]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شهادة العالم والمؤرخ الكبير و. لـ. ديورانت للحضارة الإسلامية

بواسطة: Ali Barakat  |  بتاريخ: 2012-06-09 ، الوقت: 14:51:02
  • تقييم المقالة:
قراءة في شهادة "ول. ديورانت" للحضارة الإسلامية دكتور/على عبد الله بركات عندما يلزم الباحث موقفـا حياديا تجاه القضية التي يبحث فيها، ويتخلى عن نوازع الهوى، ويلتزم قواعد المنهج العلمي، الذي يقوم على جمع الملاحظات والشواهد والحقائق وتحليلها التحليل السليم في أطرها الصحيحة، ويركز اهتمامه على جوهر الأشياء، لا على بعض الممارسات الشاذة، التي تمر عرضا في حياة أي أمة أو شعب وتكون نتيجة لظروف بعينها، تفرضها عوامل متباينة غالبا ما تكون دخيلـة- يستطيع أن يخلص إلى النتائج الطيبة، ويستنبط الأحكام الصحيحة. ولا يذهب جهده وتفانيه في تمحيص نتائجه سدى، إذ يطول بقاؤها في التاريخ، وتصبح أحكامه مرجعيات، يستنير بها الباحثون عن الحقيقة في تاريخ الإنسانية. مثل هؤلاء الباحثين يبحث المرء عن تراثهم، لتغذية روح التفاعل الإيجابي بين الحضارات، وحتمية التواصل، ومد جسور المودة بين بني الإنسان على اختلاف مشاربهم، وكبح جماح الدعاوى التي تشعل روح العداء بين الناس، وتغذى النزعات العنصرية، التي لم تجد لها تربة صالحة، إلا في ظل انحطاط القيم الأخلاقية، الذي يصاحب غروب شموس الحضارات الإنسانية العظيمة.  وفي ظل تنامي روح العداء للإسلام والمسلمين والعرب، والتي أضحت تمثل ما يمكن أن يطلق عليه ظاهرة، اجتاحت أمريكا وبعض أوروبا، وتلوح نذرها في عوالم أخرى كانت -إلى عهد قريب - تقف موقف المتفرج– في ظل تلك الأجواء المشحونة بالكراهية والعداء، يجد المرء في كتابات العلماء الحقيقيين، عن الإسلام واحة لتهدئة الروع. من هؤلاء العلماء "ول. ديورانت" في موسوعته الخالدة  "قصـة الحضـارة". وقصة الحضارة دائرة معارف كبرى، تتقصى تاريخ حضارات العالم كله في أقصى طرفه الشرقي، من اليابان والصين، إلى أقصى طرفه الغربي في أمريكا، ومن أقدم العصور وحتى العصر الحديث. ويعتبر هذا العمل من أهم الدراسات التاريخية في القرن العشرين، وهى بلا شك، أهم أعمال الكاتب الأمريكي الكبير "ول ديورانت" (Will Durant)  (1885-1981)، والتي كرس من أجل إتمامها -على الوجه اللائق- جل حياته، وطاف من أجلها العالم عدة مرات . وتقع هذه الموسوعة في 12 مجلد ضخم، 6 مجلدات منها تحمل اسم "ول ديورانت"، ثم انضمت إليه زوجته "ايريل ديورانت" (Ariel Durant)، فظهر اسمها مع اسمه على المجلدات الأخيرة منها. وقد تبنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ترجمة عشرة مجلدات من هذه الموسوعة الكبيرة إلى اللغة العربية، ظهرت في أجزاء متفرقة، خلال النصف الأخير من القرن الماضي، ثم ظهرت ضمن سلسلة مهرجان القراءة للجميع (مكتبة الأسرة) في عام 2001، في 22 مجلد. ومن أهم سمات هذا العمل، أنه يرفض التعصب، ويعطى كل ذي حق حقه، فينصف الأمم التي أعطت للحضارة الإنسانية، بغض النظر عن كونها شرقية أم غربية. ففي مقدمة الكتاب، يقول المؤلف : "إن قصتنا تبدأ بالشرق، لا لأن آسيا كانت مسرحا لأقدم مدنية معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونت البطانة والأساس للثقافة اليونانية والرومانية التي ظن "سير هنري مين" خطأ أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث؛ فسيدهشنا أن نعلم كم مخترعا من ألزم مخترعاتنا لحياتنا، وكم من نظامنا الاقتصادي والسياسي ومما لدينا من علوم وآداب، ما لنا من فلسفة ودين، يرتد إلى مصر والشرق؛ وفي هذه اللحظة التاريخية –حيث تسرع السيادة الأوربية نحو الانهيار، وحيث تنتعش آسيا بما يبعث فيها الحياة، وحيث الاتجاه كله في القرن العشرين يبدو كأنما هو صراع شامل بين الشرق والغرب-في هذه اللحظة نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتاباتنا التقليدية للتاريخ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها في سطر واحد، لم يعد مجرد غلطة علمية بل ربما كان إخفاقا ذريعا في تصوير الواقع ونقصا فاضحا في ذكائنا". المجلد الرابع من قصة الحضارة، الذي يسمى "عصر الإيمان"، يتناول حضارة العصور الوسطى، من عهد "قسطنطين" إلى "دانتى" مع العناية بالأديان السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. وفيه يعرض المؤلف للحضارة الإسلامية (الجزء 13 من المجلد السابع (مكتبة الأسرة) ترجمة الأستاذ / محمـد بـدران)، ويفرد لها – في سياق عرضه للحضارات الإنسانية- مساحة معتبرة. ويستهل عرضه، بمقدمة عن جزيرة العرب، وحياة العرب قبل الإسلام، ثم يتحدث عن ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وحياته ودعوته وأخلاقه. ويسجل إجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعتبره من أعظم عظماء التاريخ، إذ يقول : " وإذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا إن محمدا (صلى الله عليه وسلم)، كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وفد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ". ثم يواصل حديثه عن مقومات وخصائص الحضارة الإسلامية، فيتحدث عن القرآن، والخلفاء الراشدين، والخلافة الأموية، والفكر والفن في بلاد الإسلام. وفي هذا الخصوص يتحدث عن التعليم، مستهلا الموضوع بذكر حب النبي صلى الله عليه وسلم للعلم، فيسجل بعض الأحاديث الشريفة التي تحض على التعليم، حيث يذكر: " تدل الأحاديث النبوية على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يحث على طلب العلم ويعجب به، فهو من هذه الناحية يختلف عن معظم المصلحين الدينيين فيقول: "من سلك طريقا يطلب علما سهل الله له طريقا إلى الجنة". ويقول: "يوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء دم الشهداء". وفي نهاية عرضه الشيق لقصة الحضارة الإسلامية، يعرب عن دهشته لما قدمته هذه الحضارة للإنسانية : "إن قيام الحضارة الإسلامية واضمحلالها لمن الظواهر الكبرى في التاريخ . لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 م، يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع، والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم والطب، والفلسفة، وفي العمارة ". ويعبر عن جزعه لما تعرضت له هذه الحضارة على يد المغول (1219-1258 م)، من تدمير وتخريب، حيث يقول : "ولسنا نعرف أن حضارة من الحضارات في التاريخ كله فد عانت من التدمير الفجائى، ما عانته الحضارة الإسلامية على أيدى المغول". ويقارن بين المغول وغيرهم من الشعوب الهمجية، ليكشف أنهم كانوا أكثر همجية ودموية من أى شعب مخرب عرفه التاريخ : "كان الفاتحون الجرمان يكنون في قلوبهم بعض الإجلال للدولة المتحضرة التي يعملون على تدميرها، ومنهم من حاول المحافظة عليها. أما المغول فقد أقبلوا وارتدوا في أربعين عاما لا أكثر، ولم يأتوا ليفتحوا ويقيموا، بل جاءوا ليقتلوا، وينهبوا، ويحملوا ما يسلبون إلى منغوليا. ولما ارتد تيار فتوحهم الدموي، خلف وراءه اقتصادا مضطربا، وقنوات للري مطمورة، ومدارس ودورا للكتب رمادا تذروه الرياح.." ولا يفوت "ديورانت" أن يثنى على الخليفة المهزوم، الذي لم يتخل عن أخلاقه إزاء أشد المحن ضراوة، أمام السفاح المنتصر، فيقول: " وكان المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين في المشرق من جلة العلماء وكبار الخطاطين، وكان مثال الرقة ودماثة الأخلاق، شديد الاهتمام بأمور الدين، وبالكتب، والصدقات. وكل هذه الأمور لا تتفق مع ذوق هولاكو". وهكذا يحتفي التاريخ بصاحب خلق مهزوم، ويخجل من سفاح منتصر. ويعبر "ديورانت" عن امتنان أوربا المسيحية للعالم الإسلامي، في كثير من مناحي الحياة. ولا يستنكف الرجل عن تسجيل شهادة حماية العالم الإسلامي لأوربا، بهزيمة جيش المغول على يد "قطــز" و"بيبـرس" في المعركة الحاسمة، التي دارت رحاها في "عين جالوت"  عام 1303 م. وهى المعركة التي فرح الناس جمعيا لنتائجها، في بلاد الإسلام وفي أوربا نفسها، والتي احتفظت للمسيحية بأوربا. ثم يسجل شهادته للحضارة الإسلامية، بعدما عرض لها عرضا، اعتبره هو ذاته عرضا موجزا، فيقول : "وبعد فإن القارئ العادي ستعتريه الدهشة من طول هذه الإلمامة بحضارة المسلمين، وسيأسف العالم الباحث لما يجده فيها من إيجاز غير خليق بها . إن عصور التاريخ الذهبية، دون غيرها هي التي أنجب فيها المجتمع - في مثل هذا الزمن القصير - ذلك العدد من الرجال الذين ذاع صيتهم في الحكم، والتعليم، والآداب، واللغة، والجغرافية، والتاريخ، والرياضة،والفلك، والكيمياء، والفلسفة، والطب، كما أنجب الإسلام في الأربعة قرون الفاصلة بين هارون الرشيد وابن رشد . وقد استمد بعض هذا النشاط المتلألئ مادته من تراث اليونان، ولكن الكثير منه، وبخاصة في الحكم والشعر والفن كان نشاطا مبتكرا لا تقدر قيمته. ولقد كانت هذه الذروة من نهضة الإسلام- من بعض نواحيها- تحريرا للشرق الأدنى من سيطرة اليونان العلمية". ويضيف ما يوجب على الباحث المحايد من إنصاف للحضارة الإسلامية التي أعطت الإنسانية الكثير، حتى وإن كان لا ينتمي إليها : "وكما أن الناس أعضاء في مجتمع، والأجيال لحظات في تسلسل الأسر، فإن الحضارات وحدات في كل أكبر منها وأعظم أسمه التاريخ، فهى مراحل في حياة الإنسانية . إن الحضارة متعددة الأصول، وهى نتاج تعاوني لكثير من الشعوب والطبقات، والأديان . . وليس في وسع من يدرس تاريخها أن يتعصب لشعب أو لعقيدة . ومن أجل هذا فإن العالم – وإن كان مواطنا في بلده يحبه، لما يربطه به من صلات وثيقة- يحس أيضا بأنه مواطن في بلد العقل، الذي لا يعرف عداوات ولا حددوا. وهو لا يكاد يكون خليقا باسمه إذا ما حمل معه في أثناء دراسته أهواء سياسية، أو نزعات عنصرية، أو عداوات دينية، وهو يقدم لكل شعب حمل مشعل الحضارة واغني تراثها شكره وإجلاله ". لم تكن شهادة "ديورانت" للحضارة الإسلامية جديدة . فلم تظهر –مثلا- هذه الأيام، وإنما كنبت في القرن الماضي، لكن إعادة قراءتها في الوقت الحاضر ضرورية. فعلى الذين ينعتون الإسلام بالعنف والقهر أن يرجعوا لها. وعلى المسلمين أن يضعوا نصب أعينهم أن إعجاب عالم كـ "ديورانت" بهذه الحضارة كان نتيجة لما تحلى به صانعوها من أخلاق كريمة صبغت شئون حياتهم.  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق