]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هند ... تلك عقدة الذنب . ( الحلقة الثانية )

بواسطة: تاجموعتي نورالدين  |  بتاريخ: 2012-06-09 ، الوقت: 11:24:48
  • تقييم المقالة:

 

  

هند .. تلك عقدة الذنب ( الحلقة الثانية ) بقلم تاج نورالدين 

 

 

بهذه الكلمات الصادقة أخذ يونس كف أمه إلى خده وراح يعترف لها بما جرى قائلاً :

-عندما كنت عائدا من دار النشر لم أكن أتوقع في منعرج احد الأزقة أن ادهس بسيارتي صبية في عمر الزهور

بين الرابعة أو الخامسة من عمرها حيث أصابني ارتباك غريب فلذتُ هاربا بين الأزقة مرة عن اليمين

ومرة عن اليسار.. وأنا أفكر في اللجوء إلى الشرطة استيقنتُ أن عقدة التامين توقف جريان سريانها

منذ أيام قد خلت ..فرجعت أدراجي إلى البيت خائفا مذعورا وقد هالني منظر الصبية وهي تلوح بيدها

كأنها تتوسل إلي كي لا أدوسها لكن القدر كان أقوى مني ومنها..وكان أسرع مني ومنها .

الحاجة فاطمة وهي تضع يدها على رأسها قائلة :

- يا للمصيبة .. يا للفاجعة ..  والطفلة ما مصيرها؟  هل أصابها مكروه كبير..

أتمنى لو تكون على قيد الحياة.. ماذا تقول صبيّة في عمر الزهور؟

يونس :

لا أظن ذلك يا أمي فمن شدة الصدمة رأيت جثتها وقد تلاشت لعدة أمتار.

الحاجة فاطمة :

يا للمصيبة .. يا للفاجعة .. وكيف سنواجه الأمر يا ولدي .. أليس من الحق والمروءة أن نجالس أهل

الضحية ونرضيهم  بتقديم أيّ تعويض أو دية وبالمقابل نحصل على تنازل منهم ؛ قد يعفيك من المساءلة .

يونس :

هو ما أفكر فيه حاليا يا أمي..   لكني أخاف لو تعثّرت مبادرتي الآن معهم .. فاني سأواجه عواقب وخيمة

وخصوصا أن دم الضحية لم يجف بعد .

الحاجة فاطمة

ولكن قد يدلهم أحد الأشخاص على أرقام لوحة السيارة فيزيد الطين بلة ..  وتكون المساءلة أصعب .

يونس :

-  اطمئني يا أمي .. ساعة الحادثة .. كان الزقاق خاليا إلا من عجوز أظنها جدة الصبية كانت تريد قطع

الطريق إلا أن الضحية سبقتها بدون مبالاة .. فكانت الطامة .

الحاجة فاطمة وقد أجهشت بالبكاء :

-  كل أملي أن يتفهم أولياء الضحية أن الحادث كان قدرا مُقدّرا.. وان تعمل ما في وسعك على إرضائهم

ودعائي لهم بالصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون ..قم يا ولدي  وتوضأ ؟ واحتسب أمرك لله

واصبر فإن الله مع الصابرين .

في هذه الآونة  يقوم يونس إلى غرفته وقد بدا عليه  إعياء وإرهاق  شديدين .. بعد أن اعتذر لأمه  عن

تناول  وجبة العشاء معها ؛كما طلب منها أن تتصل بسميرة  هاتفيا لكي تضاعف من مجهودها في العمل

بالمكتبة لأنه سيتعذر عليه الحضور إلى المحل قبل يوم أو يومين .

كانت الليلة الأولى أشد وطئا على يونس حيث اختلط السهاد بالأرق ولم يعرف للنوم سبيلا.. وكيف يتم

له ذالك ؟ و طيف الصغيرة يلاحقه وهي تلوح بيديها.. ثم يقوم من فراشه وهو يستحضر  بمنطق الخيال

 نطق المحكمة بأقصى العقوبة عليه ..ثم يتمدد منهكا وهو يستحضر كيف سيضيع كل شيء من يده

تضيع منه المكتبة مورد لقمة العيش ..تضيع منه عروس أحلامه وقد كان قاب قوسين أو أدنى لإبداء رأيها

في موضوع الزواج به ..ثم يستدير جنبا محاولا إبداء نوع من المقاومة مستلهما تركيزه على الأيام القادمة

للخروج بخطة عقلانية ترضي أهل البنت وبالتالي يتفادى كل مكروه وكل مساءلة يمكن أن  تعكر  كل منشود

وتعقد كل ما هو مستحب أو مطلوب .

أما الليلة الثانية فقد تميزت عن سابقتها بكونها عرفت دخول عنصر جديد وخطير على مجريات ذلك

الصراع الداخلي الذي أصبح واقعا مريرا يؤجج من نفسية  يونس ويزيدها ضغطا على ضغط ..ولم  يكن

هذا  العنصر المتمرس  و الوافد   الجديد   سوى (عقدة الذنب )التي باتت ترسم حدودها في سياج

محكم التأويل بين ما هو معقول واللامعقول؛ وفي صراع نفسي تتحكم فيه ازدواجية المدارك والمعايير..

فيأتي الضمير فرعا ثانويّا  فقط  في منظومة حب الذات .. ويأتي تقديم المصالح أولوية لدرئ المخاطر..

ويأتي الاعتراف المعنوي كفضيلة و كملحق للهروب من واقع المساءلة مهما كانت التبريرات ..ثمّ يأتي

الثبات على المبدأ.. متغيرا من متغيرات تفسير المنطق .. لكن أي منطق هذا ؟ وايّ ثبات على المبدإ هذا ؟

نعم هي ( عقدة الذنب )عنوان الليلة الثانية بامتياز وإن كان يونس بين الفينة والأخرى ومن خلال حواره

الداخلي يحاول جاهدا طرد شبح هذه العقدة بقوله "

سأكفر عن ذنبي .. سأنتصر لروح ضحيتي .

ولكن تعود الأسئلة لتحاصره من جديد من قبيل كيف؟ ومتى؟ ليعود إلى المربع الأول من هذا الصراع

الخطير صراع عقدة الذنب .

أما الحاجة فاطمة فسواء في الليلة الأولى أو الثانية فكان الدعاء لابنها؛ لا يفارقها وكم كان يصعب عليها ..

أن ترى يونس في هذا الوضع العصيب وكانت لا تستسلم للنوم إلا وهي تنادي "

-  اللهم ألطف .. فيما جرت به المقادير..

اللهم لا نسألك رد القضاء.. ولكن نسألك اللطف فيه..

-  اللهم آمين .. اللهم أمين .. اللهم آمين .

 

هند .. تلك عقدة الدنب : يتبع مع تاج نورالدين

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق