرافها واعتقاداتها او يحاول طرف فرض قيمه وطروحاته على الطرف الآخر فإنهما يدخلان في نفق مظلم دون أن يروا بصيص النور في الجهة المقابلة ويقابلون الحياة وجهاً لوجه من دون دليل أو خريطة طريق، وهكذا يبدو ان نصفهم أحرار يعملون ليل نهار، والنصف الآخر اكثر حرية ولكنهم في غبطة النوم يحلمون.

 

 

من أسرار التحولات الصامتة

  لماذا يكره الناس النهضة وتحولاتها عندما تأتيهم عن طريق التغيير المفاجيء، ويمقتون مكاسبها حتى وأن كانت عمليات بناء، أو توفير فرص عمل، أو خدمات بلا حدود؟ قد يرون أنفسهم في ترف وسراء ولكن من الاعماق يحسون بأنهم عن الحقيقة محرومون، يحنون الى الماضي وحلاوته، ويشكون من الدهر ونعمه.

  وبعكس ذلك عندما يبتلي المجتمع بكارثة طبيعية او حملة ابادة، ويفقدون معها معظم ما يملكون، تراهم يتكاتفون ويتعاونون ويتآزرون في سبيل ايجاد مخرج يخلصهم من ذلك الشر الذي افقدهم الجاه والمال، وما تبقى لديهم من الاشياء القليلة تصبح محور عملهم الشاق وكلهم أمل بان تنقشع المصيبة ويعودوا الى سابق ماضيهم.

  وهنا يكمن السؤال الملح: لماذا الخوف من التغيير؟ وأي تغيير سواء أكان تقلبات اجتماعية سلبية أم تطورات حضارية ايجابية!؟

  لابد هناك سبب معين، او ربما أسباب غير محددة، الا أن البحث عن الجواب الشافي المدعوم بالبراهين يتطلب الدخول في تفاصيل كثيرة، وهو عمل شاق قد تنتج عنه كمية غير قليلة من الشروحات التي يمل منها الباحث قبل المتلقي، ويضيع فيها الشك الممكن قبل الهدف الأساس.

  هناك احتمال آخر يصب في منحى اللاجدوى من التطرق الى مثل هذه المواضيع وهو ان التعويد والتكيف والتأقلم مع عادات وأعراف متجذرة منذ قرون باتت من ضمن مقدسات المجتمع، لذا فإنها تتحدى اقوى قوة في العالم، وقلما يتجرأ احد ويعطي لنفسه الحق بأن يتجاوز عليها. والسبب الثالث هو ان السكون والركود هما حالتان متلازمتان مع ما هو سهل وبسيط، لذا فأن الإنسان القنوع الذي لا يبدي استعداداً للتجديد ولا يشعر بلذة الاستكشافات ولا يهمه حلاوة الحداثة أصلاً، نراه ينحاز دوماً الى حياة البساطة والمحافظة على ما هو معمول به، ولا يشغل باله بما هو متعب ولا يثقل كاهله بمتطلبات هو في غنى عنها، بل يميل الى ما هو واضح على تفكيره وخفيف في أدائه. أما الاعمال الكبيرة والمنجزات الضخمة فيتركها تسرد ضمن احداث الاساطير والقصص التي يشتاق الى سماعها في هدوء ليالي الشتاء الطويلة.

  لا تتوفر هذه الاجواء وضمن هذه الشروط في حياة المدن الصاخبة، بل تتلاءم مع العيش الرغيد في القرى الهادئة، وربما تنسجم كلياً مع حياة البداوة التي تتطلب خفة في التنقل وبداهة في القرار وفراسة في التحديد وسهولة في التفكير وبساطة في العيش... لذا فالبدوي او ربما القروي ايضاً لا حاجة له بأن يرتد الى ذاته ويتمعن في الأمور المعقدة ليصل الى نتائج قد تختلف مع ما توصل اليه الآخرون.

  هكذا تكون العشيرة كتلة بشرية واحدة تنضوي تحت لوائها مجموعات صغيرة متنقلة او مستقرة في قرى وواحات متفرقة تنتج ما يكفي بها رمق العيش، ويحتفظ الفرد بما يزيد عنه تحسباً لضيف يتكرم، او الايفاء بما يترتب عليه في البت بنـزاعات الثأر، او اغراء عائلة حسناء يغرم بها عندما يراها وهو في جولة صيد او زيارة مريض او في حفلة عرس.

  على هذا الأساس تكون العشيرة مكتفية في اقتصادها ذاتياً، ولا تبالي بالمخاطر، لأنها مجتمعة قوة عسكرية تصد أي هجوم يهدد المجموعة، أو تدافع دون هوادة عن كل فرد يتعرض لمكروه.

  من هنا تتزكى روح الانتماء الى الأصل النقي وليس للوطن المصطنع، والى الأرض المعطاء وليس للمنظومة الاجتماعية المقننة. لذا يبدو الفرد شاكراً على ما يتمتع به من نعم الحياة وما حظي بالمال والبنين.

  وكان ابن خلدون (1332- 1406م) خير من تنبه الى هذه الحالة التي شكا منها المجتمع في عصره وما يزال الوضع مستمراً الى يومنا هذا. فهو يقيم الصراع بين البداوة والحضارة بشكل يفهم مؤيدو الطرفين أن الحقيقة تبقى حية ناصعة تغذي الحياة على الارض بالرغم من المغامرات الفكرية والمعرفية التي يقترفها الإنسان وما يترتب عليها من تناقضات ومتاعب فيجسدها أبن خلدون في مقدمته على الشكل الآتي: (والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف واستجادة احواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من اصنافه وسائر فنونه، ومن الصنائع المهيئة للمطابخ او الملابس او المباني او الفرش او الآنية ولسائر احوال المنـزل... واذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنـزلية الغاية تبعته طاعة الشهوات، فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لاتستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها) وحسب رأي أبن خلدون فأنه يفضل البدو على الحضر وخاصة في الفصول التي خصصها لهذه المسألة الحساسة منها: ( فصل في أن البدو اقرب الى الخير من أهل الحضر) وآخر حول ( فصل في أن اهل البدو أقرب الى الشجاعة من أهل الحضر) وفصل آخر يحسم فيه رأيه الصريح عندما يعنونها بـ (فصل في أن معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة عنهم).

  نستنتج مما سبق بأن الحفاظ على تلك المشاعر التي تراها البداوة صائبة أمر يستوجب احترامه وفي الوقت نفسه لابد من فتح الأبواب على مصراعيها لاستقبال ما يستجد في عالم المعرفة والاستكشافات الجديدة. فالتوازن بين الحالتين هو قمة مستوى الادارة الناجحة في أي بلد. ولكن عندما يختلط الحابل بالنابل وتتناطح الشرائح الأجتماعية في أعرافها واعتقاداتها او يحاول طرف فرض قيمه وطروحاته على الطرف الآخر فإنهما يدخلان في نفق مظلم دون أن يروا بصيص النور في الجهة المقابلة ويقابلون الحياة وجهاً لوجه من دون دليل أو خريطة طريق، وهكذا يبدو ان نصفهم أحرار يعملون ليل نهار، والنصف الآخر اكثر حرية ولكنهم في غبطة النوم يحلمون.

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-06-13
    سيدي الفاضل ..أحمد القرني
     في مقالتكم بينت لنا دراسة  ناجحه .. عن اسباب النهضة وتطور المجتمعات
    وما اسباب نجاحها إلا ان يلتزم الفرد والجماعة بالتعاون في سبيل وصول المجموعه لما يتمنون من سعة واستقرار حال وهي مقومات كل حضارة قامت الى الان  
    وبنظرتك الواعية لتلك المقدمة لابن خلدون والتي كانت تتحدث عن عصور خلت أعطتنا الكثير لبعدد النظر
    فهو قد  قراها بطريقة الحكيم والعلامه الدارس للمجتمعات واسباب علوها وسقوطها  ..  وقد شرحها شرحا وافيا وبين  ب نظرة الشمولية التي يمتاز بها  الاسلام وكماله في سياسة المجتمعات  ..فهي قراءة تاريخيه لكل العصور الماضيه

    لنأخذ بذلك كتابنا الكريم القرآن .. ففي كل القصص الوارده عن الامم التي اندثرت يتوضح ويوضح أسباب زوالها ما يلي :
    الدين
    الظلم
    الفساد
    ولو تتبعت الرؤيا لوجدت ان الاساس الدين.. والفطرة السليمة توصلنا الى المجتمع السليم
    نعم كلما أوغلنا بحب الذات وكماليات  لا تزيدنا الا تشتتا كلما ابتعدنا عن رفعة أنفسنا وتعلقنا في الدنيا أكثر مما ينبغي
    ما اريد ان اقوله ..
    استطيع ان اتقبل أفكار الاخرين ولكن لا اخذ بهاالا بعدما أخضعها  للكثير من الفحوصات الفقهيه والنفسيه والعادات التي تخصني تماما كما لو انك تريد ان تدخل الجيش يجب ان تخضع للكثير من الفحوصات كي لا يكون هناك سبب او علة تجعلك تتوقف عن حمل امانة رفعة الوطن وحمايته والدفاع عنه
    هكذا ارى اي فكره او علم او عادة يجلبها الاخرون من الغرب يجب ان نخضعها للكثير كي تناسبنا لا ان نناسبها
    سلمتم سيدي راق لي ما قرات في مقالتكم فهي بحق مفيده تجذبنا للتفكير بامتنا وانفسنا وبالتالي المجتمع حولنا
    مشكور على كل حرف قدمته لنا في كل مقالة كتبت هنا
    سلمتم وسلم يراعكم الناصح
    طيف بخالص التقدير


» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق