]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل أمرنا الإسلام بجفاء أهل الكتاب ؟

بواسطة: عيد الخطيب  |  بتاريخ: 2011-07-07 ، الوقت: 13:22:35
  • تقييم المقالة:
هل أمرنا الإسلام بجفاء أهل الكتاب ؟ أحد الأصدقاء قال لي : لي زملاء مسيحيون يعملون معي في نفس المكتب الذي أعمل فيه ، وقضية التعامل معهم تسبب لي حرجا شديدا ،  فأنت تعلم أنه لا يجوز لي أن ألقي عليهم السلام ، فعندما أدخل المكتب وأجدهم جالسين أشعر بحرج شديد للغاية لأنه لا يجوز أن أبدأهم بالسلام ، وعندما يدخل علىَّ أحدهم فإنه يحييني بتحية الإسلام فيقول : السلام عليكم ، فأشعر بالحرج عندما أرد وأقول وعليكم فقط ، كما ألزمنا الشرع بأن نرد عليهم بهذه الطريقة ، في حين أنني أرد التحية على المسلم كاملة ، وفضلا عن ذلك أنهم يجاملونني في أفراحي وأحزاني ، مما يوقعني في حرج شديد أيضا لأن الشرع يمنعنا من أى مجاملة لهم ، وكذلك إنني أرى في كثير من الأحيان أن من بينهم من هو أهل للأمانة والثقة والحكمة في الرأي ، فأحب أن أرجع إليه في بعض المسائل المتعلقة بعملي والتي تتطلب السرية التامة فلا أستطيع خوفا من مخالفة الشرع. فقلت له : ما الذي جعلك تتكلم بهذه الثقة المتناهية ، وتقول لي : أنت تعلم أن إلقاء السلام عليهم ، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم واستئمانهم على أسرارك، لا يجوز شرعا ؟  فقال : إن معظم المشايخ والدعاة يقرون بهذا الكلام فضلا عن ذلك إنني قرأت في كتب كثيرة قديمة وحديثة عن هذه المسألة ، وهذا كلام لا يحتمل المراجعة أو الرد . فقلت له : عن أى شيء تسألني إذاً مادام هذا الكلام في قناعتك لا يحتمل مراجعة أو ردا ؟ فقال : أسألك .. لماذا أمرنا الإسلام بجفاء أهل الكتاب ؟ فقلت له : الإسلام لم يأمرنا مطلقا بجفاء أهل الكتاب ولا غيرهم ، والإسلام دين لا يعادى أحدا ، ولا يستجدى العداء من أى أحد ، وبالتالي سؤالك لا معنى له على الإطلاق ، وكل ما ذكرته عن تعاملك مع زملائك المسيحيين نتيجة لمفاهيم خاطئة اكتسبتها من سماعك لبعض المشايخ أو قراءتك لبعض الكتب ، والإسلام برئ من هذه المفاهيم . واستطردت في حديثي معه فقلت : إنك تثير هذه المسألة لأنك لم تقتنع قناعة تامة بما سمعته ، أو قرأته عنها ، وربما تثير بداخلك مسائل أخرى كثيرة سمعتها أو قرأت عنها ، ولم تقتنع بها و تتحرج أن تبوح بها لأنك ترى أن هذه المسائل محسومة لدى مشايخ وعلماء ودعاة ، ومحسومة أيضا في كتب قديمة و حديثة ، لكن يجب أن تعلم أنه ليس كل ما تسمع أو تقرأ بخلاف القرآن والسنة الصحيحة مقدسا ولا يجوز المساس به ، وطلبت منه أن أذهب معه إلى بيته لأطلع على الكتب التي يقصدها وقد كان ، وجاءني بكثير من الكتب القديمة والحديثة التي تتحدث عن هذا الموضوع ، فوجدتها هي الكتب المتداولة والمعروفة لدى الخطباء والمشايخ والدعاة . واستخرج لي من الكتب ما يلي : - من كتاب " أحكام القرآن " لابن العربي 4/1783 قوله تعالى في سورة الأنعام: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ " فالمقصود بالبطانة إذن المقربون لدى الشخص ، فالمسلمون لا يجوز لهم اتخاذ الكافر سواء أكان فردا ، أم جماعة ، أم دولة بمنزلة صاحب السر بحيث يقرب ويعظم ويرجع إليه في عظائم الأمور ومهامها ويفضى إليه بأسرار المسلمين .  - من كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم "  لشيخ الإسلام ابن تيمية صـ180 وما بعدها ، يقول : " فمشاركتهم في أعمالهم الدينية مثل صلواتهم وتشييع جنائزهم ، واحتفالات الأعياد ، ونحو ذلك فيها موالاة بلا جدال ، لأنه تأثر بهم ، أو كان قدوة سيئة لغيره ، بل إن فعله ذلك تحسن لأعمالهم ، وإقرار لهم عليها مع بطلانها " ـ ومن تفسير ابن كثير 3/328 عند تفسير قوله تعالى في سورة الفرقان  " وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا " قال غير واحد من السلف ، الزور : أعياد المشركين .  -ومن كتاب منهاج المسلم لأبى بكر الجزائري : "...لا يبدؤه بالسلام ، وإن سلم عليه رد عليه بقوله وعليكم لقول الرسولصلى الله عليه وسلم : " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا  وعليكم " متفق عليه . ويضطره عند المرور به في الطريق إلى أضيقه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ... " . وهكذا بقية الكتب يدور الكلام فيها عن هذه المسألة حول ما ذكرناه .  قلت له : قبل أن أرد على هذه الكتب يجب أن نأخذ في الاعتبار أن كل ما قرأته باستثناء حديثي النبي صلى الله عليه وسلم وهما : حديث الرد على سلام أهل الكتاب ، وحديث ابتدائهم بالسلام وتضييق الطريق عليهم . ما هو إلا أقوال وآراء لعلماء لا تستند إلى أدلة من القرآن والسنة على الإطلاق ، وإليك التوضيح الآتي :
    عدم جواز اتخاذ أهل الكتاب بمنزلة أصحاب سر كما قال ابن العربي عند تفسير قوله تعالى : " لا تتخذوا بطانة من دونكم " ما هو إلا رأى  خاص به .  وفى تفسير ابن كثير لقولهتعالى" والذين لا يشهدون الزور " بأن الزور في قول غير واحد من السلف هي أعياد المشركين  كلام خاص بمن قالهولا دليل له على الإطلاق .  وقول ابن القيم إننا لا نشارك أهل الكتاب في صلواتهم فهذا أمر طبيعي جدا لأن كل إنسان يصلى لربه بالكيفية التي توافق شريعته وديانته فنحن المسلمين لن نشهد صلاتهم ، وهم لن يشهدوا صلاتنا لأن هذه خصوصية العبادة الخاصة بكل ديانة ، أما بقية كلام ابن القيم من عدم تشييع جنائزهموتهنئتهم في أعيادهم ، وغير ذلك فهذا كلام لا دليل له على الإطلاق ، وما هو إلا رأى خاص بصاحبه لا يستند إلى أى  أدلة .
أما حديثاالنبي صلى الله عليه وسلم فلابد من فهم المراد منهما ، وتوضيح أمور متعلقة بهماحتى نستخرج الحكم الصحيح في هذه المسألة . - الحديث الأول :" إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " .       - الحديث الآخر :  " لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه " هذان حديثان صحيحان بل وفى أعلى درجات الصحة ، إلا أن هذين الحديثين كانا خاصين باليهود الذين كانوا يلقون السلام على النبي فيقولون " السام عليكم " بدلا من السلام عليكم ، فكان النبي يرد بقوله : " وعليكم "  فقط ، وكونه صلى الله عليه وسلميأمر بعدم بدايتهم بالسلام ، وتضييق الطريق عليهم ؛ ذلك لأنهم كانوا يثيرون الفتن ويشعلون الحرب على النبيوأصحابه ، فهذا من باب الردع لهم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلملم يقصد تعميم هذا الكلام على أهل الكتاب أو على أى إنسان مهما كانت ملته أو عقيدته مادام أنه لا يظهر العداء للإسلام أو المسلمين .  - والأدلة الآتية تؤكد لنا ذلك : أولا، الأدلة من القرآن الكريم : ـ قوله تعالى في سورة آل عمران  :  " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  " فالله سبحانه وتعالى لم ينف الأمانة عن أهل الكتاب .  ـ قوله تعالى في سورة الممتحنة  : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " فتهنئة أهل الكتاب بأعيادهم ، وشهود جنائزهم وإلقاء السلام ورده عليهم ، كل هذه الأمور من أنواع البر التي أمرنا الله بها في الآية الكريمة ، ونريد أن ننوه إلى أن كلمة البر في الآية تجمع كل أمور الخير التي يمكن أن يتعامل المسلم بها مع غيره من أهل الكتاب ، وأما الأمر الإلهي بمقاطعتهم فخاص بأولئك الذين يقاتلوننا في الدين .  - قوله تعالى في سورة الأنبياء : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ "   فالآية الكريمة تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ليس فقط للمسلمين ، بل للمسلمين وغير المسلمين ، بل للخلق أجمعين ، فهل ينهى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة المهداة أمته عن إلقاء السلام على غير    المسلمين ؟! وإلقاء السلام أبسط صفات الشخص الرحيم ، فما بالك إذا كان هذا الشخص هو الرحمة المهداة للعالمين . - قوله تعالى في سورة المائدة : " الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " لو افترضت أن لي جارا من أهل   الكتاب ، دعاني لطعام والله سبحانه وتعالى أجاز لي أن ألبى دعوته ، أتراني أذهب إليه وأدخل بيته دون إلقاء السلام عليه ؟ وهل من المعقول أن يبيح الله عز وجل لي أن آكل في بيته أو يأكل في بيتي ويستكثر عليه كلمة السلام ؟ حاشا لله ، ثم هل من المعقول أن أخرج معه وأضيق عليه الطريق بعدما تناولنا الطعام سويا ؟ ، ثم لو ذهبت إلى بيته لأتناول الطعام فأصابته مصيبة الموت بفقد ابنه أو أخيه أو موته هو نفسه أأتخلى عنه أو عن الوقوف بجوار أهله فلا أشهد جنازته ؟ وإذا كان يوم عيده كيف أنظر في وجهه دون أن أقول له " كل عام وأنت بخير" . هل الله سبحانه وتعالى أمرني أن أدخل بيته وأتناول طعامه ثم أجافيه بعد ذلك أو أقاطعه فلا أشاركه فرحه أو حزنه ؟ حاشا لله ، إننا ننزه الله جل وعلا عن عدم الحكمة التى أصابت من لم يفقه هذه الأمور . ثانيا ، الأدلة من السنة المطهرة : - ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حدث عظيم جليل ، كانت السرية المتناهية أهم شرط فيه لنجاحه وكان هذا الأمر يتطلب شخصا غاية في الأمانة والوفاء ، هذا الحدث هو الهجرة النبوية المباركة ، وقد استأمن النبيصلى الله عليه وسلم عبد الله بن أريقط على هذا الحدث العظيم بالرغم من أن ابن أريقط كان لايزال على شركه بل واستعمله على نجاح خطته فما بالنا بأهل الكتاب وهم أصحاب دين سماوي . - رسائله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والرؤساء التي دعاهم فيها للإسلام ، كان النبي يبدأ رسائله بقوله : " السلام على من اتبع الهدى " فلم يجعل النبي الدخول فى الإسلام شرطا لإلقاء السلام ، فلم يقل: "السلام على من اتبع الإسلام "  ثالثا ، الدليل العقلي : الله سبحانه وتعالى أباح للمسلم أن يتزوج من غير المسلمة الكتابية ، والله سبحانه وتعالى لو لم يكن يعلم أن الكتابية ستحافظ على شرف المسلم وعرضه وبيته وتكون أمينة على شئونه ما أباح له ذلك ، وهل من المعقول أن يبيح الله سبحانه وتعالى الزواج بإنسانة ، ولا يبيح لزوجها إلقاء السلام عليها ، أو شهود جنازتها أو تهنئتها يوم عيدها ؟! فهذه أمور عقلية منطقية لا تحتاج إلى تعليق ، والله سبحانه وتعالى بحكمته لن يجعل أبدا مواقف المسلم متناقضة ، فليس من الطبيعى أن أعيش مع إنسانة في بيت واحد تكون زوجتي وقد يرزقني الله منها أولادا فأقاطعها يوم عيدها فلا أهنئها ، أو يوم وفاة أحد أقاربها فلا أعزيها ، أو أدخل البيت دون أن أسلم عليها ، فالقضية بأكملها هي سوء فهم من أفراد ليسوا بمشرعين ، والحكمة الإلهية المنزهة عن كل شائبة بريئة من سوء الفهم هذا . وكل الأدلة التي ذكرناها وتعضدها المفاهيم والأسس والمبادئ العامة التي جاء بها الإسلام تؤكد أن أهل الكتاب منهم من هو أهل للأمانة والثقة ، وأن إلقاء السلام عليهم ومشاركتهم أحزانهم وأفراحهم وتهنئتهم على أعيادهم أمور حث عليها الإسلام ، وخاصة أن الآراء التي جاءت خلاف ذلك ـ كما قلنا ـ  هي مجرد آراء لأفراد لا تستند إلى أى أدلة ، فضلا عن أنها لا تتفق مطلقا مع المفاهيم والمبادئ العامة والأحكام المجملة التي جاء بها الإسلام والتي تدعو إلى البر والتسامح والمعاملة الحسنة الكريمة مع غيرنا سواء كان مسلما أو غير مسلم مادام أنه لا يعادى الإسلام ولا المسلمين .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق