]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تجربة رئيس بلدية

بواسطة: حفيظ بومحروق  |  بتاريخ: 2011-07-06 ، الوقت: 22:53:36
  • تقييم المقالة:

 

إن مروري على البلدية يعتبر تجربة فريدة من نوعها إذ تعتبر بالنسبة إلي مدرسة سياسية و إدارية لا يمكن مقارنتها أبدا بالمدارس الأخرى، ففضلا عن كونها مكانا للتسيير فهي أيضا منارة لترشيد التعامل مع الناس و حسن التصرف معهم و الصبر عليهم و حب الخير لهم.

 

تعتبر البلدية أهم حلقة في الجماعات المحلية، و خلية أساسية للدولة من حيث دورها الريادي في ترسيخ أسس الدولة لدى عموم الشعب بما يقوي الثقة بين الحاكم و المحكوم، و يؤسّس لتنمية محلية مستدامة. و  تمثل العمود الفقري للعلاقة بين الدولة و المواطن و خاصة ما تعلق بكونها فضاء للاستجابة لتطلعات المواطنين و مطالبهم المشروعة في حياتهم اليومية.

و  تزداد الأهمية أكثر لمّا نعلم أن جميع برامج الدولة و مشاريعها في مختلف قطاعات النشاط لها إسقاطات على المستوى المحلي تتجسد على أرض الواقع لتنعكس، إيجابا، على معيشة المواطن و  تحسن من إطار حياته.

إذن بصورة واضحة، يمكن القول أن البلدية، كحلقة في سلسلة، هي الأهم من حيث الدور و  الأهمية و  الغاية، و نجاح الدولة، بصفة عامة، يبقى مرهون بمدى نجاح هذه الجماعة المحلية القاعدية في تأدية مهامها النبيلة، و حسن تمثيل الدولة و رموزها و تمكّنها من كسب ثقة المواطن التي تعتبر من التحديات الراهنة الواجب رفعها، لما لها من دور بارز في الحفاظ على السلم الاجتماعي.

و  تنصهر إرادة الدولة و إرادة المجتمع لتخلق من البلدية المكان الأنسب لتوحيد الطاقات و  الفعاليات لبناء البلد على المستوى المحلي و  السير به نحو التقدم و  التطوّر و  الرفاه. و  من علامات ذلك؛ الانتخابات المحلية التي تعطي الفرصة للشعب لاختيار ممثليه بكل حرية وديمقراطية، ينوبون عنه في العمل على رفع الغبن، و  تكريس العدالة، و  الدفع بعجلة التنمية وفق إستراتيجية واضحة المعالم، و تفهّم حقيقي لمشكلات الناس و مطالبهم المشروعة.

إن تجربتي الشخصية على رأس البلدية، و تحضيري لمدة خمس سنوات كاملة لكسب رهان الانتخابات المحلية البلدية لأكتوبر 2002 للفوز برئاستها، و من ثم تسيير شؤونها و قيادتها نحو التنمية الشاملة، و تقديم إضافات إيجابية لتساهم في تحسين الوضع المحلي بكل تشعباته، تحتاج إلى تثمين و إخراج إلى الضوء حتى تساهم في ترقية النظرة إلى المسؤولية المحلية، و تؤسس إلى بادرة تركز على العمل كقيمة كبيرة و كمصدر وحيد للثروة.

إن منصب رئيس البلدية، و  بالرغم من نقائص القانون الحالي، له من الأهمية الكبيرة ما يحتم على كل مترشح له أن يتزود بمجموعة من الصفات لكي يتمكن من النجاح في هذه المهمة النبيلة، خصوصا في ظل المشاكل التي يعاني منها المجتمع و الاختلالات الحاصلة فيه، بما يجعل من محاولة التغيير ضريبة يجب دفعها. و  لكن يجب أن نعلم كذلك، أنه كلّما كان الصبر على المكاره كلّما تحقق العون و النجاح لإحداث الوثبة الإيجابية المرجوّة.

و تجربتي المتواضعة لم تكن من فراغ، بل كانت نتيجة عمل تحضيري طويل الأمد سبق العملية الانتخابية برمّتها، و امتد على مدار خمس سنوات كاملة، كرّست فيها كل وقتي و جهدي و مالي للعمل من أجل بلوغ هذا المنصب لأنني، ببساطة، كانت و مازالت لدي أفكارا في التغيير و في إحداث الإقلاع التنموي المطلوب لم تكن ممكنة التحقيق إلاّ عن طريق هذا المنصب الذي أعتبره مهما جدّا. فالدور الذي يلعبه رئيس البلدية، كشخصية محلية حصلت على الإجماع من قبل المواطنين، هو دور طلائعي و رائد في الدولة و المجتمع، في كل ما له علاقة و ما يتصل بهما من مصالح متشعبة و مشروعة و ذات تأثير مباشر على حياة الناس.

إن قناعتي كبيرة بأن الممارسة السياسية في البلد لن تستقيم ما لم تهتم طبقتنا السياسية بالجماعات المحلية كمحاضن حقيقية لتخريج رجال الغد، من حيث كونها أفضل الأمكنة لممارسة التسيير و  القيادة. إن القفز على هذه الحقيقة و اعتبارها هامشية، هو تكريس لوضع قائم سلبي، و مساهمة في إدامة الوضع على ما هو عليه، و هو ما يتنافى و دور الطبقة السياسية الطلائعي المفترض في تغيير الأوضاع نحو الأحسن. إن من أهم الأدوار التي على الطبقة السياسية أن تلعبها و باقتدار ، هي خلق تقاليد جديدة في الممارسة و العمل على غرس أفكار جديدة في الضمير الجمعي للمجتمع بما يؤهله لاحتضانها و السير على هداها ناشدا التطور و النمو.

أردت من خلال هذه الأفكار أن أبرز أن قيادة جماعة محلية يستدعي وجود شخصية قوية من الجانب النفسي والاجتماعي، و تتميز بقدرات عقلية تساهم في التعاطي بإيجابية مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الشائك، و  العقليات المختلفة لجموع المواطنين. و فضلا عن ذلك، فإن بلوغ هذا المنصب يستدعي بذل الجهد الفكري اللازم، و العطاء على المستوى الاجتماعي. و لا يتأتى ذلك، إلاّ بالبحث و  الدراسة لجملة من القوانين و المراسيم و التنظيمات المسيّرة لعمل الجماعة المحلية المتمثلة في البلدية، و المحيط القانوني لكل ما يمت بصلة بها، و التوغل في أعماق المجتمع لحث فئاته المختلفة على التغيير الإيجابي عن طريق الانتخابات، و محاولة إقناع الناس بالأفكار و البرامج التي نتبناها، ليس فقط خلال الحملة الانتخابية، و إنما، و هذا هو المهم، خلال العهدة الانتخابية كلها، حتى لا نعطي الانطباع للناس، و حتى لا نغرس في الضمير الجمعي، بأن القيادة المحلية للجماعة المحلية تشريف يتسابق إليه من هبّ ودبّ خلال مرحلة عرض الأفكار خلال الحملات الانتخابية. إنه من الأهمية بمكان، أن نجعل الناس يفهمون أن الحكم المحلي مقدّس، و أن خدمة الناس لا يصلح لها إلاّ أصحاب الكفاءات و ذوي النفوس الشامخة المتعالية عن سفاسف الأمور، لأن ذوي النفوس الصغيرة لا تزيدهم المناصب إلاّ قدرة على عدم العمل، و طاقة على التنصل من الإلتزامات و التعهدات التي قطعوها على أنفسهم أثناء الحملات الانتخابية، و علينا أن نجعلهم يعلمون، كذلك، أنه في ظل المشاكل الاجتماعية فإن من يتقدمون لقيادتهم عليهم أن يتحلوا بالصبر على المكاره، و كلما كان الصبر على المكاره، كلما تحقق العون و  النجاح لتحقيق الوثبة التنموية الشاملة المنشودة.

و بذلك، فإن أسباب النجاح الانتخابية قد اجتمعت، و بأن الطريق أصبح ممهدا للفوز بتلك الانتخابات المحلية في العاشر من أكتوبر 2002، و لم يكن ذلك بالصدفة أبدا. إنني أرى النجاح، بعد جهد كهذا، نتيجة منطقية للاعتماد على معايير موضوعية، و ذاتية لا غبار عليها.

لقد كان نجاحنا في تلك الانتخابات بمثابة بعث دم جديد في عروق الإدارة البلدية المحلية، أو هكذا كنا نراها على الأقل، و قد لمس فخامة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة شغاف قلبي ذات يوم من شهر ماي سنة 2000  في اجتماعه بولاة الجمهورية حينما قال: « إن خروج الجزائر بصورة نهائية من الأزمة يتوقف على قدرتنا على تحرير المؤسسات والإدارات العمومية من الممارسة المضرّة التي تنخر جسد المجتمع و تشوهه، و  على قدرتنا على بعث الحيوية فيها من أجل خدمة التنمية والتقدم الاجتماعي، و على قدرتنا على أن نعيد لأبناء الجزائر الثقة في قيم الجهد والعدل و التضامن، هذه القيم يجب على الدولة أن تجسّدها و تدافع عنها بلا هوادة عبر نشاط جميع ممثليها. إنها إدارة غير موصولة العرى بالمواطنين و بالأوضاع الحقيقية الملموسة، و غير مبالية برغبات الناس الذين تشرف عليهم و لا بحاجاتهم، إدارة عملت على تكوين منطق خاص بها يعاكس تماما غايتها المتمثلة في خدمة الصالح العام».

لقد وضع الرئيس الأصبع على الجرح، وكان لزاما أن أعمل على بعث دم جديد في عروق الإدارة البلدية المحلية من خلال العمل على تحريرها من الممارسات المضرة، و  بعث الحيوية فيها من أجل خدمة التنمية، و  التقدم الاجتماعي، و إعادة الثقة للناس في قيم الجهد و العدل و التضامن، و العمل بلا هوادة على تجسد هذه القيم عبر نشاطاتنا في الميدان.

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق