]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طالب

بواسطة: hajer  |  بتاريخ: 2012-06-03 ، الوقت: 11:29:09
  • تقييم المقالة:

 

 

إرفع رأسك

 

 

المرحلة الجامعية هي نقلة نوعية من محيط المعهد الثانوي إلى محيط أكثر رحابة و تنوعا، كما أنها نقلة نفسية سببها ابتعاد التلميذ عن أصدقاء طفولته و أساتذة عرفهم على امتداد سنوات و خاصة عائلته، فيبدأ حياة أقل ما يقال عنها أنها مرحلة النضج المادي و المعنوي.

 

ما يهابه كل شخص أو -عله يطمح إليه - هو استقلاله عن عائلته، فيبدأ باختيار تخصص في دراسته، و من هنا يبدأ ببناء مستقبل و أحلام فيختار جامعة أبعد ما تكون عن عائلته فيحزم حقائبه و كله أمل في مستقبل واعد. و ليس من الغريب أن يلحظ طالبنا الجديد تغيرا جذريا في حياته، فمنذ أن كان مدللا عند عائلته يجد نفسه فجأة ينام و يأكل و يدرس في غرفة صغير يشاطرها مع أشخاص لا يعرفهم، لكنه سرعان ما ينسى أرقه و معدته الفارغة عندما يذهب إلى جامعته المتناهية في الكبر لكي يبحث بين جموع الطلبة الغفير عن قاعة الدرس،  فيصاب بالذهول لأشكال زملائه من الطلبة و ملابسهم الغريبة، فيرى رجالا ذوي لحية أو شعر طويل و يرى فتيات ذوات شعر ملون أو لا يرى منهن شيئا سوى نقابهم، لكنه لا يأبه لقصر تنوراتهن أو لأقراط الطلبة فهو ماض في دربه إلى أن يتحصل على شهادته و يعمل عملا لائقا يعيل به عائلته التي تعاني من مصاعب مادية.

 

لعل مكتبة الجامعة صاخبة و تخلوا من الكتب التي يحتاجها لكن الطالب يبذل جهدا أثناء أوقات المراجعة لإرضاء ضميره و أساتذته و عائلته فيلتهم ما يملك من كتب متهرئة أو جديدة أثناء الغداء و بين الحصص الدراسية و حتى في أوقات عمله الوقتي، و بالرغم من أن ذلك لا يروق رب عمله لكن عيناه المتعبتان و وجهه الشاحب يجعل زملاءه يتغاضون عن كتبه المبعثرة و أوراقه الممزقة. كما ليس من الصعب على الطالب الجديد أن يصعد الحافلة المكتظة صباحا أو حتى بعد غروب الشمس لكي يصل إلى المبيت الجامعي أين يسكن مع زملائه، فقد أصبح معتادا على تأخرها أو عدم إيجاد مكان بين الجموع الغفيرة، لكن ما يزعجه  حقا هو عدم توفر أدنى معايير النظافة في المبيت الذي يعج بالروائح الغريبة و الأوساخ المكدسة، فيفضل الذهاب للاتصال بعائلته القلقة بما بقي معه من مال فيقول لهم بصوت شبه مسموع :" لا تقلقوا، أنا بخير".

 

بعد ثلاث سنوات و هو على هذه الحال أصبح طالبنا جزءا لا يتجزأ من الحياة الجامعية فأصبحت لديه مناعة مما يقدمه المطعم الجامعي من طعام رديء و لم يعد يزعجه تلكؤ إدارة الجامعة في منحه شهادة نجاح السنة الماضية، حتى إن المظاهرات الطلابية المطالبة بالمنحة الجامعية أصبحت من الأحداث اليومية، أما  ما يشعر به من تعب سينتهي – حسب تصوره-  يوم يتسلم شهادة تخرجه، مع أن ذلك اليوم يبدو بعيدا.

 

قد يسقط الطالب في مادة أو مادتين سواء بسبب حصول خطئ في تسجيل الأعداد أو بسبب مرض أصابه قبل يوم الإمتحان ما يجعله يعيد كامل سنته الدراسية فيضطر للعمل سنة أخرى في أحد المغازاة كعامل  وقتي، لكن ذلك لا يثبط من عزيمته فيدرس و يستجدي أستاذه و يصلح أخطاء كشوف الأعداد و كله أمل في أن يتحصل على العدد الكافي الذي يخوله للتخرج.

 

و يوم يودع الطالب الجامعة التي أمضى فيها ثلاث سنوات بعيدا عن قريته هو اليوم الذي ينتظره كل أفراد العائلة فيأتي الأقارب و الجيران ليهنئوا والدته على تحصيل إبنها العلمي فيتنبئوا له بمستقبل زاهر بعيدا عن حياة الحرمان و الخصاصة فيشحنوا عزيمته لإيجاد عمل يليق بشهادته الجامعية فينهض  كل صباح إستعدادا لمقابلات العمل و تغدق عليه أمه بدعائها المعتاد.

 

قد تكون خبرته القليلة هي التي أوقعت خريج الجامعة الحديث في أخطاء حالت بينه و بين الحصول على العمل، لكن مع مرور الوقت فإن جلّ ما يسمعه من أصحاب الشركات هو" أنت لا تملك الخبرة المطلوبة" ، فيجيب  الشاب بكل سذاجة :" لكني أمضيت سنوات في الدراسة و لم أجد الوقت الكافي للعمل في هذا المجال؟" فتكون الإجابة الأخيرة التي يسمعها:" ربي معاك" ...

 

و بعد عشرات مقابلات العمل يبدأ بترتيب الأمور: هل كان عليه الدراسة و العمل في الآن ذاته أم من المفترض أن يعمل قبل الدراسة؟ لكن كيف سيحصل على الخبرة اللازمة إن رفض الجميع تشغيله؟ أم يتوجب عليه أن يزيد عدد سنوات الدراسة لكي يتم قبوله بدون شروط؟

 

و بعد أشهر أو سنوات من التخبط في منزل الأهل لا يجد خريج الجامعة، الذي كان في وقت ما طموحا ، إلا أن يعمل في أول عمل تقع عليه يداه ، فيجهز نفسه و هو واثق من أنه سيحصل على العمل البسيط هذه المرة، لكنه يشعر بالذهول للإجابة التي يسمعها:" ليس بوسعنا دفع أجر يوازي شهادتك العلمية فالبلاد تمر بأزمة إقتصادية  " لكنه هذه المرة لا يجيب فيكتفي بابتسامة يائسة.

 

لقد انتظر خريجو الجامعات تحسن الأوضاع الأمنية في البلاد للحصول على عمل علّ أصحاب المشاريع يتراجعون عن فكرة "طلب الخبرة" عند عملية الإنتداب و يكونوا مستعدين لتأطير موظفيهم الجدد سواء على نفقتهم أو على نفقة الدولة أو علهم يقبلون في المناظرات العمومية لاستيفائهم الشروط .لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو : لو أنهم تحصلوا على تكوين عملي بالتوازي مع تكوينهم الأكاديمي فلن يجدوا صعوبة في الإندماج في الحياة المهنية الأمر الذي يمكنهم من اقتحام المرحلة الجديدة و هم يملكوا الكفاءة المهنية، و هي مرحلة  قد ظنوا بعد حصولهم على شهادة الباكالوريا أنها لن تطول لكنهم قادرون على المواصلة في البحث عن مستقبلهم.

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق