]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

فرتونة السوداء ودجاجها المسروق!

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-06-06 ، الوقت: 21:31:05
  • تقييم المقالة:

فرتونة السوداء ودجاجها المسروق!

 

 

   

 

         

 

 

محمد الحداد العراق
 فرتونة امرأةٌ سوداء..عجوزٌ من أهلِ الجيزةِ بمصرَ لم أرها أبداً في حياتي.. لكنها رغم بُعدِ المسافاتِ واختلافِ الزمن عالقة في ذاكرتي منذ سنواتِ صَبواتي الأولى حينما قرأتُ لأولِ مرةٍ حكايتها التي لا تخلو من الطرافةِ والعبرةِ معاً..
إذ تروي كتبُ التاريخِ والسِّيَر أنها بعثتْ بكتابٍ إلى الخليفةِ عمر بن عبد العزيز تعرضُ لهُ فيهِ مَظلمة أصابتها.. ولَعَلي أقرأُ هنا تساؤلا في عيون البعض يقول: ما السبب الذي جعلَ هذهِ العجوز تعلقُ في بالكَ كلّ تلكَ السنواتِ الطويلة؟ فإليكم حكايتها..
كان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد ابتكرَ نظاماً رائعاً للبريد يُرسِلُ إليهِ الرعية بموجبهِ شكاواهم ومظالمهم من كلِّ بلادِ المسلمين وأمصارها الواسعة.. تبدأ حكاية فرتونة السوداء بكتابٍ رفعتهُ إلى الخليفةِ في هذا البريد الذاهب من مصرَ إلى الشام.. ربما كان كتاباً يشبهُ الآلافَ من كتبٍ مماثلة تصلُ الخليفة من رعيتهِ فيقرؤها بنفسهِ.. لكن ربما غرابة كتاب فرتونة وطرافته أعطياهُ مبرراً قوياً للخلود.. إذ سجّلتهُ أقلامُ الرواةِ وتناقلتهُ كتبُ التاريخِ والسِّيَرِ والتراجم..كتبتْ فرتونة تشكو إلى الخليفةِ أنَّ لها حائطاً قصيراً وأنَّ لصوصاً يتسورونهُ فيسرقونَ دَجاجها وأنها لا تملكُ ما تصلحُ به هذا الحائط! تصلُ الرسالة إلى الخليفةِ في الشام فيكتبُ على وجهِ السرعةِ كتابين.. الأول إلى واليهِ على مصرَ أيوب بن شرحبيل يُخبرهُ فيهِ بشكوى فرتونة ثم يأمرهُ في ختامهِ بقولهِ: فإذا جاءكَ كتابي هذا فاركبْ بنفسكَ وحصِّنهُ لها.. أما الكتابُ الآخر فكتبهُ الخليفة لفرتونة نفسها مطمئناً إياها وفيه: فقد بلغني كتابكِ وما ذكرتِ فيهِ من قِصَرِ حائطكِ حيث يُقتحمُ عليكِ ويُسرقُ دَجاجكِ وقد كتبتُ إلى أيوب بن شرحبيل آمرهُ أن يبنيَ لكِ الحائطَ حتى يُحصِّنهُ مما تخافين إن شاء الله.. العجيبُ والمثيرُ معاً أنَّ كتابَ الخليفةِ ما كاد يَصِلُ واليَ مصرَ حتى قامَ الأخيرُ كالمفزوعِ وركبَ بنفسهِ فعلاً حتى وصلَ الجيزة وظلَّ يسألُ عن فرتونة حتى وجدها فإذا هي سوداء مسكينة فأعلى لها حائطها! إلى هنا تنتهي حكاية فرتونة السوداء وحائطها ودجاجها المسروق.. حكاية أجدُ أنَّ كلَّ ما فيها يدعو للعجبِ والدهشة.. لكنها وإنْ بدتْ لنا اليوم عجيبة فلم تكن كذلك أبداً في ذلكِ الزمن البعيد.. مع أنَّ منطقَ الحياةِ وأسبابَ تطورها يقتضي العكس.. وربما هذا ما يدعو لعجبٍ آخر!.
لنتأملَ الآن ما الذي تمنحهُ لنا الحكاية على قِصَرِها من دروسٍ نفيسةٍ لا تخفى على كلِّ ذي لبٍّ سنأخذها من أقطابِ الحكاية أنفسهم.. أولُ تلك الدروسِ نستقيها مباشرة من مُعلمِ الحكايةِ الأول.. الخليفة بن عبد العزيز.. لِيُعلّمنا فيهِ أنَّ إحقاقَ الحقِّ وإعادة ميزان العدلِ إلى نصابهِ المستقيم تطلبَ خطوتينِ لإتمامهِ لا خطوة واحدة.. أما الأولى فإلى المقصرين ذوي العلاقةِ والشأنِ بشكلٍ مباشر بصفتهم الشخصية والوظيفية لإصلاحِ ما وقع من ظلمٍ أو تقصيرٍ ضمن حدود مسؤولياتهم.. وأما الخطوة الثانية وهي الأهم فلصاحبةِ الشكوى لتطمأنَ نفسُها بوصولِ رسالتها وسماعِ تظلمها.. الدرسُ الثاني سنأخذهُ من والي مصر..
في تلقفهِ أمرَ الخليفةِ بحسٍّ إنسانيٍّ راقٍ وتحملهِ المسؤولية بشكلٍ مباشر وهو الذي كان بمقدورهِ أنْ ينتقيَ خياراتٍ أخرى أيسر لهُ لكنهُ آثر إلا أنْ يتجشمَ عناءَ السفرِ ويخوضَ وعثائهِ بنفسهِ إلى الجيزةِ ويضنيهِ البحث حتى تسنى لهُ أخيراً أنْ يجدَ العجوز ويتولى أمرَ بناءِ حائطها بشكلٍّ فوريٍّ ومباشر..
 أما بطلة الحكاية.. فرتونة فستعطينا بنفسها درساً رائعاً في الثقةِ واليقينِ والصبر..
لنأخذَ عنها اطمئنانها العالي إلى حاكمٍ إذا طلبتهُ وجدتهُ قريباً منها رغم ما بينهما من تباعدٍ في الديار.. ولنسأل.. من أينَ لعجوزٍ مسكينةٍ مثلها كل ذلك اليقينِ المُطلق الذي جعلها تعوّلُ على عدلٍ بعيدٍ سيقطعُ لها المسافاتِ ويُذللُ لها الصعابَ من أجلِ أن يُعيدَ لها حقاً سُلِبَ منها ويهبها حياة آمنة تليقُ بها؟ كأنها عرفتْ مُسبقاً أنَّ في ذلكَ استحقاقاً لها لا مِنَة فيهِ عليها لأحد... نحن لا نعرف كم من الوقتِ والجهدِ تطلبَ اكتمال بناء جدارها المهدم من جديد منذ أنْ أرسلتْ كتابها حتى أمِنتْ تماماً على دَجاجها المسروق من اللصوص، فالروايات لا تذكرُ لنا ذلك..لكن أنظروا باحترامٍ إلى تلك الثقةِ العاليةِ التي تشرَبتْ كيانَ تلكَ العجوز إلى الحدِّ الذي جعلها تجزمُ رغم طول الزمنِ وبُعد المسافاتِ باسترجاعِ حقها الضائع دون حاجةٍ إلى تزلفٍ منها أو تذللٍ حتى إلى الخليفةِ ذاتهِ الذي أرسلتْ إليهِ بكتابها تستصرخهُ لنجدتها.. لكن كيف لها ألا تثق بعدلِ حاكمٍ كان يأمرُ بنثرِ القمحِ على رؤوسِ الجبالِ لكي لا يقال جاعَ طيرٌ في بلادِ المسلمين؟كيف لها ألا تأملَ خيراً من حاكمٍ حصّنَ أسوارَ دولتهِ المتراميةِ الأطراف بالعدلِ وحده..فرتعت الذئابُ مع الشياهِ في مرعىً واحد.. فلما أكلَ ذئبٌ إحدى الشياه عرفَ الرعية حينها أنَّ حاكمَهم هذا قد مات من فوره!.
حكاية فرتونةٍ هذهِ على بساطةِ أحداثها أرَّختْ لعصرٍ ذهبيٍّ كان حافلاً  بقصصِ عدلٍ إسطوريٍّ تواترَ نقلها في كتبِ التاريخِ والسِّيَرِ رغم أنهُ عصرٌ لم يحجز لهُ على صفحاتِ الزمنِ أكثر من سنتينِ وخمسةِ أشهرٍ و بضعةِ أيام أحصتهُ لنا أصابعُ التاريخِ يوماً يوماً..
 ثم إنها أرَّختْ كذلك لحاكمٍ كان العدلُ شغلهُ الشاغل إذ شكّل لهُ هاجسَ تحدٍّ منذ أولِ لحظةٍ باغتتهُ الخلافة فيهِا على مذبحها القاتلِ بغيرِ سكين.. وظلَّ ذلكَ الهاجس يؤرقهُ ويأكلُ منهُ حتى صرعهُ أخيراً بموتٍ خطفهُ مبكراً.. حاكمٌ أرعبهُ شبحُ حُكمٍ لم يكن مستعداً لهُ وحُمِّلَ أثقالهُ على ظهرهِ الغض ففزعَ خوفاً من تقصيرٍ مع رعيةٍ قد يوقفونهُ يوماً ما للسؤالِ بين يديّ مَنْ أوكلهُ بأداءِ أمانة الحكمِ إنْ لم يؤدها كما ينبغي.... فقُلِبتْ حياتهُ كلها من بذخٍ وترفٍ وثراءٍ كانَ يرتعُ فيهِ إلى تقشفٍ وزُهدٍ مُدقعٍ وصلَ حدَّ كفافٍ ألبسهُ ثوباً واحداً ماتَ فيهِ بعد أنْ كان لا يلبسُ الثوبَ الواحدَ مرتين.. حاكمٌ أسكنهُ ورعهُ بيتاً من طينٍ يبيتُ فيهِ على حصيرٍ قاسٍ بعد أن كان يتقلبُ في قصورهِ متنعماً فيها كما يشاء..
 فهل لنا حقاً أنْ نستوعبَ الآن ما الذي أطمعَ فرتونة بعدلِ حاكمها لتُرسِلَ لهُ كتابها؟ وهل لنا أنْ نتساءلَ بعد كلِّ ذلك لِمَ كانتْ هذهِ الحكاية و شبيهاتها مَثاراً للعجبِ والدهشة؟.
حكاياتٌ كهذهِ تمتلئ بها صفحاتُ تاريخنا الطويل أسهبتْ في تقديم العدلِ ببذخٍ ظاهر لا بوصفهِ غاية عُليا حضَّتْ عليها جميعُ الأديانِ والأعرافِ فحسب إنما أيضاً بوصفهِ فضيلة راقية تليقُ بإنسانٍ كرَّمهُ الخالقُ فوجبَ على الحاكمِ أنْ يُكرمهُ كذلك..
إلا أنني أكادُ أنظرُ اليومَ إلى مَنْ سُفِحتْ آمالهُ وقُتلتْ روحهُ جرّاءَ ما ينالهُ من ظلمٍ يتجرعهُ ولا يكادُ يُسيغهُ يُشفقُ عليَّ مما أكابدُهُ لأبث الحياة لمُثُلٍ ومبادئ تبدو بعينيّ دهشتهِ كيوتيبيا قضى الزمانُ بموتها منذ دهورٍ دون أنْ تتركَ وراءها أيَّ أثر.. أكادُ أقرأ في عينيهِ اتهاماً بسقوطٍ ساذجٍ في شِراكِها الحالمة.... لكن ما ذنب حكاياتٍ وحوادث كهذهِ لمنْ يقرؤها اليومَ وسط ظلمٍ يُخيمُ بظلالهِ القاتمةِ فوق رؤوسٍ أوجعها قهرُ الحاكمين؟ بل ما ذنبنا نحن المبتلين دوماً بمنْ يعصِبُ عينيهِ مُتهماً إياها بالمبالغةِ أو الكذبِ ونحن نُبصرها بعينيّ وعينا التاريخي ضمن سياقها الزمني على الأقل تنتصبُ جلية كحقيقةٍ ترتدي ثوبَ بديهةٍ لا لبس فيها ولا غواش؟.
لكن مهلا.. كيف أصبح العدلُ بنظرِ هؤلاءِ جثة مفروغاً من موتها؟ ولِمَ باتَ في حُكمِ المؤكدِ أنَّ دولة العدلِ أصبحتْ محضَ كلماتٍ مَسطورةٍ في أوراقٍ باليةٍ تغفو في بطونِ كتبٍ قديمةٍ لا قيمة لها؟ أليسَ أمراً مُرعباً أنْ يَركنَ الناسُ إلى يأسٍ كهذا؟ أليسَ من المُعيبِ أيضاً أن تموتَ في النفوسِ أية ثقةٍ من رؤيةِ عدلٍ تستحقهُ إنسانيتهم المُعذبة حتى لو حَجبتْ سُحبُ ظلمٍ سوداء ذلك العدلُ عن أعينهم أو توارى خلفَ ضبابِ غدٍ جديدٍ قرُبَ ذلك الغدُ أم بَعُد؟
لكننا رغم ذلك نكادُ لا نلوم يائساً على يأسهِ أبداً، فكم من مسؤولٍ غير مسؤولٍ ذبحَ بإمضاءةٍ متهورةٍ من نصلِ قلمهِ القاطعِ رقبة حقٍ وسَفحَ بلحظةٍ دمهُ الأزرق على ورقةٍ وصلتْ إليهِ بشِقِّ الأنفُسِ فهمَّشَ عليها: إلى الأرشيف...
للحفظ... أو: اتخاذ ما يلزم (في أحسن الأحوال)؟! كم من فرتونةٍ... سوداءَ كانت أم بيضاءَ بَحَّ صوتها وهي تستنجدُ من دون أنْ يسمعها أحد كم من فرتونةٍ تشكو اليوم لصوصاً يتسورونَ جدارها ويسرقونَ منها كلَّ شيءٍ ولا من مُجيب؟.
لترجع شعوبنا اليوم إلى حكامها لتسألهم ذلك..بل لتسألهم قبلها: مَنْ منكم سمعَ أصلا بحكايةِ فرتونة السوداء هذه؟.
فليقولوا لهم: أيها الحكام..في بلادكم تهدَّمتْ جُدُرُنا من جديد و ماتتْ الطيورُ جوعاً بموتِ مَنْ كان ينثرُ القمحَ لها على رؤوسِ الجبال وأكلت الذئابُ شياهنا منذ زمنٍ بعيد.. فإذا لم تأبهوا لكلِّ ذلك فلأيِّ شيءٍ ستأبهون؟ قولوا لهم: إذن لمنْ ستبعثُ فرتونة بكتابها اليوم مستصرخة.... لِمَنْ؟

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد عكاش | 2012-06-07

    الأخ الفاضل محمد الحداد:

    تحية احترام وتقدير وبعد:

    سرني مقالك جداً، وأقول صادقاً : لقد أعجبني أسلوبك في الكتابة، فلقد حباك الله لغةً صافية، ونهجاً جميلا في التناول،.

    ومن غريب المصادفات أني كتبتُ منذ عهد بعيد مقالاً عن (عمر بن عبد العزيز) رضي الله عنه، ضمّنته قصة فرتونة هذه، ولكن .. شهادة حق واعتراف ... أن مقالي لا يرقى إلى سويّة مقالك، ولقد نشرته في هذا الموقع (مقالاتي)، تحت عنوان [ عمر بن عبد العزيز مدرسة الصالحين]، فإذا شئت اطلعت عليه ووافيتني برأيك فيه، لأني مُزمع أن أنشره - إن شاء الله تعالى في قابل من الأيام - ضمن مقالات أخرى تحمل عنوان (قصص من تاريخنا).

    أتمنى أن يكون هذا اللقاء السريع استهلال صداقة ..، وتقبلوا احترامي.

                                                                                                                    أحمد عكاش

    • محمد الحداد | 2012-08-05
      أخي أحمد عكاش..أعتذر لتأخري على الرد ..لكني أقسم بالله أنني لا أجيد التعامل مع المتطلبات الفنية لهذا الموقع(موقع مقالاتي) حتى أنني بالكاد أجيد إنزال مقالاتي فيهِ..وأجد صعوبة أكثر في الدخول إليه في كل مرة حتى أنني اضطررتُ أن أردَّ على إحدى تعليقات أختنا الراقية طيف إمرأة على صفحتها الشخصية لذات الأسباب التي ذكرتها لك..على العموم أشكر لك فيض مشاعركَ التي أجزلتَ في إغداقها على قلمي المتواضع ..وسرني إشارتكَ إلى تشابه ما كتبنا حول الخليفة عمر بن عبد العزيز في مقالتينا ولا شك أنَّ جهداً كبيراً بذلتهُ حضرتكَ في كتابتهِ مما أقف أمامهُ بكلِّ إجلالٍ واحترام وفقكَ الله لما تنوي فعلهُ من نشر تلك المقالة مع مقالاتٍ أخرى ضمن مشروعكَ القادم إن شاء الله ..وتشرفتُ حقيقة بصداقتكَ ولكَ فائق شكري واحترامي ..  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق