]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عمر بن عبد العزيز مدرسة الصالحين

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-05-27 ، الوقت: 22:32:54
  • تقييم المقالة:

                       عمر بن عبد العزيز

مدرسةُ الصالحين

بقلم: أحمد عكاش

 

       إِنْ كانَ الإِنْسَانُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ، وَالملائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ، فَإِنَّ الموْلَى جَلَّتْ حِكْمَتُهُ أَوْدَعَ فِي طِينَةِ بَعْضِ البَشَرِ مِنَ النُّورِ مَا جَعَلَهُمْ يَفُوقُونَ الملائِكَةَ قَدْراً، وَاصْطَفَاهُمْ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ المرْسَلِينَ وَالأَنْبِيَاءِ، فَكَانُوا شُمُوساً تَخْطُرُ فَوْقَ الثَّرَى، وَأَقْماراً تَزْهُو بِها الأَرْضُ عَلَى الأَفْلاكِ، وَرَبِيعاً يُعَطِّرُ الوُجُودَ بِأَرِيجٍ عُلْوِيٍّ، إِنَّهُمْ بَشَرٌ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، لَكِنَّ نُفُوسَهُمْ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ، إِنَّهُمْ بَشَرٌ يَحْيَوْنَ وَيَمُوتُونَ، لَكِنَّ ذِكْرَاهُمْ بَاقِيَةٌ مَادَامَتِ السَّمَواتُ وَالأَرَضُونَ، إِنَّهُمْ بَشَرٌ يَفْرَحُونَ وَيَحْزَنُونَ، لَكِنَّهُمْ أَبَداً أَمْنٌ لِلْخَائِفِينَ، وَإِنْصَافٌ لِلْمَظْلُومِينَ، وَهِدَايَةٌ لِلْشَّارِدِينَ، وَرِيٌّ لِلْصَّادِينَ [1]، وَيَدٌ كَرِيمَةٌ حَنُونٌ لِلْمَحْرُومِينَ، وَسَيْفٌ مُرْهَفٌ مُصْلَتٌ عَلَى رِقَابِ الظَّلَمَةِ وَالجَبَّارِينَ يَنْتَصِرُ لِلْمَقْهُورِينَ، وَمَلاذٌ دَافِئٌ لِلتَّائِهِينَ، إِنَّهُمْ بَشَرٌ يَشْبَعُونَ وَيَجُوعُونَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا زَاداً لِلْمَسَاكِينِ، وَهَناءَةً لِلْحَزَانَى، وَعَزَاءً وَتَسْلِيَةً لِلْثَّكَالَى وَالمفْجُوعِينَ، وَرَاحَةً لِلْمَكْدُودِينَ[2]، إِنَّهُمْ بَشَرٌ يَمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ، حَيْثُ يَدِبُّ النَّاسُ وَيُهَرْوِلُونَ، إِلاَّ أَنَّ التُّرْبَةَ الَّتي يَطَؤُونَها تَفْخَرُ بِاعْتِزازٍ بِأَنَّها لامَسَتْ حِيناً مِنَ الدَّهْرِ نَعْلَ أَحَدِهِمْ، هَؤُلاءِ هُمُ الرَّاشِدُونَ الخَمْسَةُ، ولا تَسَلْ عَنْ خَامِسِهِمْ، فَهُوَ لا يَقِلُّ شَأْواً عَنْ نُظَرَائِهِ الأَرْبَعَةِ السَّابِقِينَ، إِنَّهُ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِt(.

عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِtفَرْعٌ طَيِّبٌ زَكِيٌّ، لَهُ جُذُورٌ زَكِيّةٌ طَيِّبَةٌ، إِذْ يَعُودُ أَصْلُهُ إِلَى أَعْدَلِ الحُكَّامِ (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) t، فَقَدْ خَرَجَ (عُمَرُ)t لَيْلَةً يَعُسُّ [3] معَ غُلامِهِ (نَافِعٍ) بَيْنَ مَسَاكِنِ المسْلِمِينَ، يَسْهَرُ عَلَى أَمْنِهِمْ، وَيُوَفِّرُ لَهُمُ الطُّمَأْنِينَةَ وَهَنَاءَةَ العَيْشِ، فَإِذَا رَأَى جِياعاً هُرِعَ إِلَى بَيْتِ مَالِ المسْلِمِينَ، يَحْمِلُ لَهُمُ الدَّقِيقَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَطْبُخُ لَهُمْ، وَيَنْفُخُ لَهُمُ النَّارَ، حَتَّى يَتَخَلَّلَ الدُّخَانُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ، ثُمَّ يُطْعِمُ الصِّبْيَةَ الجِيَاعَ وَلا تَهْدَأُ نَفْسُهُ حَتَّى تَهْدَأَ أَنْفُسُهُمْ وَيَنَامُوا، ثُمَّ لا يَتْرُكُهُمْ حتَّى يَأْخُذَ مِنْ أُمِّ الصِّبْيَةِ تَبْرِئَةً لَهُ أَنَّهُ نَهَضَ بِوَاجِبِ الرِّعَايَةِ خَيْرَ مَا يَقُومُ بِهِ وَالٍ.
وَفِي لَيْلَةٍ.. بَيْنَما كَانَt يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ، سَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ لابْنَتِها:
  -
اِخْلِطِي الحَلِيبَ بِالماءِ يَا ابْنَتِي.

لَكِنَّ البِنْتَ اِسْتَنْكَرَتِ الطَّلَبَ، فَقَالَتْ لأُمِّها:

- يا أُمَّاهُ أَوَلَيْسَ قَدْ نَادَى (عُمَرُ) أَلاَّ يُخْلَطَ الحَلِيبُ بِالماءِ؟.

قَالَتِ الأُمُّ: وَمِنْ أَيْنَ لِعُمَرَ أَنْ يَعْلَمَ بِما نَصْنَعُ ؟.

قَالَتِ البِنْتُ: مَا كَانَ لَنا أَنْ نُطِيعَهُ فِي الملأِ [4]  وَنَعْصِيَهُ فِي الخَفَاءِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ (عُمَرُ) لا يَعْلَمُ فَإِنَّ رَبَّ (عُمَرَ) يَعْلَمُ.

لَمْ تُطِعِ البِنْتُ أُمَّها فِي مَعْصِيَةِ خَالِقِها، وَ(عُمَرُ) tيَسْمَعُ وَيَحْمَدُ اللهَ فِي سِرِّهِ أَنْ نَشَأَ فِي رَعِيَّتِهِ جِيلٌ يُرَجِّحُ رِضَا الخَالِقِ عَلَى رِضَا المخْلُوقِ وَإِنْ كَانَ أُمّاً، وَيُقَدِّمُ مَرْضَاةَ اللهِ عَلَى شَهْوَةِ المالِ، وَيُؤْثِرُ الرِّزْقَ الحَلالَ الطَّيِّبَ وَإِنْ كَانَ نَزْراً [5]  عَلَى الغِنَى إِنْ شَابَتْهُ أَدْرَانُ الحَرَامِ أوِالشُّبُهَاتِ.

جَاشَتْ نَفْسُ (عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب)  tبِمَشَاعِرِ الإِكْبَارِ لِهَذِهِ البِنْتِ، فَهِيَ جَوْهَرَةٌ مَكْنُونَةٌ، هَذِهِ شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ أُكُلُها طَيِّبٌ، وَفَرْعُها سَامٍ يَشْرَئِبُّ إِلَى السَّمَاءِ، هَذِهِ تُرْبَةٌ خِصْبَةٌ لا تُنْبِتُ إِلاَّ طَيِّباً، فَإِنْ ظَفِرَ بِها أَحَدُ أَبْنَائِهِ زَوْجَةً فَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَسْلِها ذُرِّيَّةٌ صَالِحَةٌ.

وَيَعْرِضُ (عُمَرُ) tعَلَى أَبْنَائِهِ الزَّوَاجَ مِنْ هَذِهِ البِنْتِ، بِنْتِ بَائِعَةِ الحَلِيبِ، فَيَتَزَوَّجُها ابْنُهُ (عَاصِمٌ)، ثُمَّ تَلِدُ هَذِهِ البِنْتُ بِنْتاً يَتَزَوَّجُها (عَبْدُ العَزِيزِ)، مِنْ تِلْكُمُ الزَّوْجَةِ، وَذَلِكُمُ الزَّوْجِ يَلِدُ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)   فَهُوَ إِذَنْ:  أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ عَاصِمٍ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. وَلَقَدْ ظَلَمَتْهُ أَسْفَارُ التَّارِيخِ الَّتي تَنَاوَلَتْ سِيرَتَهُ ظُلْماً بَيِّناً، إِذْ تَنْعَتُهُ حِيناً بأَشَجِّ قُرَيْشٍ، وَحِيناً آخَرَ بِأَشَجِّ بَني مَرْوَانَ، وَحِيناً ثالِثاً بِأَشَجِّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَتَناسَتْ هَذِهِ المصَادِرُ أَنَّ تَلْكَ الشَّجَّةَ إِنْ هِيَ إِلاَ تَاجٌ يَزْهُو عَلَى ذَاكَ الجَبِينِ الوَضَّاءِ، وَهُوِيَّةٌ مَحْفُورَةٌ لا تَزُولُ، تَشْهَدُ بِأَنَّ حَامِلَها هُوَ الَّذِي تَنَبَّأَ فِيهِ (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) tإِذْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلاً بِوَجْهِهِ شَجَّةٌ، يَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلاً، كَما مُلِئَتْ جَوْراً.
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ غُلامٌ اِسْطَبْلَ أَبِيهِ يَلْعَبُ، فَرَمَحَتْهُ [6] بَغْلَةٌ عَلَى جَبِينِهِ، فَشَجَّتْهُ وَتَرَكَتْ أَثَراً وَاضِحاً دَائِماً فِي جَبِينِهِ حَتَّى لُقِّبَ بِذَلِكَ.
يَقُولُونَ: الشَّهادَةُ الحَقُّ مَا شَهِدَ بِهَا الأَعْدَاءُ، وَلَقَدْ طَارَتْ شُهْرَةُ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، في الآفَاقِ حَتّى بَلَغَتْ (مَلِكَ الرُّومِ) حِينَها، فَلَمْ يَسَعْهُ إِلاَّ أَنْ يُطَأْطِئَ بِرَأْسِهِ إِقْراراً لِهَذَا الرَّجُلِ بِالزُّهْدِ وَنَقَاءِ الرُّوحِ، فَيُرْوَى أَنَّ (مَلِكَ الرُّومِ) لَمَّا بَلَغَهُ نَبَأُ وَفَاةِ (الرَّجُلِ الصَّالِحِ)؛ وَكَانُوا فِيما بَيْنَهُمْ يُلَقِّبُونَ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) tبِـ (الرَّجُلِ الصَّالِحِ)، جَلَسَ عَلَى الأَرْضِ مُكْتَئِباً حَزِيناً وَقَالَ:

-لأَحْسِبُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ يُحْيِي الموْتَى – بِإِذْنِ اللهِ تَعالَى- بَعْدَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لأَحْيَاهُمْ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ).
ذَلِكُمْ هُوَ الخَلِيفَةُ الرَّاهِبُ... أَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ مِنْ قَوْلِي: (الرَّاهِبَ)، فَلا رَهْبَنَةَ فِي الإِسْلامِ، بَلْ قُلْ: ذَلِكَ هُوَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ، (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) t، إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ فَهُوَ حَفِيدُ بَائِعَةِ الحَلِيبِ الَّتي خَشِيَتْ فِي الغَيْبِ رَبَّ عُمَرَ، وَمِنْ جِهَةِ الرِّجَالِ هُوَ حَفِيدُ (عُمَرَ)tنَفْسِهِ، فَهُوَ خِيارٌ مِنْ خِيَارٍ مِنْ خِيارٍ، فَهَاتِ.. قُلْ لِي بِرَبِّكَ كَمْ رَجُلاً فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ كُلِّها جَمَعَ فِي شَخْصِهِ هَذِهِ المكَارِمَ كُلَّها؟ إِنْ أَحْصَيْتَهُمْ أَلْفَيْتَهُمْ يُعَدُّونَ عَلَى أَصَابِعِ اليَدِ الوَاحِدَةِ، وَأَلْفَيْتَ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) لا رَيْبَ أَحَدَهُمْ.

هَلْ تَبَوَّأَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذِهِ الذِّرْوَةَ الرَّفِيعَةَ فَقَطْ لأَنَّهُ ابْنُ الأَكْرَمِينَ؟ لا.. البَتَّةَ، إِنَّهُ ابْنُ الأَكْرَمِينَ، وَإِنَّهُ أَعْدَلُ الحُكَّامِ، وَإِنَّهُ أَزْهَدُ الحُكَّامِ، وَإِنَّهُ قالَ فِيهِ مَلِكُ الرُّومِ:

-لَسْتُ أَعْجَبُ مِنَ الرَّاهِبِ أَغْلَقَ بَابَهُ وَرَفَضَ الدُّنْيا وَتَرَهَّبَ وَتَعَبَّدَ، وَلَكِنْ أَتَعَجَّبُ مِمّنْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَرَفَضَها ثُمَّ.. تَرَهَّبَ.
أَجَلْ وَاللهِ هَذَا مَا كَانَ، أَغْلَقَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)  tبَابَهُ دُونَ الخِلافَةِ فَأَبَتِ الخِلافَةُ إِلاَّ أَنْ تَأْخُذَ بِأَذْيالِ ثَوْبِهِ، وَتَزْحَفَ خَلْفَهُ بِإِلْحَاحٍ حَتّى لَمْ تَدَعْ لَهُ مَهْرَباً منها.

فَالتَّارِيخُ يُحَدِّثُنا أَنَّ (سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الملِكِ) لَمَّا مَرِضَ المرَضَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، دَعا بِقِرْطَاسٍ فَكَتَبَ فِيهِ العَهْدَ لِـ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ)tوَمِنْ بَعْدِ (عُمَرَ) لِـ (يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الملِكِ)، وَخَتَمَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ الصَّالِحِ (رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) وَقَالَ لَهُ:

-اُخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَمُرْهُمْ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الكِتابِ مَخْتُوماً.

فَبَايَعُوا عَلَى مَا فِيهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ.

وَانْصَرَفَ (رَجَاءٌ) إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَحِقَ بِهِ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فَقَالَ لَهُ:

-يَا (رَجَاءُ) إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَمْرٌ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَها إِلَيَّ (يَعْنِي الخِلافَةَ)، وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نَفَسٌ، لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَادَامَ حيّاً.
قَالَ (رَجَاءٌ): سُبْحَانَ اللهِ.. يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ المؤْمِنِينَ أَمْراً، تُرِيدُ أَنْتَ أَنْ أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ؟!.

ثُمَّ اسْمَعْهُ يَكْتُبُ فِيمَا بَعْدُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى (سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) يَقُولُ فِيها:

- .. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ ابْتَلانِي بِهِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ مِنِّي فِيهَا، وَلا طَلِبَةٍ مِنِّي لَهَا، إِلاَّ قَضَاءَ الرَّحْمَنِ وَقَدَرَهُ، فَأَسْأَلُ الَّذِي اِبْتَلانِي مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِمَا اِبْتَلانِي أَنْ يُعِينَنِي عَلَى مَا وَلاَّنِي، وَأَنْ يَرْزُقَنِي مِنْهُمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَحُسْنَ مُؤَازَرَةٍ، وَأَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنِّي الرَّأْفَةَ وَالمعْدَلَةَ..
فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ قَبْلُ أَوْ رَأَيْتَ إِنْسَاناً يَفِرُّ مِنْ عَرْشِ الحُكْمِ زُهْداً وَكَرَاهِيَةً، وَالعَرْشُ يُلاحِقُهُ؟ لا عَجَبَ.. هَذَا (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tالَّذِي كَانَ مَدْرَسَةً فِي الزُّهْدِ، فَقُلْ لأَبَاطِرَةِ العَالَمِ وَأَكَاسِرَتِهِ: تَتَلْمَذُوا عَلَيْهِ، فَهَذِهِ مَدْرَسَةُ الصَّالِحِينَ.

لَمَّا أَدْرَكَ (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) tأَنَّ مَنِيَّتَهُ دَنَتْ، قَالَ لَهُ أَحَدُ الحَاضِرِينَ:
-
ألا تُوصِي بِالخِلافَةِ إِلَى ابْنِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟.

أَبَى ذَلِكَ وَقَالَ:

-يَكْفِي آلَ الخَطَّابِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَحْمِلُ وِزْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

وَهُنَا يَتَكَرَّرُ هَذَا الموْقِفُ نَفْسُهُ مَعَ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) tفَقَدْ كَانَ ابْنُهُ (عَبْدُ الملِكِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) صَالِحاً يَأْمُرُ بِالمعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ المنْكَرِ، وَكَانَ يُعِينُ أَبَاهُ عَلَى البِرِّ وَالإِحْسَانِ، نَاصِحاً لَهُ، شَادّاً مِنْ أَزْرِهِ فِي أَدَاءِ المكْرُمَاتِ، مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي أُسْنِدَتْ فِيهِ مَقَالِيدُ الخِلافَةِ إِلَى (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ)  t، فَبَعْدَ أَنْ عَادَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)tمِنْ جِنازَةِ (سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الملِكِ) سَنَةَ سِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ ذَهَبَ يَتَبَوَّأُ مَقِيلاً، فَأَتَاهُ ابْنُهُ (عَبْدُ الملِكِ) فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ يَا أَبَتِ؟.

فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! أَقِيلُ  [7].

فَقَالَ: أَتَقِيلُ وَلا تَرُدُّ المظَالِمَ إِلَى أَهْلِهَا؟.

قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! إِنِّي سَهِرْتُ البَارِحَةَ فِي أَمْرِ عَمِّكَ (سُلَيْمانَ)، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ، رَدَدْتُ المظَالِمَ.

فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الظُّهْرِ!؟.

فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي.

فَدَنَا مِنْهُ، فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ:

-الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى دِينِي.

فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ.

وَدَخَلَ (عَبْدُ الملِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) يَوْماً عَلَى أَبِيهِ (عُمَرَ) أَمِيرِ المؤْمِنِينَ فَقَالَ:

-يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.. فَأَخْلِنِي [8].


وَكَانَ (مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ) عِنْدَ أَمِيرِ المؤْمِنينَ (عُمَرَ) فَقَالَ (عُمَرُ) لابْنِهِ:
-
أَسِرٌّ دُونَ عَمِّكَ؟.

فَقَالَ: نَعَمْ.

فَقَامَ (مَسْلَمَةُ) وَخَرَجَ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ:

-يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ غَداً إِذَا سَأَلَكَ فَقَالَ: (رَأَيْتَ بِدْعَةً فَلَمْ تُمِتْهَا، أَوْ سُنَّةً لَمْ تُحْيِهَا؟).

فَقَالَ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ لَهُ:

-يَا بُنَيَّ! أَشَيْءٌ حَمَّلَتْكَهُ الرَّعِيَّةُ إِلَيَّ، أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ؟.
قَالَ: لا وَاللهِ؛ وَلَكِنْ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَعَرَفْتُ أَنَّكَ مَسْؤُولٌ، فَمَا أَنْت قَائِلٌ؟.

فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: رَحِمَكَ اللهُ، وَجَزَاكَ مِنْ وَلَدٍ خَيْراً، فَوَ اللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الأَعْوَانِ عَلَى الخَيْرِ... أَوَ مَا تَرْضَى أَلاَّ يَأْتِيَ عَلَى أَبِيكَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، إِلاَّ وَهُوَ يُمِيتُ فِيهِ بِدْعَةً، وَيُحْيِي فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ.

فَلَوْ أَنَّ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ)tعَهِدَ بِالخِلافَةِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى ابْنِهِ (عَبْدِ الملِكِ) هَذَا، هَلْ كَانَ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْصَحْ لِلأُمَّةِ؟، أَوْ أَنَّهُ أَمَّرَ عَلَيْها مَنْ لا يَصْلُحُ لِلإِمَارَةِ، فَقَطْ لأَنَّهُ ابْنُهُ، ولا يُريدُ لِبِسَاطِ الحُكْمِ أَنْ يُسْحَبَ مِنْ تَحْتِ أَهْلِ بَيْتِهِ؟. أَقُولُ بِإِيمَانٍ لَوْ أَنَّ القَدَرَ أَمْهَلَ (عَبْدَ الملِكِ بْنَ عُمَرَ) أَكْثَرَ، وَلَوْ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى عَرْشِ الحُكْمِ لَشَهِدَتِ الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّةُ فِيهِ خَلَفاً صَالِحاً، لأَبٍ صَالِحٍ، لَكِنَّ (عَبْدَ الملِكِ بْنَ عُمَرَ) يَمُوتُ، فَجَعَلَ (عُمَرُ) يُثْنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ (مَسْلَمَة): يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! لَوْ بَقِيَ أَكُنْتَ تَعْهَدُ إِلَيْهِ؟.

قَالَ: لا.
قَالَ: وَلِمَ وَأَنْتَ تُثْنِي عَلَيْهِ؟.
قَالَ: أَخَافُ أَن يَّكُونَ زُيِّنَ فِي عَيْنِي مِنْهُ مَا زُيِّنَ فِي عَيْنِ الوَالِدِ مِنْ وَلَدِهِ.
أَلا يَا شَآبِيبَ [9]  الرَّحْمَةِ اِنْسَكِبي مِدْرَارَةً عَلَى قَبْرٍ ضَمَّ ذَاكَ الرُّفاةَ الطَّاهِرَ، فَمَنْ مِثْلُكَ يَا (عُمَرُ) يَا حَفِيدَ (عُمَرَ)؟ فَيَا قَيَاصِرَةَ العَالَمِ وَأَكَاسِرَتَهُ! تَتَلْمَذُوا عَلَيْهِ، فَذَاكَ مَدْرَسَةُ الصَّالِحِينَ.

*                                                            
لَوْ رُحْتَ تَتَكَلَّمُ عَنِ الشَّمْسِ وَأَوْجُهِ الرَّوْعَةِ وَالخَيْرِ فِيها، لَوَجَدْتَ أَمَامَكَ بَحْراً زَاخِراً تَحَارُ مِنْ أَيِّ سَوَاحِلِهِ تَغْتَرِفُ، أَعَنْ نُورِها تَتَحَدَّثُ أَمْ عَنْ دِفْئِها أَمْ عَنْ تَحَكُّمِها فِي تَحْدِيدِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَعَاقُبِهِما...، مِثْلُ ذَلِكَ تَجِدُهُ حِينَ تَوَدُّ الحَدِيثَ عَنْ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) t، لِهَذَا أُعْلِنُ مُسْبَقاً أَنِّي لَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْ خِصَالِهِ الجَمَّةِ كُلِّها، فَهَذَا وَايْمُ اللهِ فَوْقَ قُدْرَاتِي، وَيَشْهَدُ اللهُ أَنِّي لا أَسْعَى الآنَ إِلَى الزَّعْمِ بِتَواضُعِي، لَكِنَّ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ)  tفِي حَقِيقَتِهِ أَجَلُّ وَأَسْمَى مِنْ أَنْ يُحِيطَ قَلَمٌ بِجَانِبٍ بَسِيطٍ مِنْ جَوانِبِ حَيَاتِهِ الحَافِلَةِ بِمَكارِمِ الصِّفَاتِ، فَهُوَ قِمَّةٌ بَاذِخَةٌ فِي الشُّمُوخِ، تَرْنُو إِلَيْهِ الأَبْصَارُ وَلا تَبْلُغُهُ الهِمَمُ، وَأَنَّى لِمَنْ جُبِلَ مِنْ طِينٍ، أَنْ يُدْرِكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَغْلِبُ فِيهِمُ النُّورُ مَا سِوَاهُ؟.

 

لِهَذَا أُعْلِنُ أَنِّي سَأُشيرُ إِشَاراتٍ – عَلَى قَدْرِ نَفْسِي- إِلَى مِيزَةٍ جَلِيَّةٍ فِي سِيرَتِهِ tهِيَ (الزُّهْدُ) فِي المأْكَلِ وَالملْبَسِ فَقَطْ فَهُمَا حَسْبُنَا، فَقَدْ كَانَtفِي الزُّهْدِ بِمَنْزِلَةِ المدْرَسَةِ وَالأُسْتَاذِ مَعاً.

رَأَيْنَاهُ مُنْذُ حِينٍ يَجِدُّ خَلْفَ (رَجَاءٍ) وَيُعْرِبُ لَهُ أَنَّهُ مُتَخَوِّفٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ المؤْمنِينَ (سُلَيْمَانُ) ابْنُ عَمِّهِ، قَدْ جَعَلَ الخِلافَةَ مِنْ بَعْدِهِ لَهُ، وَأَنَّهُ سَيَسْعَى إِلَى صَرْفِها عَنْهُ إِنْ كَانَ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ قَدْ فَعَلَ.

فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ (سُلَيْمَانَ) عَلَى العَامَّةِ يُعْلِنُ فِيهِ اِسْمَ الخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، قَالُوا: أَيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؟.

فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي القَوْمِ، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ فِي مُؤَخَّرِ المسْجِدِ، فَأَتَوْهُ يُهْرَعُونَ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالخِلافَةِ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَلِيَ المنْبَرَ لِيَتَقَبَّلَ مِنْهُمُ البَيْعَةَ، فَقَالَ لِرَجَاءٍ:

-ذَبَحْتُمُونِي بِغَيْرِ سِكِّينٍ.

فَلَمَّا هَمَّ بِالنُّهُوضِ، عُقِرَ وَخَانَتْهُ رِجْلاهُ، لَوْلا أَنْ أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ [10]، وَسَارُوا بِهِ إِلَى المنْبَرِ وَأَصْعَدُوهُ دَرَجَاتِهِ وَأَجْلَسُوهُ عَلَيْهِ، جَلَسَ (عُمَرُ) صَامِتاً لا يَتَكَلَّمُ، وَطَالَ الجُلُوسُ وَطَالَ الصَّمْتُ، وَالنَّاسُ يَتَأَمَّلُونَ وَيَنْتَظِرُونَ، وَتَعْصِفُ بِالرَّأْسِ الجَمِيلِ عَوَاصِفُ الوَجَلِ وَالتَّهَيُّبِ:

-رَحِمَكَ اللهُ يَا ابْنَ الخَطّابِ، قُلْتَ يَوْماً: لَوْ مَاتَ جَدْيٌ بِطَفِّ الفُرَاتِ [11]  لَخَشِيتُ أَنْ يُطَالِبَ اللهُ بِهِ عُمَرَ، لِمَاذَا لَمْ يُعَبِّدْ لَهُ الطَّرِيقَ؟!؛ فَمَاذَا سَيَقُولُ (ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tالآنَ وَقَدِ اِتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الإِسْلامِ أَبْعَدَ مِنَ العِرَاقِ بِمَا يَفُوقُ المسَافَةَ بَيْنَنا وَبَيْنَ العِرَاقِ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً؟. مَاذَا سَيَقُولُ (ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)  tوَبَعْضٌ مِنْ غِلاظِ الأَكبَادِ كَـ (الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ) فِي (العِرَاقِ) وَ(عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ) فِي (الحِجَازِ)، وَ(الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الملِكِ) بِالشَّامِ، وَ(قُرَّةَ بْنِ شُرَيْكٍ) بِمِصْرَ، وَ(مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) بِاليَمَن، ِيَأْخُذُونَ بِرِقَابِ العِبَادِ؟، قَدِ امْتَلأَتِ الأَرْضُ وَاللهِ جَوْراً.

وَبَيْتُ مَالِ المسْلِمِينَ عَامِرٌ بِأَكْدَاسِ الأَمْوَالِ، وَالسَّاعُونَ إِلَى التَّرَفِ يَجِلُّونَ عَنْ أَنْ يُحْصَوْا... وَ( اِبنُ عَبْدِ العَزِيزِ ) مَسْؤُولٌ عَنْ أَولَئِكُمْ جَمِيعاً أَمَامَ حَاكِمٍ عَادِلٍ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ [12]  مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ شُؤُونِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ النَّاشِئَةِ المتَرَامِيَةِ الجَنَبَاتِ؟ أَلا.. فَاتَ أَوَانُ التَّفْكِيرِ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلا بُدَّ الآنَ مِنَ النُّهُوضِ بِوَاجِبِ الخِلافَةِ، فَمَا يَجِبُ التَّفْكِيرُ فِيهِ الآنَ هُوَ: كَيْفُ نَسِيرُ بِهَذِهِ السَّفِينَةِ سَالِمَةً إِلَى شَاطِئِ السَّلامِ؟.

أَخِيراً.. يَرْفَعُ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) رَأْسَهُ وَيُجِيلُ فِي النَّاسِ نَظْرَةً فِيها مِنَ الذُلِّ للهِ والانْكِسَارِ لَهُ الشّيْءُ الكَثِيرُ، فَلَمَّا رَأَى (رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ) النَّاسَ جُلُوساً قَالَ:

- أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ المؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ؟.

فَنَهَضَ القَوْمُ إِلَيْهِ، فَبَايَعُوهُ رَجُلاً رَجُلاً؛ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ.

وَيَدْفِنُ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) مَعَ النَّاسِ أَمِيرَ المؤْمِنِينَ المتَوَفَّى (سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الملِكِ)، فَأُتِيَ بِبُرْدٍ كَانَ يُلْقَى لِلْخُلَفَاءِ يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الجِنَازَةِ، فَأَلْقِيَ لَهُ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَعَدَ عَلَى الأَرْضِ.

وَيَلْتَفِتُ لِيَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهِ؛ فَيَأْتِيهِ صَاحِبُ المرَاكِبِ بِمَرْكَبَةٍ وَطِيئَةٍ وَثِيرَةٍ مُزَرْكَشَةٍ مُظَلَّلَةٍ بِقُمَاشٍ مُلَوَّنٍ، تَجُرُّهَا خُيُولٌ أَرْبَعَةٌ أَصِيلَةٌ، مُغَطَّاةٌ بِالقُمَاشِ وَالأَشْرِطَةِ الملَوَّنَةِ المزَيَّنَةِ بِالخَرَزِ، وَعَلَى لُجُمِها جَوَاهِرُ نَفِيسَةٌ، تَبْرُقُ تَحْتَ الشَّمْسِ بَرِيقاً يَخْطَفُ الأَبْصَارَ، فَقَالَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)  t:

-مَا هَذَا؟.

قَالَ: مَرْكَبٌ لِلْخَلِيفَةِ.

قَالَ: مَا شَاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ؛ لا حَاجَةَ لِي فِيهِ... إِيتُونِي بِدَابَّتِي .. قُومُوا إِلَى بَغْلَتِي.

فَأَتَوْهُ بِدَابَّتِهِ فَرَكِبَهَا، ثُمَّ مَضَى يَسِيرُ، وَسَارُوا مَعَهُ، فَمَالُوا إِلَى طَرِيقٍ؛ قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟.

قَالُوا: إِلَى البَيْتِ الَّذِي يُهَيَّأُ لِلْخَلِيفَةِ.

قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ، انْطَلِقُوا بِي إِلَى مَنْزِلِي.

فَأَتَى مَنْزِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، ثُمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ، وَجَعَلَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ إِلَى العُّمَّالِ فِي الأَمْصَارِ، وَيُمِلُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الخُلَفَاءِ بِأَنْ يُمِلَّ الخَلِيفَةُ، وَيَكْتُبَ كَاتِبٌ لَهُ.

ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ حِينٍ أَصْحَابُ مَرَاكِبِ الخِلافَةِ يَطْلُبُونَ عَلَفَها، فَأَمَرَ بِهَا فَبِيعَتْ، وَجُعِلَ ثَمَنُهَا فِي بَيْتِ المالِ، وَقَالَ:

 - بَغْلَتِي تَكْفِينِي.

وَأَوَّلُ مَا بَدَأَ بِهِ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) لَمَّا اسْتَقَرَّتِ البَيْعَةُ لَهُ، أَنَّهُ رَدَّ مَا كَانَ لِـ (فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ) زَوْجَتِهِ مِنَ المالِ وَالحَلْيِ وَالجَوَاهِرِ إِلَى بَيْتِ مَالِ المسْلِمِينَ، وَكَانَ عِنْدَهُا جَوْهَرٌ أَمَرَ لَهَا بِهِ أَبُوهَا، لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، قَالَ لَهَا (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)  t:

-اِخْتَارِي، إِمَّا أَنْ تَرُدِّي حَلْيَكِ إِلَى بَيْتِ المالِ، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنِي لِي فِي فِرَاقِكِ، فَإِنَّهُ أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَأَنْتِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ.

قَالَتْ: لا، بَلْ أَخْتَارُكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَضْعَافِهِ.

فَرَدَّتْهُ جَمِيعاً، فَأَمَرَ بِهِ فَحُمِلَ حَتَّى وُضِعَ فِي بَيْتِ مَالِ المسْلِمِينَ؛ وَلَمَّا وَلِيَ أَخُوهَا (يَزِيدُ) مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ لَهَا:

-إِنْ شِئْتِ رَدَدْتُهُ إِلَيْكِ.

فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: فَإِنِّي لا أَشَاؤُهُ، طِبْتُ عَنْهُ نَفْساً فِي حَيَاةِ (عُمَرَ) وَأَرْجِعُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ لا وَاللهِ أَبَداً، مَا كُنْتُ لأُطِيعَهُ حَيّاً وَأَعْصِيَهُ مَيْتاً.

*                                                       
ثُمَّ يَدْخُلُt مَجْلِسَ الخَلِيفَةِ... قَاعَةٌ فَسِيحَةٌ رَحْبَةٌ بَاذِخَةُ الرِّيَاشِ، فَانْتَابَهُ شُعُورٌ لَمْ يَسْتَشْعِرْهُ قَبْلَ اليَوْمِ، لَيْسَتْ هَذِهِ الرَّدْهَةُ جَدِيدَةً عَلَيْهِ، فَقَدْ أَمْضَى السِّنِينَ العَدِيدَةَ الماضِيَةَ فِي جَنَبَاتِها، فَقَدْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الرَّاحِلِ ابْنِ عَمِّهِ (سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الملِكِ) يَتَداوَلُونَ الرَّأْيَ فِي شُؤُونِ الحُكْمِ.. وَيُسَامِرُ الخَلِيفَةَ، وَيَنْصَحُ لَهُ.. لَكِنَّ مَا يَخْتَلِجُ الآنَ فِي نَفْسِهِ إِحْسَاسٌ جَدِيدٌ غَرِيبٌ، هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ يَدْخُلُ فِيها هَذَا المجْلِسَ أَمِيراً عَلَى المؤْمِنِينَ، فَشَتَّانَ دُخُولُهُ اليَوْمَ وَدُخُولُهُ أَمْسِ أَوْ أَوَّلَ أَمْسِ، اقْتَحَمَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الجُدُرِ سَتَائِرَ هَفْهَافَةً نَاعِمَةً بَاذِخَةً تَتَدَلَّى بِسَخَاءٍ وَتَرَفٍ، وَتَتَحَرَّكُ بِدَلالٍ مَعَ النَّسِيمِ الرَّقِيقِ المتَسَلِّلِ عَبْرَ النَّوَافِذِ، وَوَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى سَجَاجِيدَ تُغَطِّي الأَرْضَ حَتَّى لَيَكَادَ الدَّاخِلُ إِلَى المجْلِسِ لَيَشْعُرُ بِالإِثْمِ إِذْ تَطَأُ قَدَماهُ هَذَا الوَبَرَ النَّاعِمَ البَرَّاقَ،.. وَتَسَاءَلَ (عُمَرُ) فِي سِرِّهِ: لِمَاذَا لَمْ آَبَهْ مِنْ قَبْلُ لِهَذَا السَّرَفِ؟. لِمَاذَا لَمْ آبَهْ مِنْ قَبْلُ لِهَذِهِ النَّفَقَاتِ البَاهِظَةِ؟ لِمَاذا لَمْ أَتَسَ‍اءَلْ مِنْ قَبْلُ عَنْ جَدْوَى هَذَا كُلِّهِ؟.

 

(عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tالَّذِي كَانَ يَدْخُلُ هُنَا بِالأَمْسِ إِنْسَانٌ غَيْرُ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) الَّذِي يَدُورُ رَأْسُهُ الآنَ حَوْلَهُ يُقَلِّبُ نَظَرَهُ فِيما يَرى؛ قَبْلَ سَاعَةٍ سَأَلَهُ أَحَدُ مَوَالِيهِ:

-مَالِي أَرَاكَ مُغْتَمّاً؟.

فَقَالَ: لِمِثْلِ مَا أَنَا فِيهِ يُغْتَمُّ لَهُ، لَيْسَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ فِي شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِها، إِلاَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُؤَدِّيَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، غَيْرَ كَاتِبٍ إِلَيَّ فِيهِ، وَلا طَالِبِهِ مِنِّي.

إِذَنْ..هِيَ المسْؤُولِيَّةُ وَتَبِعَاتُها.. أَشَارُ (عُمَرُ) tإِلَى السُّتُورِ وَالبُسُطِ وَقَالَ:

-اِرْفَعُوها.. بِيعُوهَا وَرُدُّوا أَثْمَانَها إِلَى بَيْتِ مَالِ المسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَهَبَ يَتَبَوَّأُ مَقِيلاً.

وَقَدِ اجْتَهَدَ رَحِمَهُ اللهُ فِي مُدَّةِ وِلايَتِهِ - مَعَ قِصَرِهَا - حَتَّى رَدَّ المظَالِمَ، وَصَرَفَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَفِي عَهْدِهِ كَانَ مُنَادِيهِ عَامِلُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُنَادِي: أَيْنَ الغَارِمُونَ[13]؟ أَيْنَ النَّاكِحُونَ[14]؟ أَيْنَ المساكِينُ؟ أَيْنَ اليَتَامَى؟ حَتَّى أَغْنَى كُلاًّ مِنْ هَؤُلاءِ.

وَكَانَ مُنَادِيهِ يَأْتِي الأَسْوَاقَ يُنَادِي فِيها:

-أَلا مَنْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى المالِ وَالسَّمْنِ وَالعَسَلِ..فَلْيَأْتِ بَيْتَ مَالِ المسْلِمِينَ وَلْيَأْخُذْ حاجَتَهُ.

فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَلْتَفِتُ إِلَى هَذَا النِّدَاءِ، عَنْ غِنًى وَرَخَاءٍ، فَقَدْ أَغْنَى (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tالنَّاسَ، أَمَّا (عُمَرُ) نَفْسُهُ.. أَمَّا أَشَجُّ قُرَيْشٍ.. فَيَدْخُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ (فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الملِكِ) وَيَسْأَلُها:

-يَا فَاطِمَةُ أَعِنْدَكِ دِرْهَمٌ أَشْتَري بِهِ عِنَباً؟.

قَالَتْ: لا.

قَالَ: فَعِنْدَكِ نُمِّيَّةٌ [15]  أَشْتَرِي بِهَا عِنَباً؟.

قَالَتْ: لا.

وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: أَنْتَ أَمِيرُ المؤْمِنينَ لا تَقْدِرُ عَلَى دِرْهَمٍ وَ نُمِّيَّةٍ

تَشْتَرِي بِها عِنَباً؟.

فَقَالَ لَها (عُمَرُ): هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ مُعَالَجَةِ الأَغْلالِ غداً فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
هَذَا الخَلِيفَةُ الَّذِي يَتَحَكَّمُ بِكُنُوزِ الأَرْضِ، وَخَرَاجِ الزَّرْعِ وَالضَّرْعِ، وَبَيْتِ مَالٍ أَغْنَى النَّاسَ جَمِيعاً، لا يَمْلِكُ مَا يَشْتَري بِهِ عُنْقُودَ عِنَبٍ، فَماذَا يَأْكُلُ إِذَنْ فِي بَيْتِهِ؟.

عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: كَانَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tيَجْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَالِهِ دِرْهَماً فِي طَعَامِ المسْلِمِينَ، ثُمَّ يَأْكُلُ مَعَهُمْ.

فَفِي هَذَا الخَبَرِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ مُشْرِقَةٍ، أُوَّلُها أَنَّهُ  tيُؤَاكِلُ عَامَّةَ المسْلِمِينَ فَلا يَرَى لِنَفْسِهِ رِفْعَةً عَلَى أَيٍّ مِنْهُمْ، وَثَانِيهِا أَنَّهُ يَدْفَعُ مِنْ حُرِّ مَالِهِ، مُقَابِلَ مَا يَنَالُهُ مِنْ طَعامٍ يَنَالُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ بِلا مُقَابِلٍ، وَثَالُثُها أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِطَعَامٍ دُونَ سَائِرِ المسْلِمِينَ، وَكَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَجْتَلِبَ مِنْ كُلِّ مِصْرٍ نَفَائِسَها وَطَرَائِفَها، لَكِنَّهُ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَآثَرَ الزُّهْدَ وَالخَوْفَ مِنَ اللهِ.
قَالَتْ (فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الملِكِ) زَوْجَةُ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ):

-قَدْ يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلاةً وَصِيَاماً مِنْ (عُمَرَ)، وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ مِنَ النَّاسِ أَحَداً قَطُّ أَشَدَّ خَوْفاً مِنْ رَّبِّهِ مِنْ (عُمَرَ)، كَانَ إِذَا دَخَلَ البَيْتَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلا يَزَالُ يَبْكِي وَيَدْعُو حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ.

وَطَعَامُهُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ (العَدَسُ)، حَتَّى يَكَادَ لا يَأْكُلُ غَيْرَهُ، فَقَدْ حَدَّثَ أَبُو أُمَيَّةَ الخَصِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى خِدْمَةِ (عُمَرَ)، لِهَذَا هُوَ كَثِيرُ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، مُلازِمٌ لَهُ قَالَ:

-دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى مَوْلاتِي، فَغَدَّتْنِي (عَدَساً)، فَقُلْتُ:

- عَدَسٌ؟.. عَدَسٌ؟ كُلَّ يَوْمٍ عَدَسٌ؟!.

قَالَتْ: يَا بُنَيَّ! هَذَا طَعَامُ مَوْلاكَ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ.

وَحَدَّثَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ قَالَ: قَالَ لِي (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ):

-حَدِّثْنِي يَا مَيْمُونَ.

قَالَ مَيْمُونُ: فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثاً بَكَى مِنْهُ بُكَاءً شَدِيداً، فَقُلْتُ:

-يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَبْكِي هَذَا البُكاءَ لَحَدَّثْتُكَ حَدِيثاً أَلْيَنَ مِنْ هَذَا.
فَقَالَ: يَا مَيْمُونُ إِنَّا نَأْكُلُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ (العَدَسَ) وَهِيَ - مَا عَلِمْتَ - مُرِقَّةٌ لِلْقَلْبِ، مُغْزِرَةٌ لِلدَّمْعَةِ، مُذِلَّةٌ لِلْجَسَدِ.

وَلْنَنْظُرْ إِلَى صُنُوفِ طَعَامِهِ فِي سُحُورِهِ اسْتِعْداداً لِلصِّيَامِ، مَاذَا ضَمَّتْ مَائِدَتُهُ tفِي تِلْكَ العَشِيَّةِ يَوْمَ نَوَى الصِّيَامَ؟، فَلْنُنْصِتْ لِـ (مَسْلَمَةَ) ابْنِ عَمِّهِ وَأَخِي زَوْجَتِهِ يُحَدِّثُنا عَنْ ذَلِكَ، فَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:

-دَخَلْتُ عَلَى (عُمَرَ) بَعْدَ الفَجْرِ، فِي بَيْتٍ كَانَ يَخْلُو فِيهِ بَعْدَ الفَجْرِ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِ أَحَدٌ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ بِطَبَقٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ - وَكَانَ يُعْجِبُهُ التَّمْرُ - فَرَفَعَ بِكَفِّهِ مِنْهُ فَقَالَ:

-يَا (مَسْلَمَةُ)! أَتَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ هَذَا، ثُمَّ شَرِبَ عَلَيْهِ الماءَ - فَإِنَّ الماءَ عَلَى التَّمْرِ طَيِّبٌ - أَكَانَ يَجْزِيهِ إِلَى اللَّيْلِ؟.

قُلْتُ: لا أَدْرِي.

فَرَفَعَ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ وَقَالَ: فَهَذَا؟.

قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ، كَانَ كَافِيَهُ دُونَ هَذَا، حَتَّى مَا يُبَالِي أَلاَّ يَذُوقَ طَعَاماً غَيْرَهُ.
قَالَ: فَعَلامَ نَدْخُلُ النَّارَ؟.

قَالَ (مَسْلَمَةُ): فَمَا وَقَعَتْ مِنِّي مَوْعِظَةٌ مَا وَقَعَتْ هَذِهِ.

هَذَا طَعَامُ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ وَقْتَ سُحُورِهِ، التَّمْرُ.. بَلِ القَلِيلُ مِنَ (التَّمْرِ)، وَيَخْشَى أَنْ يُدْخِلَهُ الكَثِيرُ مِنْهُ فِي زُمْرَةِ المبَذِّرِينَ الَّذِينَ هُمْ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ.

وَلْنُنْصِتِ الآنَ لِـ (نُعَيْم ِبْنِ سَلامَةَ ) خَاشِعِينَ مُتَعَجِّبِينَ حَيْثُ يَقُولُ:

-دَخَلْتُ عَلَى (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ ثُوماً مَسْلُوقاً بِزَيْتٍ وَمِلْحٍ.
وَقَالَ (مَسْلَمَةُ) لِـ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ):

- يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ أَمَا تَمَلُّ الخَلَّ وَالزَّيْتَ؟.

قَالَ: إِذَا مَلَلْتُهُما تَرَكْتُهُمَا حَتَّى أَشْتَهِيَهُمَا.

بَعْدَ هَذَا.. أَغَرِيبٌ أَنْ نَتَعَجَّبَ؟. هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُسِطَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ النَّعْمَاءُ مِنْ أَرْبَعِ جِهَاتِ الأَرْضِ فَوَلَّى ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهْرَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى مَوْلاهُ، كَانَ إِلَى الأَمْسِ القَرِيبِ مِنْ أَكْثَرِ الفِتْيَانِ بَذْخاً وَتَرَفاً، فَقَدْ حَدَّثَ (عَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ) عَنْ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) tقَالَ: رَأَيْتُهُ بِالمَدِينَةِ وَهُوَ أَحْسَنُ النَّاسِ لِباساً، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحاً، وَهُوَ أَخْيَلُ النَّاسِ فِي مِشْيَتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَمْشي مِشْيَةَ الرُّهْبَانِ، فَمَنْ حَدَّثَكَ بَعْدَ (عُمَرَ) أَنَّ المِشْيَةَ سَجِيَّةٌ فَلا تُصَدِّقْهُ.

هَلْ بَلَغَكَ نَبَأُ (المِشْيَةِ العُمَرِيَّةِ) يَا سَيِّدي؟، لا تَذْهَبَنَّ بِكَ الظُّنُونُ بَعِيداً، إِنًّ هَذِهِ المِشْيَةَ الشَّهِيرَةَ مَا هِيَ إِلاَّ مِشْيَةُ الفَتَى الأُمَوِيِّ المدَلَّلِ، أَشَجِّ قُرَيْشٍ، لِحُسْنِها وَجمَالِهَا وَتَفَرُّدِها سَمَّاهَا النَّاسُ (العُمَرِيَّةَ)، وَكَانَتِ الغَوَانِي المنَعَّمَاتُ مِنْ حِسَانِ المدِينَةِ يَجْهَدْنَ فِي تَعَلُّمِها، وَيُقَلِّدْنَهُ فِيها.

كَانَ يُعْمَلُ لَهُ ثَوْبُ الخَزِّ بِمِائَةِ دِينارٍ فَيَسْتَخْشِنُهُ، وَيَقُولُ:

-مَا أَحْسَنَهُ لَوْلا خُشُونَةٌ فِيهِ.

فَفِي هَذَا المعْرِضِ حَدَّثَ (رَبَاحُ بْنُ عُبَيْدَةَ) قَالَ:

-كُنْتُ أَتَّجِرُ فَقَالَ لِي (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ)t: يَا (رَبَاحُ) اتَّخِذْ لِي كِسَاءَيْنِ خَزّاً أَتَّخِذْ أَحَدَهُمَا مِحْبَساً[16]، وَالآخَرَ شِعَاراً [17].

فَصَنَعْتُهُمَا لَهُ بِالبَصْرَةِ، فَلَمْ آلُ [18]، ثُمَّ قَدِمْتُ بِهِمَا فَأَمَرَ بِقَبْضِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ[19]، فَقَالَ لِي:

-يَا رَبَاحُ! مَا أَجْوَدَ ثَوْبَيْكَ لَوْلا خُشُونَةٌ فِيهِمَا.

فَلَمّا اسْتُخْلِفَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) أَمِيراً لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ لِي: يَا (رَبَاحُ) اتَّخِذْ لِي مِنْ هَذِهِ الجِبَابِ الهَرَوِيَّةِ [20]  لَّتِي فِيهِنَّ صِغَرٌ أَثْوَابَ عَمَلٍ.

فَاشْتَرَيْتُ لَهُ ثَلاثَ شِقَقٍ فَقَطَعْتُ مِنَ الثَّلاثِ جُبَّتَيْنِ خَشِنَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِمَا إِلَيْهِ فَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ لِي:

-يَا (رَبَاحُ)! مَا أَجْوَدَ ثَوْبَيْكَ لَوْلا لِينٌ فِيهِمَا.

فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ الأَوَّلَ وَقَوْلَهُ الآخِرَ.

وَكَانَ أَبُوهُ (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ) قَدْ بَعَثَ بِهِ فِي مُقْتَبِلِ عُمُرِهِ إِلَى (المَدِينَةِ) يَتَأَدَّبُ بِها، فَكَتَبَ إِلَى مُؤَدِّبِهِ (صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بِأَنْ يَتَعَاهَدَهُ، فَكَانَ (صَالِحٌ) يُلْزِمُ (عُمَرَ) بِالصَّلَواتِ، فَأَبْطَأَ يَوْماً عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟.
قَالَ: كَانَتْ مُرَجِّلَتِي تُسَكِّنُ شَعْرِي [21].

فَقَالَ صَالِحٌ: أَبَلَغَ مِنْكَ حُبُّكَ تَسْكِينَ شَعْرِكَ أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى الصَّلاةِ؟.

فَكَتَبَ (صَالِحٌ) إِلَى (عَبْدِ العَزِيزِ) بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ (عَبْدُ العَزِيزِ) رَسُولاً، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى حَلَقَ شَعْرَهُ.

وَكَانَ حُسَّادُهُ لا يَجِدُونَ فِيهِ إِلاَّ شَيْئَيْنِ يُعِيبَانِهِ فِيهِما، هُمَا الإِفْرَاطُ فِي النِّعْمَةِ، وَالاخْتِيَالُ فِي المِشْيَةِ، وَلَوْ كَانُوا يَجِدُونَ ثَالِثاً لَجَعَلُوهُ مَعَهُما.

وَمَا كَانَتْ عُطُورُ الجَزِيرَةِ وَلا عُطُورُ اليَمَنِ، وَلا عُطُورُ الشَّامِ وَلا العِرَاقَيْنِ وَلا سِوَاهَا مِنَ العُطُورِ، بِالَّتِي تَنَالُ رَضَا الفَتَى الأُمَوِيِّ، فَكَانَ يُؤْتَى لَهُ العِطْرُ مِنَ الهِنْدِ، أَجَلْ مِنَ الهِنْدِ نَفْسِها يُحْمَلُ إِلَيْهِ وَحْدَهُ أَنْفَسُ الطِّيبِ وَأَغْلاهُ، فَكَانَ إِذَا عَبَرَ مَكاناً تَضَوَّعَ عِطْرُهُ الَّذِي اشْتُهِرَ بِهِ مِنْ بَيْنِ عِبَادِ اللهِ طُرّاً، عَرَفَهُ كُلُّ مَنْ شَمَّ رِيحَ طِيبِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ، وَأَشْرَافُ المدِينَةِ يَرْشُونَ الغَسَّالَةَ الَّتي تَغْسِلُ لَهُ ثِيَابَهُ، لِتَجْعَلَ ثِيَابَهُمْ مَعَ ثِيَابِهِ وَقْتَ غَسِيلِها، لِيَسْرِيَ إِلَى ثِيَابِهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَرِيجِ ثِيَابِهِ.

وَلَكِنْ... مَا إِنْ وَجَدَ نَفْسَهُ tيَتَرَبَّعُ أَعْلَى عَرْشٍ فِي مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهِيَ إِمَارَةُ المؤْمِنِينَ، خِلافَةُ رَسُولِ اللهِ rوَكَانَتْ دَوْلَتَا الفُرْسِ وَالرُّومِ قَدْ دَالَتا [22]  حَتَّى وَقَفَ يَتَأَمَّلُ نَفْسَهُ، وَيَتَأَمَّلُ مَا حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً يَمْلأُ العَيْنَ، فَكُلُّ مَا رَآهُ صَائِرٌ إِلَى زَوَالٍ، وَثَمَّةَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ سَاطِعَةٌ لا يَسَعُهُ تَجَاهُلُهَا أَوِ التَّصَامُمُ عَنْ نَدائِها، هِيَ (مَسْؤُولِيَّتُهُ) أَمَامَ اللهِ عَنْ هَذِهِ البُقْعَةِ الوَاسِعَةِ مِنْ أَرْضِ اللهِ، الَّتِي يَقْطُنُها عِبَادُ اللهِ، هَذِهِ (المسْؤُولِيَّةُ) أَلْقَتْ بِكُلِّ ثِقَلِها عَلَى رُوحِهِ، فَأَنْسَتْهُ نَفْسَهُ، أَنْسَتْهُ النِّعْمَةَ الَّتِي كَانَ يَتَقَلَّبُ فِيهَا، أَنْسَتْهُ أَطَايِبَ طَعَامِهِ، وَأَنَاقَتَهُ وَاهْتِمَامَهُ بِشَكْلِهِ وَخُيَلاءَهُ، فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى مَا هُوَ أَسْمَى وَأَرْفَعُ، تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الانْضِوَاءِ تَحْتَ لِوَاءِ عِبَادِ اللهِ المخْلَصِينَ، تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى رِضَا مَلِكِ الملُوكِ، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَكَرَّسَ حَيَاتَهُ لِمَمْلَكَةٍ لا تُبَارِيها مَمْلَكَةٌ مِنْ مَمَالِكِ الدُّنْيَا، هِيَ مَمْلَكَةُ خِدْمَةِ اللهِ وَخِدْمَةِ عِبَادِ اللهِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:

-إِنَّ لِي نَفْساً ذَوَّاقَةً تَوَّاقَةً،كُلَّمَا ذَاقَتْ شَيْئاً تَاقَتْ إِلَى مَا فَوْقَهُ، فَلَمْ تَزَلْ تَذُوقُ وَتَتُوقُ إِلَى أَنْ ذَاقَتِ الخِلافَةَ، فَتَاقَتْ إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ فَوْقَهَا، فَتَاقَتْ إِلَى مَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وَذَلِكَ لا يُنَالُ إِلاَّ بِتَرْكِ الدُّنْيَا.
وَأَخَذَ نَفْسَهُ بِالشِّدَّةِ وَالتَّقَشُّفِ، فَقَدْ قَالَ (عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ):

)-كَانَتْ نَفَقَةُ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) tكُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.

وَهذَانِ الدِّرْهَمَانِ –فِي تِلْكَ الأَيَّامِ- لا يَسُدَّانَ نَفَقَةَ أَبْسَطِ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنْدِهِ، حَتَّى أَثَّرَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ وَمَظْهَرِهِ؛ فَكَانَ أَحَدُ حُرَّاسِهِ يَقُولُ:

- رَأَيْتُ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) tحِينَ وُلِّيَ وَبِهِ مِنْ حُسْنِ اللَّوْنِ وَجُودَةِ الثِّيابِ وَالبِزَّةِ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ وَقَدْ وُلِّيَ فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَرَقَ وَاسْوَدَّ وَلَصِقَ جِلْدُهُ بِعَظْمِهِ، حَتَّى لَيْسَ بَيْنَ الجِلْدِ وَالعَظْمِ لَحْمٌ.

وَحَدَّثَ (أَبُو يُونُسَ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ) قَالَ: شَهِدْتُ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) tوَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، وَإِنَّ حُجْزَةَ إِزَارِهِ [23]  لَغَائِبَةٌ فِي عُكَنِهِ  [24]، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا اسْتُخْلِفَ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ أَضْلاعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَمَسَّهَا لَفَعَلْتُ.

وَقَالَ (مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ): لَمَّا اسْتُخْلِفَ (عُمَرُ) بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا بِالمدِينَةِ، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظَراً لا أَصْرِفُ بَصَرِي عَنْهُ تَعَجُّباً، فَقَالَ:
-
يَا (ابْنَ كَعْبٍ)! إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَراً مَا كُنْتَ تَنْظُرُهُ.

قُلْتُ: تَعَجُّباً.

قَالَ: مَا أَعْجَبَكَ؟.

قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ أَعْجَبَنِي مَا حَالَ مِنْ لَوْنِكَ، وَنَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ، وَنَفَشَ مِنْ شَعْرِكَ.
قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ثَلاثٍ، وَقَدْ دُلِّيتُ فِي حُفْرَتِي...كُنْتَ لِي أَشَدَّ إِنْكَاراً.

وَقَالَ (مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ): يَقُولُونَ: "مَالِكٌ زَاهِدٌ"، أَيُّ زُهْدٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ جُبَّةٌ وَكِسَاءٌ؟!؛ إِنَّما الزَّاهِدُ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tأَتَتْهُ الدُّنْيَا فَاغِرَةً فَاهَا، فَتَرَكَها جُمْلَةً.

وَحَدَّثَ (سَعِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ) أَنَّ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) t أَخَّرَ الجُمُعَةَ يَوْماً عَنْ وَقْتِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَالُوا لَهُ: أَخَّرْتَ الجُمُعَةَ اليَوْمَ عَنْ وَقْتِكَ؟.
قَالَ: إِنَّ الغُلامَ ذَهَبَ بِالثِّيَابِ يَغْسِلُهَا، فَحُبِسَ بِهَا.

فَعَرَفَ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا؛ ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الجُمُعَةَ، وَجَلَسَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعُ الجَيْبِ[25] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
-
يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ! إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَاكَ... فَلَوْ لَبِسْتَ.

فَنَكَّسَ مَلِيّاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:

-أَفْضَلُ القَصْدِ عِنْدَ الجِدَةِ [26]، وَأَفْضَلُ العَفْوِ عِنْدَ المقْدِرَةِ.

وَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى قَمِيصٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ إِذَا غَسَلُوهُ جَلَسَ فِي المنْزِلِ حَتَّى يَيْبَسَ.

وَقَالَ (رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ): كَانَ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) tمِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَلْيَنِهِمْ وَأَعْلَمِهِمْ وَأَجْمَلِهِمْ فِي مِشْيَتِهِ وَلُبْسِهِ، وَلَمَّا اسْتُخْلِفَ قُوِّمَتْ ثِيَابُهُ وَعِمَامَتُهُ وَقَمِيصُهُ وَقَبَاؤُهُ [27]  وَخُفَّاهُ وَرِدَاؤُهُ، وَسَراوِيلُهُ وَقَلَنْسُوَتُهُ  [28]، فَإِذَا هُنَّ يَعْدِلْنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً.

كَانَ رَحِمَهُ اللهُ – قَبْلَ أَنْ يَتَبَوَّأَ كُرْسِيَّ الخِلافَةِ – وَاضِحَ الدِّلِّ وَالتَّنَعُمِّ، وَلا أَظُنُّنِي أَظْلِمُهُ إِذَا قُلْتُ إِنَّهُ كَانَ لا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ مِنَ الكِبْرِ قَدْ يَكْثُرُ أَوْ يَقِلُّ، فَقَدْ كَانَ يُرْخِي ثَوْبَهُ عَلَى عَادَةِ فِتْيَانِ ذَلِكَ العَهْدِ، وَبِخَاصَّةٍ أَبْنَاءُ تِلْكَ الفِئَةِ الحَاكِمَةِ المتْرَفَةِ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الثَّوْبُ فِي نَعْلِهِ وَهُوَ يَمْشِي، فَيَشُدُّهُ حَتَّى يَتَقَطَّعَ، وَيَأْنَفُ أَنْ يَنْحَنِيَ لِيَنْتَزِعَهُ، وَقَدْ يَسْقُطُ الرِّدَاءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فِي عُرْضِ الطَّرِيقِ، فَيَمْضِي وَلا يَرْفَعُهُ، حَتَّى يَجِيءَ مَنْ يأخُذُهُ، وَقَدْ يَزِيدُ ثَمَنُهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ.

وَالآنَ.. فَلا.. وَأَلْفُ لا، ذَاكَ عَهْدٌ قَدِ انْقَضَى، وَلَمْ يَكْتَفِ t بِأَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ هَذَا النَّهْجَ مِنَ الانْصِرَافِ عَنْ بَهْرَجَةِ المظْهَرِ، بَلْ فَرَضَ ذَلِكَ عَلَى ذَوِيهِ أَيْضاً، فَقَدْ مَرَّ بِنَا سَابِقاً كَيْفَ خَلَعَ حَلْيَ زَوْجَتِهِ (فَاطِمَةَ) وَبَعَثَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المالِ، و(فَاطِمَةُ) مَا أَدْرَاكَ مَا فَاطِمَةُ؟ سَلِيلَةُ الخُلَفَاءِ، فَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيها الشَّاعِرُ:

بِنْتُ الخَلِيفَةِ، وَالخَلِيفَةُ جَدُّهَا = أُخْتُ الخَلائِفِ، وَالخَلِيفَةُ زَوْجُهَا 

 

فَلَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ تَسْتَحِقُّ هَذَا البَيْتَ مِنَ الشّعر إِلَى يَوْمِنَا هَذَا غَيْرَهَا.

وَكَانَ يُوسِعُ عَلَى عُمَّالِهِ فِي النَّفَقَةِ، يُعْطِي الرَّجُلَ مِنْهُمْ فِي الشَّهْرِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَمِائَتَيْ دِينَارٍ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ: أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فِي كِفَايَةٍ تَفَرَّغُوا لأَشْغَالِ المسْلِمِينَ.

فَقَالُوا لَهُ: لَوْ أَنْفَقْتَ عَلَى عِيَالِكَ كَمَا تُنْفِقُ عَلَى عُمَّالِكَ؟.

فَقَالَ: عِيَالِي لا أَمْنَعُهُمْ حَقّاً لَهُمْ، وَلا أُعْطِيهِمْ حَقَّ غَيْرِهِمْ.

لِهَذَا لَمْ يَكُنْ عِيَالُهُ tبِمَنْجًى عَنِ الشِّدَّةِ الَّتِي إِلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِها، فَقَدْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ يُقَالَ لَهَا (أَمِينَةُ) فَدَعَاهَا يَوْماً:

-يَا أَمِينُ! يَا أَمِينُ!

فَلَمْ تُجِبْهُ، فَأَمَرَ إِنْسَاناً فَجَاءَ بِهَا، فَقَالَ:

-مَا مَنَعَكِ مِنْ أَنْ تُجِيبِيني؟.

قَالَتْ: إِنِّي عَارِيَةٌ.

فَقَالَ: يَا مُزَاحِمُ! انْظُرْ تِلْكَ الفُرُشَ الَّتِي فَتَقْنَاهَا، فَاقْطَعْ لَهَا مِنْهَا قَمِيصاً.
فَقَطَعَ مِنْهَا قَمِيصاً، فَذَهَبَ إِنْسَانٌ إِلَى أُمِّ البَنِينَ عَمَّتِهَا، فَقَالَ:

-بِنْتُ أَخِيكِ عَارِيَةٌ وَأَنْتِ عِنْدَكِ مَا عِنْدَكِ؟!.

فَأَرْسَلَتْ إِلَيْها بِتَخْتٍ [29]  مِنَ الثِّيَابِ، وَقَالَتْ لَهَا:

-لا تَطْلُبِي مِنْ (عُمَرَ) شَيْئاً.

*                                                          

وَقَدْ بَلَغَهُ tأَنَّ ابْناً لَهُ اشْتَرَى فَصّاً [30] بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ فَتَخَتَّمَ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
-
عَزِيمَةً مِنِّي إِلَيْكَ لَمَا بِعْتَ الفَصَّ الَّذِي اشْتَرَيْتَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَتصَدَّقْتَ بِثَمَنِهِ، وَاشْتَرَيْتَ فَصّاً بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، وَنَقَشْتَ عَلَيْهِ  (رَحِمَ اللهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَهُ وَالسَّلامُ).

مَا أَخْوَفَكَ مِنَ اللهِ يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ، يَا قُدْوَةَ الأُمَراءِ الصَّالِحِينَ، يَا أُسْتَاذَ الزَّاهِدينَ، لَكِنَّ مَذْهَبَكَ هَذَا لا رَيْبَ سَيُثِيرُ عَلَيْكَ حَفِيظَةَ أُنَاسٍ كَثِيرِينَ، فَقِيلَ إِنَّ بَعْضَ بَني أُمَيَّةَ قَدْ تَبَرَّمُوا بِهِ؛ لِكَوْنِهِ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَانْتَزَعَ كَثِيراً مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ قَدْ أَهْمَلَ التَّحَرُّزَ، فَدَسُّوا لَهُ غُلاماً سَقَاهُ السُّمَّ، ثُمَّ دَعَا (عُمَرُ) tالغُلامَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ:

- وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَسْقِيَنِي السُّمَّ؟.

قَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ أُعْطيتُهَا، وَعَلَى أَنْ أُعْتَقَ.

قَالَ عُمَرُ: هَاتِهَا.

فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ مَالِ المسْلِمِينَ، وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لا يَرَاكَ أَحَدٌ.

وَيَسْتَلْقِيtعَلَى فِراشٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، يُضِيءُ عَلَيْهِ سِرَاجٌ عَلَى ثَلاثِ قَصَبَاتٍ، فَوْقَهُنَّ طِينٌ، مُوقِناً أَنَّهُ يَخْطُو أُولى خُطُواتِهِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ، قَالَ (مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الملِكِ):

-دَخَلْتُ عَلَى (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الملِكِ - وَهِيَ أُخْتِي- جَالِسَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا رَأَتْنِي تَحَوَّلَتْ وَجَلَسَتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَجَلَسْتُ أَنَا عِنْدَ رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسِخٌ مُخَرَّقُ الجَيْبِ، فَقُلْتُ لَهَا:

-يَا فَاطِمَةُ! اِغْسِلُوا قَمِيصَ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ، أَوْ بَدِّلُوهُ لَهُ.

فَقَالَتْ: نَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَغِبْتُ عَنْهُمْ لِبَعْضِ شَأْني ثُمَّ عُدْتُ مِنَ الغَدِ، فَإِذَا بِالقَمِيصِ عَلَى حَالِهِ، فَقُلْتُ لَهَا:

-يَا فَاطِمَةُ! أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا قَمِيصَ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ؟! فَإِنَّ النَّاسَ يَعُودُونَهُ.
فَسَكَتَتْ، فَقَالَ (مَسْلَمَةُ) لأُخْتِهِ:

-نَاوِلِينِي قَمِيصاً سِوَى هَذَا، حَتَّى نُلْبِسَهُ أَمِيرَ المؤْمِنينَ، فَإِنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَعَدْتُ القَوْلَ عَلَيْهَا مِرَاراً حَتَّى غَلَّظْتُ، فَقَالَ عُمَرُ t:

-دَعْهَا يَا مَسْلَمَةُ، فَمَا أَصْبَحَ وَلا أَمْسَى لأَمِيرِ المؤْمِنينَ ثَوْبٌ غَيْرُ الَّذِي تَرَى عَلَيْهِ.

هَذَا الاعْتِرَافُ مِنَ الزَّوْجِ شَجَّعَ الزَّوْجَةَ، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَالَهُ قَمِيصٌ غَيْرُهُ.
لِلَّهِ مَا أَرْوَعَ هَذِهِ النَّفْسَ السَّامِيَةَ، مَا أَرْوَعَ أَخْلاقًا جَعَلَتْ حَاكِماً مَلَكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَلْبَسَ الحَرِيرَ، وَيَأْكُلَ العَسَلَ المشُورَ [31]، وَيَكْفِيهِ أَنْ يُشيرَ بِإِصْبَعِهِ حَتَّى تُحْمَلَ إِلَيْهِ الدُّنْيَا بِما حَوَتْ لِيَخْتَارَ مِنْهَا مَا يَحْلُو لَهُ، أَخْلاقاً جَعَلَتْ صَاحِبَها يَكْتَفِي مِنْ دُنْيَاهُ بِقَمِيصٍ وَاحِدٍ لا يَجِدُ مَا يَلْبَسُهُ إِنْ هُوَ غَسَلَهُ.

أَلا إِنَّها مَدْرَسَةُ التَّوَاضُعِ، فَقَدْ كَانَ التَّوَاضُعُ مِنْ أَرْوَعِ أَخْلاقِهِ وَأَدَبِهِ tوَمِنْ أَمْثِلَتِهَا فِيهِ - وَهِيَ جَمَّةٌ - عِنْدَمَا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُوصِيَ بِدَفْنِهِ إِلَى جَانِبِ رَسُولِ اللهِ  rوَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما، فَقَالَ:

- وَاللهِ لأَنْ يُعَذِّبَنِيَ اللهُ بِكُلِّ عَذَابٍ إِلاَّ النَّارَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ اللهُ مِنِّي أَنِّي أَرَى نَفْسِي أَهْلاً لِهَذَا الموْضِعِ.

رَحِمَكَ اللهُ يَا (عُمَرُ)، يَا خامِسَ الخُلَفَاءِ الرَّاشدِينَ.. يَا مَدْرَسَةَ الصَّالِحينَ، وَعَمِيدَ الزَّاهِدينَ.

انتهت

 

[1]-الصَّادِي: العَطْشَانُ.

[2]- المَكْدُودُ: المرْهَقُ فِي العَمَلِ.

[3]-يَعُسُّ: يَطُوفِ فِي اللَّيْلِ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ.

[4]-المَلأُ: العَلَنُ، الأَشْهَادُ، عَلَى مَرْأَى مِنَ النَّاسِ.

[5]- النَّزْرُ: القَلِيلُ التَّافِهُ.

[6]- رَمَحَتْهُ: رَفَسَتْهُ، ضَرَبَتْهُ بِرِجْلِها.

[7]- أَقِيلُ: (مِنْ بَابِ: بَاعَ) أَنَامُ القَيْلُولَةَ, وَهِيَ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ.

[8]- أَخْلِنِي: أَخْرِجْ مَنْ فِي المجْلِسِ، لأَكُونَ فِي خَلْوَةٍ مَعَكَ.

[9]- الشَّآبِيبُ: جَمْعُ (الشُّؤْبُوبِ) وَهِيَ الدُّفْعَةُ مِنَ المطَرِ.

[10]- ضَبْعَيْهِ: الضَّبْعُ: العَضُدُ، مَا بَيْنَ الإِبْطِ وَنِصْفِ العَضُدِ مِنْ أَعْلاهَا، وَالجَمْعُ (أَضْبَاعٌ).

[11]- طَفُّ الفُرَاتِ: مَوْضِعٌ بِنَاحِيَةِ الكُوفَةِ فِي العِرَاقِ، وَأُضِيفَ إِلَى الفُرَاتِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ.

[12]- لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ: لا يَغِيبُ أَوْ يَخْفَى.

[13]- الغَارِمُونَ: الَّذِينَ غَلَبَتْهُمْ دُيُونُهُمْ فَلَم يَقْدِرُوا عَلَى سَدَادِهَا.

[14]- أَيْنَ النَّاكِحُونَ: كَانَ tيُعِينُ مِنْ بَيْتِ المالِ الشَبَابَ العُزَّابَ الفُقَرَاءَ عَلَى الزَّوَاجِ، لإِحْصَانِهِمْ.

[15]- النُّمِّيَّةُ: الفَلْسُ، وَالفُلُوسُ كَانَتْ تُبَاعُ حِينَئِذٍ سِتِّينَ بِدِرْهَمٍ، وَالعِنَبُ رِطْلَيْنِ بِفَلْسٍ، وَإِنَّمَا رُخْصُ العِنَبِ لأَنَّ (عُمَر)  tمَنَعَهُمُ العَصِيرَ.

[16]- المِحْبَسُ: قُمَاشٌ يُطْرَحُ عَلَى ظَهْرِ الفِرَاشِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ

[17]- الشِّعَارُ: ثَوْبٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيَابِ مُلامِساً اللَّحْمَ.

[18]- فَلَمْ آلُ: أَيْ لَمْ أَدَّخِرْ جُهْداً فِي تَحْسِينِهَا وانْتِقَاءِ قُمَاشٍ حَسَنٍ لِصُنْعِهَا..

[19]- غَدَوْتُ عَلَيْهِ: بَكَّرْتُ إِلَيْهِ.

[20]- الهَرَوِيَّةُ: الثِيَابُ المصْنُوعَةُ فِي (هَرَاةَ)، وَهِيَ بَلْدَةٌ فِي خُرَاسَان أَوْ فِي فَارِسَ.

[21]- مُرَجِّلَتِي تُسَكِّنُ شَعْرِي: مَاشِطَتِي تُسَرِّحُ لِي شَعْرِي.

[22]- دَالَتْ دَوْلَةُ فُلانٍ: انْتَهَى عَهْدُهَا وَتَحَوَّلَتْ إِلَى سِوَاهُ.

[23]- حُجْزَةُ الإِزَارِ: مَعْقِدُهُ فِي وَسَطِ الإِنْسَانِ. وَحُجْزَةُ السَّراوِيلِ: مَوْضِعُ التِّكَّةِ مِنْها.

[24]- العُكَنُ: جَمْعُ (العُكْنَةِ): وَهِيَ الطَّيَّةُ الَّتِي فِي البَطْنِ مِنَ السِّمَنِ.

[25]- جَيْبُ الثَّوْبِ: الفُتْحَةُ حَيْثُ يُدْخِلُ مِنْهَا اللاَّبِسُ رَأْسَهُ لِيَلْبَسَهُ.

[26]- أَفْضَلُ القَصْدِ عِنْدَ الجِدَةِ: خَيْرُ الاعْتِدالِ وَالاقْتِصَادِ فِي النَّفَقَةِ مَا كَانَ عِنْدَ الغِنَى.

[27]- القَبَاءُ: ثَوْبٌ يُلْبَسُ.

[28]- القَبَاءُ: ثَوْبٌ يُلْبَسُ.

[29]- التَّخْتُ: وِعَاءٌ تُصَانُ فِيهِ الثِّيَابُ، جَمْعُهُ: (تُخُوتٌ). العَسَلُ المشُورُ: الخَالِصُ، المصَفَّى مِنْ شَمْعِهِالقَلَنْسُوَةُ: نَوْعٌ مِنْ الأَلْبِسَةِ تُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ.

[30]-الفَصُّ: الخَاتَمُ يُجْعَلُ فِي الإِصْبَعِ.

[31]- العَسَلُ المشُورُ: الخَالِصُ، المصَفَّى مِنْ شَمْعِهِ.

 

 


من كتاب:

قصص من تاريخنا

تأليف: أحمد عكاش

منشورات: دار الإرشاد - حمص - سورية

  • عقاب الحمصي | 2012-08-28
    عمر بن عبد العزيز اشج بني امية والمللقب ب خامس الخلفاء الراشدين وحفيد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يبقى فقيرا في زمنه كانوا يدورون في اموال الزكاة في البلاد فلا يجدوون من ياخذها فالناس مكتفية وفي رغد من العيش فقال لهم اشتروا بها طعاما وانشروها على رؤووس الجبال كي لايقال جاع طير في  بلاد المسلمين .
  • طيف امرأه | 2012-05-30
    أيها الاستاذ الراقي ...
    لن يكون هنا رد لي على قصتك بل على ردك الذي وضعته في صفحتي
    موقنة انه قد لا تزورها ثانية فاردت ان اعرضها لك هنا بعدما رايت من روعة حرفك بكل مقالاتك
    ساضع الرد على ردك ثم اتابع المسير في رياض الحروف في مكتبتك البهيه
    لسيد الفاضل والراقي
    احمد عكاش
    قرات تلك اجمانات التي كتبت في ردك ,,, لم يسوءها تلك التلاصقات فقد تعودت على ان افك الحروف المتلاصقه بسبب الجهاز او الاخطاء في التحويل من خط الى اخر في الطباعه وهذا يسبب لنا جميعا الاحراج ولم  اجد اي غضاضة بقراءة سطورها فقد كنت سيدي غاية في الكرم والعطف كاستاذ يمدح تلاميذه فانتم لنا من المعلمين جهابذة  اللغة العربية الاصيلة الاصيلة والرفيعة المنتقاة بعناية وفطنة ..
     ولن اقول الا انني سررت وبكت عيني لتلك الكلمات النقية الدافئه فنحن لا نزال اطفالا في هذا المجال امامكم او امام اي استاذ هنا بورك بكم سيدي واسعدكم وجعلكم في عليين
    انتم اؤلئك المعلمين الممتلكين منارة اللغة فينير لنا ليل هذا الخضم من لغة قد يئست ان تكون ذات  يوم على مرفأ الامن
    بورك بعطاءكم وزادكم نعمة ورضى من المولى الكريم ويشرفني سيدي ان تكون اول المارين بتلك الكلمات التي تعتبر تاجا لي على حرف لا يزال يتثاءب
    طيف بخالص التقدير والامتنان والاعجاب لاستاذها الكريم
    بورك بكم دوما وابدا

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق