]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الوعي والثورة

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-06-03 ، الوقت: 09:32:17
  • تقييم المقالة:

 

الوعي كشرط لنجاح الثورة

فتحي العكرمي*

1- هل نملك ما يكفي من الوعي؟  تتمثّل الميزة الجوهريّة للإنسان في القدرة على الوعي بما يحيط به من وضعيات متعددة : اقتصاديّة ،اجتماعية،إعلامية، كونيّة والمحكومة كلّها بحسابات سياسية تبدأ حزبيّة ضيّقة داخل الوطن الواحد لتنتهي أمريكيّة " فنحن نتنفّس الولايات المتّحدة كما نتنفّس الهواء" ، فهذا التّداخل بين كلّ الأبعاد والبلدان والأحزاب والمصالح والمنافع يتطلّب وعيا حادّا يمكّن من فهم المسار المابعد ثوري ومصيره .

إذا أخذنا الوعي في دلالته الايجابيّة فهو يعني " فهِم وقبِل " وفلان أوعى من فلان أي أفهَم ، وفي معناه المناقض فهو : الجَلَبَة والأصوات الشّديدة .

إنّ تثوير الواقع العربي هو نتاج إدراك مايحيط بالمواطن  من ظُلم وقهر واستبداد وتفقير صادرة عن ثقافة عربية استبداديّة تجعل المواطن العربي محروما من جَنّة الدّنيا ومطرودا من جنّة الآخرة فلا هو يمتلك القدرة على التعبّد ولا هو يطال الدّرجة الدّنيا من الحياة فيتحوّل إلى عبد يعبد " الإله الفاني " أي الحاكم الدّنيوي الذي يعطيه النَّفَس والنّفْس على قَدر خضوعه الكامل له . فإدراك التناقض بين من يمتلك كلّ أدوات الإخضاع والتسلّط والجاه والمال والوطن كلّه بما يحويه وبين من لا يملك سوى الخضوع يشترط توفّر ثقافة مُغايرة لما كان سائدا وذلك يتطلّب وقتا وجهدا وهو ما يتجسّد في إرباكات ما بعد الثّورة . فالثّقافة في معنى ما هي حِذق الشيء وسرعة التعلّم وفي المّقابل هي الخِصام.

2- الراهن المابعد ثوري أو الجَلَبَة والخِصام : أن يكون الفهم صراعا فذلك يحيل على علاقة عدائيّة بين أحزاب عاقرة لم تنجب ثورة لكنّها تبنّتها وأعطتها حَسبَها ونَسَبها وأخذتها إلى بيت الطّاعة وأهدت للمواطن يُتما بعنوان جديد . يتجسّد هذا الصّراع في عقل حِسابيّ هو ميزة كلّ ممارس للسّياسة يريد تجميع أنصار هم ذاتهم لن يقطفوا سوى أكياس الوهم. فالسّياسة هي " ساس الرّعيّة أي أحسن رعايتها " غير أنّ الرّعيّة أضحت رعاعا يرعى فيها الحاكم ليحصد الغنائم ويرعى بها لأنّها عاجزة بذاتها عن السّلوك الحسن والتّفكير المعقول . فالوعي السياسي في معناه العربيّ السّلبيّ يفهم المواطن على أنّه قاصر وعاجز تتطلّب قيادته شخصا أو حزبا يتميّز بقدرته على بيع الأوهام وتزييف الحقائق وتوزيع الوعود بالإعلام وبالخطابة وبالخُطب وبالايدولوجيا ، فالحاكم يفكّر ويحلم ويأمل ويترأّس عوضا عن المواطن الذي لم يبلغ " سِنّ الرُّشد السياسي " والاجتماعي والاقتصادي لذلك فقََدَره أن يظلّ دائما يتدرّب ويتعلّم ويحفظ ويُسلّم بما يقوله الحاكمون ، وبهكذا تبرير يصنع السّاسة  عَرشا أبديّا ( العَرش هو سرير الملِك وسقف البيت –الدّولة) لا يمكن أن يوجد أفضل منه فهو مأمن الجميع وموطن العدالة وواهب الحرّية . فوعي المواطن بهذا " الكذب الذي تميد منه المنابر والعروش" هو الذي أيقظه من سُبات دام لقرون ونتج عنه تشريد العقول العربية الكبيرة إلى خارج أوطانها وسجن المعارضين واستبعاد كل من يُخالف الحاكم. فكما أدرك المواطن أنّ سنوات الاستبداد لا يجب أن تتواصل إلى ما لا نهاية، فانه على الفاعلين في السّاحة السّياسية الوعي بأنّ الثقافة الجديدة التي بدأت في التشكّل لم تعد تقبل التّسلّط مهما كان مأتاه إذ وعى الإنسان بأنّ كل مُفردات التبرير والوهم والكذب والتزييف أصبحت مفهومة ، فلا وجود لعروش إلاّ للتضليل ولا بقاء لحاكم إلاّ لمصالح مفرطة في الأنانية وليس ثمّة سوى ثقافة سلبية واحدة وهي النّظر إلى المواطن على أنّه آلة لاتعي عاجزة عن التفكير وعن التّعبير ،غير أنّ الواقع الرّاهن برهن على العكس .

3- الرّهانات المابعد ثوريّة أو الثقافة الجديدة : كشفت الانتخابات مابعد الثورة على تكوّن وعي جديد يتمثّل في توفر مساحة من الحرية يستطيع من خلالها النّاخب اختيار السُّلطة التي يرى فيها الأقدر على تحقيق مطالبه والاستجابة لما راهنت عليه الثّورة ،غير أنّ ذلك يشترط إدراك أنّه لايمكن العودة إلى الدّرجة الصّفر من الوعي المتمثل في تأبيد السّلطة ورفض المختلف عنها .

يتمثّل الشّرط الثاني في فهم أنّه لايمكن افتكاك حريّة المواطن – التي قدّم ثمنا نفيسا من أجلها- تحت أيّ تبرير على اعتبار أنّ إنسانية الفرد غير ممكنة دون توفّر حرّيّة مسؤولة أمام القانون . فالقاسم المشترك بين الحاكم والمواطن هو بنود يتمّ الاتفاق عليها لتكون المرجعيّة في الحق وفي الواجب .

بالإضافة إلى ذلك تكمن الصعوبة الراهنة في القدرة على تأسيس ثقافة الاختلاف وليس ثقافة الأحاديّة بما أنّ القول بالحاكم الواحد والتصور الثابت والحزب الأوحد والعرش الأمثل هو ضرب من العبث واللامعقول في كون يصير وفي عالم يتحوّل تقنيّا ومصلحيّا وعسكريّا وحِسابيّا وافتراضيّا ومعرفيّا ، فليس قدرا لنا أن نبقى في نقطة ثابتة : تثبيت السّلطة والحقيقة والرّأي والنظام الاقتصادي والإعلامي والتربوي في مقابل تراث إنساني تكوّن نتيجة تفاعل مع المُستجدات السياسية والمعرفية والاقتصادية . ألم تكن الرِّدّة في مجمل معانيها تدلّ على رفض الجديد ؟ فهل يقبل من صنع الثّورة أن يكون " هيجانه " عودة إلى الوراء وأن يكون رهانه منعدما من الوعي الذي يدلّه على المسار الذي يسير فيه بغاية صنع مصير لمجهود كثّف ما عاناه من صبر وفقر وانتظار؟

يبقى تفعيل العقل الذي هو مطلب إنساني شرطا لفهم ما انقضى من سنوات الجمر والصعوبات الراهنة شرطا للوعي بالمُشترك الجغرافي والاقتصادي والأخلاقي والقانوني بين مواطني الوطن الواحد ، ويبقى ذلك محكوما بمدى قدرة الماسكين بخيوط اللعبة السياسية على فهم أنّ المعجم الذي يتوفّر على مصطلحات : سوء النّيّة والمنفعة الفردية-الحزبيّة والخداع والتبرير الزّائف وبيع الأوهام واحتقار المواطن  تمّ تمزيقه وأُستُبدل بآخر جديد صنعه الوعي الذي بدأ في التمرّس على ثقافة جديدة تتمثّل في أنّ الحكم الثابت والوهم المتواصل والخوف والطّاعة العمياء وتقديس العروش هي أصنام أطاحت بها الثّورة وتحرر منها وعي جديد  أصبح مستقلاّ وسيّدا على ذاته وفي وطنه  بعد أن كان عبدا .

* أستاذ أول في الفلسفة وكاتب 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق