]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(قزحل ) قريتي عجوز متصابية

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-05-27 ، الوقت: 19:25:46
  • تقييم المقالة:

 

 

(قزحل)

                              قريتي عجوزٌ مُتَصابِيَةٌ      بقلم: أحمد عكاش

 

       ما أظنُّكَ تعرفُ قريتي يا سيّدي، فهيَ أقلُّ شُهرةً منْ أنْ يعرفَها الّذينَ لا يقطُنونَ في القُرى المجاورةِ لها، وهيَ أيضاً أصغرُ منْ أن تُثْبِتَ موْقعَها الخرائطُ الطُّبُغرافيّةُ، معَ أنَّ مِساحةَ أراضيها مُمتدّةٌ هكتاراتٍ شاسعةً على هاتيكَ الجبالِ الموطّأةِ، وعلى تلكَ السُّهُولِ المنبسطةِ، وعلى ذلكَ الوعْرِ الخَشِنِ الغنيِّ بالحجارةِ البازلتيّةِ السّوداءِ، فأرضُها تفترشُ بِقاعاً تَعْيا الطيُورُ الجوارحُ عن بلُوغِ غايتِها، فكيفَ لها أَنْ تقطعَ بُقعةً تحتَ الشّمسِ منْ قريةِ (التّنُّونةِ) غرباً، إلى مصفاةِ حمصَ جنوباً، إلى قرية ( الدّارِ الكبيرَةِ) شرقاً، إلى قريتيْ (الخُربةِ السّوداءِ) وَ (سِنيسلَ) شَمالاً ؟!. أجلْ يا سيّدي، هذه المِساحاتُ التي ينحسِرُ عنْ مداها البصرُ، هي أرضُ قريتي، أظنُّكَ عَرَفْتها الآنَ، إنّها قريةُ (قِزْحِلَ)، فَلَوْ أنّكَ انطلقْتَ بسيّارتِكَ منْ (حِمْصَ) أصيلَ يومِ صيْفٍ، ووَضعتَ الشّمسَ نِصْبَ عينيكَ في طريقِ (مِصْيافَ) فلنْ تلبَثَ أكثرَ منْ عشْرِ دقائقَ حتّى تبلُغَ جسراً يحملُ اسمَها (جِسرَ قِزْحلَ)، فبعدَ الجسرِ بقليلٍ سيفتَحُ لكَ ذِراعَيْهِ مُنْعطَفٌ على شِمالِكَ، إذْ تُطالعُكَ شَاخِصةٌ صغيرةٌ نُقشَ عليها اسمُ قريتي، وبعدَ أنْ تُسرّحَ نظرَكَ دقائَقَ خمساً في سُهولٍ ذاتِ تُربةٍ سوداءَ، ستجدُ نفسَكَ في (قِزْحِلَ).

 

هذهِ العَجُوزُ المتصابيةُ التي كانتْ بُيوتاتُها الحجريّةُ المطليّةُ بالطّينِ تُكلّلُ قُنَّةَ [1] تَلٍّ صغيرٍ ما يزالُ مُتعلّقاً بأذيالِ ثَوبِ أُمّهِ (جبالِ لُبنانَ الشّرْقِيَّةِ)، بدأتْ بُيوتاتُها تحبُو رُويْداً حيناً بعْدَ حينٍ في أربَعِ جهاتِ القريَةِ، فوقَ السُّهولِ المحيطةِ بهذا التّلِّ، فتراها الآنَ مَنثُورةً حولَ التّلِّ كما تتناثرُ الهَالَةُ حولَ القمرِ.

(قِزْحِلُ) عجوزٌ يا سيّدي، فهي قديمةٌ قديمةٌ، وُلدتْ في عهْدِ (الرّومانِ)، الّذينَ استوْطنُوا (سوريّةَ) رَدَحاً منَ الزّمنِ، وكانَتْ صبيّةً تُزْهى بحُسنِها، فهمُ الّذينَ شادوا بيُوتَها منَ الحجارَةِ المنحوتةِ، والأعمدةِ الصّخريّةِ العِملاقةِ، فآثارُهُمْ ما تزالُ ماثلةً في خرائبَ رومانيّةٍ في أحدِ أحياءِ القريةِ يُسمّيهِ الأَهلُونَ (الجَاغِلِّقْ) [2]، ولا نزالُ حتّى الآنَ نجهلُ معْنى هذا الاسمِ الغريبِ.

لِـ (قزحلَ) ميزَةٌ تُفاخرُ بها سِواهَا منَ القُرى، هيَ (نسيمُها) النّقيُّ العليلُ، ولا عجبَ في ذلِكَ، فالقريةُ تتّكئُ بظهْرِها إلى جبلٍ صخريٍّ مغطّىً بالخُضرةِ على كرِّ الفُصولِ، وهذا الجبلُ بدَوْرِهِ ينتهي بالبحْرِ المتوسّطِ، والبَحْرُ يمْتدُّ غرْباً إلى المحيطِ الأطلسِيِّ، فما عساكَ تقُولُ في نسْمةِ هواءٍ قبْلَ أَنْ تعبُرَ إليْكَ خَفَقَتْ بجناحيْها فوقَ المحيطاتِ والبِحارِ، وتهادتْ فوقَ الجبالِ الشّمِّ المُخْضَرَّةِ، فحمَلَتْ إليكَ في أحضانِها أريجَ أزاهِيرَ ونباتاتٍ شتّى؟. هلْ يبْقى فيها مِنَ الغُبارِ والرّوائِحِ ما يُستَكْرَهُ؟. ففي الأماسِي والعشِيَّاتِ – وبخاصّةٍ في ليالي الصّيفِ – تنعُمُ فيها بنسيمٍ مُعطّرٍ مُقطّرٍ كأنّما غادرَ لِتَوِّهِ إحْدى جِنانِ الأرْضِ.

ولعلَّ هذا (العطاءَ الإلَهيَّ) المتمثِّلَ في هذا النّسيمِ النّاعمِ هُوَ الّذي أغْرى الأميرَ العُثْمانيَّ (سِنانَ قِزْحِلَ) بأنْ يحطَّ رِحالَهُ في هذهِ القريَةِ، ويُقيمَ فيهَا إقامَةً لا يبْرَحُها حيّاً ولا ميّتاً، ففيها عاشَ عُمُرَهُ، وفِيها غادرَ إلى بارِئِهِ، وفي (جبّانَتِها) وُورِيَ الثّرى، وهاهُوَ ذا قبرُهُ ما يزالُ إلى الآنَ قائماً فيها قُبالةَ دارِ البلديّةِ، ولا غرْوَ أنَّ هذهِ القريَةَ حملَتِ اسمَ هذا الأميرِ العُثْمانيِّ الذي عاشَ زمنَ السُّلطانِ (سَليمٍ الأوَّلِ) بعدَ أنْ غادرَ الرُّومانُ إلى غيْرِ رجْعةٍ [3].

أهلُ هذهِ القريَةِ مِنْ عَشِيرةِ (التُّرُكْمَانِ)، وَالتُّرُكْمَانُ –كما ورَدَ فِي القَامُوسِ المحيطِ لِلفَيْرُوزَآبادِيِّ-: جيلٌ مِنَ التُرْكِ آمَنَ مِنهُمْ في شَهرٍ واحِدٍ مِائَتا ألْفٍ، فلُقِّبُوا بِـ (تُرْكُ إِيمانٍ)، ثُمَّ خُفِّفَ إلى (تُرْكُمانٍ) ثُمَّ صارَ: (تُرُكْمان).

إذا عاشرتَهُمْ زمناً فستكشِفُ أنَّهُمْ بُسطاءُ طيِّبونَ مُسالمونَ..، يميلونَ في مُجملِهِمْ إلى السّذاجةِ، حتّى في خُبثِهِمْ ومكرِهِمْ تراهُمْ يتخابَثُونَ في براءَةٍ، ويمْكرونَ في طِيبةٍ، وقَلَّما يصدمكَ أحدُهُمْ بالدَّهاءِ الّذي يَدَعُ الحلِيمَ حَيْرانَ، أوْ بالعِدائِيَّةِ التّي تنفُثُ في الآخرينَ سُمّاً زُعافاً لا بُرْءَ منهُ.

هَؤُلاءِ التُّرُكمانُ يا سيّدي فُقراءُ، يعتمدونَ في عيْشهِمْ على موسمٍ زراعيٍّ صيفيٍّ واحدٍ في العامِ كُلِّهِ، يقتصِرُ على القَمْحِ والشَّعيرِ والذُّرةِ البيْضاءِ، ويقتصرونَ في خُضارِهِمْ على (المِقْثاةِ) التِي يتفكّهونَ صيفاً بما فيها منَ القِثَّاءِ و(العَجُّورِ) [4]، وقليلاً مَا يُمهلونَهُ حتّى يَغدُوَ بِطِّيخاً، وقَدْ يزرعُونَ في نِطاقٍ ضَيِّقٍ (البندُورةَ) البَعليَّةَ وَ(القَرْعَ) لِنُدْرَةِ المِياهِ فِي أراضِيهِمْ، وما سوى ذلِكَ فهُمْ يَضْربُونَ في فِجاجِ الأَرضِ يعملُونَ أُجراءَ لينالُوا نافِلةً منْ مالٍ تسدُّ حاجتَهُمْ، وَأغْلبُ ظنّي أنَّ فقرَهُمْ هذا وراءَ ما يُذاعُ عن (بُخْلِهمْ)، فهمْ لا يَجدونَ في بُيُوتِهِمْ أوْ جُيُوبِهِمْ ما يُشجّعُهُمْ على التّرحيبِ بِالضَّيْفِ، أَوِ اسْتقبالِ الغرباءِ، عَلى أنَّكَ قَدْ تلْقَى فيهِمْ أُناساً نَغْمِطُهُمْ حقَّهُمْ إذا اكتَفَيْنَا فِي نعتِهِمْ بِقوْلنَا: (إنّهمْ كُرماءُ)، فهمْ ينتسبُونَ إلى الذِّروَةِ السّامقَةِ في الجُودِ، وحسْبُكَ بِـ (آلِ الصُّوفِي) مِثالاً شارداً في النَّدى والسّخاءِ.

مَا قُلتُ ما قُلْتُ في التُّرُكمانِ قدْحاً –لا سَمحَ اللهُ-، فحاشا لِمِثلي أنْ يَذُمَّ قوْمَهُ، لكنّي سارعْتُ إلى الإقْرارِ بهذِهِ المثْلَبَةِ حتّى أقطعَ السَّبيلَ أمامَ ذَوِي الإِحَنِ، وَالمتصَيِّدينَ في المِياهِ الآسنةِ.

فَقَدْ رَوَى لِي أَحدُهُمْ ممازِحاً، أنَّ ضيْفاً نزلَ بِقِزِحلاويٍّ [5] فِي الرَّبيعِ، فَصَبَّحَهُ بِـ (الحَويشِ)، وهُوَ طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنْ أَخْلاطٍ مِنَ النَّباتاتِ، وفِي الغَداءِ قَدَّمَ لَهُ (الحَويشَ) أَيضاً، وكَانَ (الحَويشُ) عَشَاءَهُ كذلِكَ، وَصَباحَ اليَوْمِ التَّالِي أكْرمَ القِزحْلاوِيُّ ضَيْفَهُ بِـ (الحويشِ) على عادتِهِ، فَما كَانَ مِنَ الضَّيْفِ إلاَّ أَنْ بادَرَ مُضِيفَهُ القَوْلَ:

-لماذا تُتْعِبُونَ أَنْفُسَكُمْ بِالطَّبْخِ؟! اُرْبطنِي بِحَبْلٍ وَخُذْني إلى أَحدِ حُقُولِكِمُ القَرِيبَةِ، وَأَنا أَرْعَى هُناكَ بِنَفْسِي.

يُشيرُ الضّيفُ بذلكَ إلى عادةِ الرّيفيّينَ في رَعْيِ بَهائِمِهمْ.

 

كَانَ لأهْلِ (قِزْحلَ) إلى عهْدٍ لَيْسَ بِالبَعيدِ، عِزٌّ وَأَيُّ عِزٍّ، وَسَطْوةٌ أَيَّةُ سَطوَةٍ، وَمَنَعَةٌ يُقرُّ لهمْ بها القَاصِي وَالدّانِي، وَما ذلكَ إلاَّ لأنّهم كانوا يداً واحدةً فِي السرّاءِ وَالضرّاءِ، وَأغْلبُ الظَّنِ أنّهمْ دَرجُوا عَلَى ذلكَ مُنْذُ نُعُومَةِ أظفارِهِمْ، فَقَدْ كَانُوا يجتمعُونَ فِي صِغَرِهِمْ فِتْياناً وفتياتٍ في (بُيُّوكْ ضَمَّاشْ) أيِ: السَّطْحِ الكَبِيرِ، وهُوَ سَطْحٌ كَبِيرٌ لِعِدَّةِ بُيُوتٍ مُتلاصِقَةٍ، يَجْتَمِعُ فيهِ فِتْيَانُ القَرْيَةِ مُعْظَمَ نَهارِهِمْ يَتَعارَفُونَ وَيَتصادَقُونَ وَيَتَمازَحُونَ وَيَخْتصِمونَ وَيتصَالَحُونَ، يَلْعبُونَ بِـ (الدُّحَلِ) وَمُكعّباتِ العَظْمِ [6]، فَيَرْبحونَ وَيَخسرونَ، حَتّى إذا عَضّهمُ الجوعُ بنابِهِ، عَادوا إلى بيوتهمْ ليأكُلوا ما يجدونَهُ ويعودوا مُسرعينَ إلى ناديهمُ اليَوميِّ (بُيُّوكْ ضَمَّاشْ)، فَإذا أسدلَ الظّلامُ عليهمْ سَتائرَهُ وَما عَادوا يروْنَ الدُّحَلَ، عَادوا إلى بيُوتهِمْ وقدْ هدَّهُمُ الإعياءُ.

(بُيُّوكْ ضَمَّاشْ - السّطْحُ الكَبيرُ)، هَذا النَّادِي البِدائِيُّ السّاذَجُ، هذا الملتقى الرّحبُ المجّانيُّ، أدّى دَوراً تَعْجِزُ (جَامعةُ الدُّوَلِ العربيّةِ) اليوْمَ عَنِ الاضطلاعِ بِهِ، نَجَحَ فِي جَمْعِ أهلِ القريةِ صغاراً، فتآلَفتْ قلوبُهمْ كباراً، زوّدهمْ بذكرياتٍ مُوحّدةٍ مُحبّبةٍ فِي مُقتبَلِ أعمارِهِمْ، فَتقاربتْ طُمُوحاتُهمْ ودُرُوبُ حياتهمْ فيما بقيَ منْ أعمارِهِمْ، فَلِتَآلُفِهِمْ هذا كانَ (القِزِحْلاوِيُّ) يحظى مِنْ مَعارفِهِ بمَهابَةٍ، فَلَيْتَ شِعري، أما إلى (بُيُّوكْ ضَمَّاشْ) جديدٍ منْ سبيلٍ؟.

 

شمالِيَّ القريةِ، وعلى بعدِ بضعةَ عشرَ متراً منها، كانَ ثمَّةَ حُفرةٌ كبيرةٌ طُولها عشراتُ الأمتارِ، وَعُمقُها يُقاربُ خمسةَ عشرَ مِتراً، تمتلئُ شتاءً بِالماء، فتَصيرُ مسبحاً لِلشّبابِ صيفاً، فينشؤونَ يُحسِنُونَ العَوْمَ وَيتفنّنونَ فِيهِ، فلا تَجدُ واحداً فيهِمْ يخشَى أَنْ يُقْحمَ نفسَهُ فِي الماءِ، وَلَو كانَ فِي البحرِ نفسِهِ.

وكانَ فِي مُنتصَفِ هَذا الرَّامِ (كما كانوا يُسمُّونَهُ)، صخرةٌ مُكعّبةُ الشَّكلِ، طُولُ ضلعِها مِتْرانِ تَقْريباً، فإذا ضَحِلَتِ المِياهُ فِي الرَّامِ، وشَرعَتْ تُنذِرُ بِالنُّضُوبِ، تبدو الصّخرةُ كالجزيرةِ وسطَ الماءِ [7]، يتنافسُ السّابِحونَ فِي احتلالها والوُقوفِ عليْها، فتدورُ حَولَها وفَوْقَها مَعارِكُ حَامِيةٌ، يكتسِبُ فيها المشارِكونَ قُوَّةَ الإرادةِ، وَشيمَةَ الدِّفاعِ عَنِ الحِمَى، فليْتَ شِعْري، هَلْ إلى ذلكَ (الرّامِ)، وَإِلى تلكَ الصّخرةِ (أَتَانِ الضَّحْلِ) مِنْ سبيلٍ؟!.

 

للهِ أنتِ يا (قِزْحِلُ)، كمْ كانَ أهلوكِ عُظماءَ، عُظماءَ فِي لُحْمتِهِمْ، عُظماءَ في تَعاوُنِهمْ، عُظماءَ في سُبُلِ عيشِهمْ، لله أنتِ يومَ كانَ أَحدُ رجالاتِكِ يعلو عَشِيَّةً سطْحاً مُشرِفاً من سُطوحِ بيُوتكِ، ويُؤَذِّنُ في النّاسِ أنَّ حصَادَ (الذُّرةِ البَيْضاءِ مَثلاً) يومَ غدٍ سيكونُ في الحقلِ الفُلانيِّ منْ حُقولِ القريةِ، وأنَّ الاجتماعَ للانْطلاقِ صباحاً سيكونُ قُربَ (الرّامِ)، أوْ في ساحَةِ القريَةِ، أوْ فِي..، فترى أهلَ القريَةِ يُرْهِفُونَ السّمعَ للنّداءِ، حتّى إذا ما بلغَهُمُ النِّداءُ راحُوا يتدَاولُونَ الخبرَ، ورقدُوا ليلتَهمْ وهُمْ عارفُونَ عملَهُمْ في اليومِ التّالِي، فإِذا انْبجسَ الفجرُ تسمعُ همهماتِهمْ تتوافدُ من كلِّ حَدَبٍ وصَوبٍ:

- صباحُ الخير – صباحُ الخيرِ – أَحَضَرَ فُلانٌ؟ - لماذا تأخّرَ علاّنُ إلى هذِهِ السّاعَةِ؟ - قدْ لا يأتي فُلانٌ اليَومَ لأنّهُ مريضٌ...

حتَّى إذا ادَّارَكَ النَّاسُ إلى الموْعدِ، يُنادي المنادي:

- أنِ اغدوا على حرثِكمُ الآنَ.

وينطلِقُ الموكِبُ فلا تسمعُ إلا ّضحكةً هنا، أو نداءً هناكَ، أو صلاةً على النَّبيِ هُنالكَ، أو تشَهُّداً من موضعٍ آخرَ، حتّى إذا بلغُوا الحقلَ المنشُودَ، وقفوا جميعاً أمامَهُ يتأمّلُونَ عناقيدَ الذُّرةِ شَاكرينَ اللهَ، فلا يَشرعُونَ بعملِهمْ إلاَّ بعدَ أنْ يطمئِنُّوا إِلى التِئامِ شَملِ الرَّكبِ كافّةً، ثُمَّ تأتي الإشارةُ منَ المسؤُولِ: أنِ انطلقوا..

أرأيْتَ قائدَ جيشٍ يُوعزِ إلى جُندِهِ أَنْ هَلُمّوا ؟!.

مثلُ ذَلكَ يكونُ منَ المسؤولِ، ومنَ الحَاصِدينَ؛ لقدِ انْطلقتْ شرارةُ المعركةِ.

للهِ أنتمْ يا أهلَ (قِزْحلَ)، هُمْ في أعمالِهمْ كلّها يتسابقُونَ ويتنافسونَ، لا لِشيْءٍ إلاَّ لِيزْهُوَ بعضُهمْ على بَعْضٍ (لَقَدْ سَبقْناكمْ)، لكنْ حينَ تَفْرُغُ عائِلةٌ مِنْ حصادِ حقْلِها، وتجمعُ أمتعتَها وتأخذُ سبيلَها آيبةً إلى القريةِ، مكدودةً عطْشى، ويمرُّ الموكبُ الصّغيرُ المرهَقُ بحقْلٍ لا يزالُ قائماً على سُنبلهِ، ويعرفُ الرّكبُ أنَّ صاحبَ هذا الحقلِ تأخّرَ في حصادِهِ إمّا لِكبرِ الحقلِ أوْ لِقلّةِ الحصَدَةِ، أو لأيّ علّةٍ أُخرى، حينَها ينسى المرهقُ إرهاقَهُ، ويتشاغلُ العطشانُ عنْ عطشِهِ، وذَوو الأعذارِ عنْ أعذارِهمْ، ويُقبلُ الجميعُ على حقْلِ جارِهِمْ حصاداً وجَمْعاً، فحبُّ الخيرِ يُنسيهِمْ تَعَبَهُمْ، والغَيْرةُ على مصلحةِ إخوانِهمْ تدعُوهُمْ إلى مُغالبةِ أهواءِ ذواتِهِمْ، ألَيْسَ هذا بربّكَ يا سيّدي في تلكَ الصّدُورِ أنفسَ منَ الذّهبِ والألْماسِ؟.

ألا تَتجلّى الإنسانيّةُ والإخاءُ في هذا أنقَى مِنَ الماءِ السّلسبيلِ في عينِ مَنْبعِهِ؟.

بمقدورِكَ الآنَ يا سيّدي أنْ تتخيّلَ مشاعرَ صاحبِ هذا الحقْلِ وهُوَ منكبٌّ على حصادِهِ يَرْفَضُّ بَدنُهُ كلُّهُ عرَقاً، يأخذُ الحَرُّ بهِ منْ كلِّ جانبٍ، لهفانُ يخشى أنْ تُداهمَهُ قُطعانُ الأغنامِ في كلِّ لحظةٍ، لِتغتالَ منْهُ ثمرَ حقْلِهِ، وعينُهُ ترى وأُذُنُهُ تسمَعُ، فهوَ يحثُّ مَنْ معَهُ على الإسراعِ في حصادِهمْ، يُسابقُ الرُّعاةَ الغازينَ، وفي غمرةِ انْهماكهِ وقدْ سُقِطَ في يَدِهِ، يرفعُ هامتَهُ فيرى أنَّ الأمرَ على غيرِ ما يظُنُّ، فهذا جارُهُ قُبالَتَهُ مدَّ لهُ يدَ العوْنِ وأسْعفَهُ، وإذا هُوَ مثْلُ جيرانِهِ أتمَّ حصَادَهُ، وسَلِمَ لَهُ موسِمُهُ لمْ يغرمْ منْهُ شيئاً، ولمْ يتخلّفْ عنهمْ في أوبتِهمْ إلى قريتِهمْ في ذلكَ الضُّحى.

 لكَ الآنَ يا سيّدي أنْ تتخيّلَ المشاعرَ التي تعتَلِجُ في الصُّدُورِ حينَ تقعُ تلكَ العُيُونُ في هاتيكَ العيُونِ، وحينَ تُصافحُ تلْكَ الأكفُّ هاتيكَ الأكفَّ.

 

في أتْراحِ أهلِ (قِزْحلَ) تَرى عَجَباً، فَالحُزنُ يلُفُّ الجميعَ دُونَ تمييزٍ، فكأَنَّ المصابَ مُصابُ الجميعِ، وكأَنَّ الفقيدَ فقيدُ الجميعِ، في حياتِهمُ المأْلُوفةِ قدْ تجدُ لِلفرْدِ الواحدِ مُحبّينَ وأنصاراً، وقدْ تجدُ لَهُ شَانِئينَ ومُناوئينَ، أمَّا المتوفَّى منهمْ فتكادُ لا ترى لَهُ إلاَّ مُتفجِّعاً مكروباً، داعياً لهُ بِالرّحمةِ والقَبُولِ، فكأَنَّ الموتَ يُطَهِّرُ الصُّدُورَ مِنْ أَوْضارِ الإِحَنِ، كأنَّ الموتَ سُلطانٌ يقُولُ لِلمُتَباغضينَ:

-كفاكمْ تدابُراً، وهلُمُّوا الآنَ لتَئِدوا هُنا ضَغائِنَكمْ، وَلِتُؤدُّوا للميّتِ حقَّهُ.

فتَرى بيتَ المتوفَّى لا يتَّسِعُ لِلمُعزّينَ، فإذا ما حُملَ على الأكتافِ تسابقَ الجميعُ لحمْلِهِ، وتنافسُوا في تشييعِهِ، هنا تصْفو القُلوبُ وتدمعُ العيُونُ، وتتصافحُ الأكفُّ، وتَلْهجُ ألْسِنَةُ الجميعِ بِالدُّعاءِ لِلميِّتِ بِالمغفرةِ، ولِذَويهِ بِالسُّلْوانِ، هُنا لا مكانَ للأَحقادِ، هنا لا وقْتَ لتصفِيَةِ الحِساباتِ، هنا المكانُ رحبٌ شَاسِعٌ فقطْ للحبِّ والتّعاونِ.

وفي المقبرةِ ترى شبابَ القريةِ جميعاً يتبارَوْنَ في السّعيِ لإعدادِ المسْكنِ الأخيرِ لِفقيدِهِمْ، منهمْ منْ يحفرُ، ومنهم من يحملُ الحِجَارَةَ ما كَبُرَ منها وما دَقَّ، ومنهم من يحملُ الماءَ، ومنهم منْ يأتي بِالأَزهارِ وَالأغصانِ الخضْراءِ،.. ولا أجدُ في نفسي حاجةً لأنْ أُعلِنَ أَلاّ أحدَ منهمْ يمُدُّ يَدَهُ فَيَقُولَ: أُريدُ على ما فعلْتُ أجراً.

فهذا منَ المحرّماتِ القَبِيحَةِ التي لا يُعْقلُ أنْ تَدُورَ في خَلَدِ أحدٍ فِي هَذِهِ القَرْيَةِ فِي مثْلِ هَذا المَوقفِ.

 

إنْ كانَ حُزنُ فردٍ منْ (قِزحلَ) حُزناً لِلأهلينَ كافّةً، فَفَرَحُ أحدِهِمْ هُوَ فرَحٌ لِلأهلينَ كافّةً أيضاً.

فقدْ جرتْ عاداتُهُمْ أَنْ يُقِيموا فِي أفراحهِمْ حلَقَاتِ (الدَّبْكَةِ)، تبدأُ بعدَ صلاةِ العصْرِ أَوْ بعدَ صلاةِ المغْربِ، وتسْتمرُّ إلى مُنتصَفِ الليْلِ أو قَريباً من ذلكَ، ولا تَسَلْ عنِ انهِماكِ النّاسِ وانشِغالِهمْ يومَها بهذا الفرحِ، فَهَمُّ الشّبابِ الأوَّلُ وَالأَهَمُّ الأناقَةُ، ذُكوراً وَإناثاً، يَنْصِبُونَ وسْطَ الحلَقَةِ عموداً خشبيّاً يُعلّقُونَ عليْهِ (لُوكس) [8] أَوْ أكثرَ لِلإنارةِ ليلاً، فما كانتِ الكهرباءُ في تلكَ الأيّامِ قدْ آنَسَتْ لياليَهُمْ، فترى الفتياتِ رصّعْنَ رُؤوسَهُنَّ وصُدورَهنَّ بالحِلِيِّ الذّهبيّةِ البرّاقةِ، وترى الفتيانَ قَدْ أَمالُوا على رُؤوسِهِمْ (عُقُلَهُمْ) حتّى لَتكادُ تَمَسُّ آذانَهُمْ تحتَ (سُلُكاتِهِمْ) [9]، تِيهاً وَ(غِوايَةً)، وترْتَجُّ الأرضُ حقِيقةً تحتَ أقدامِ (الدَّبّيكةِ)، وقدْ يَصّاعدُ الغُبارُ حقيقةً أيضاً، أنا الآنَ يا سيّدي لا أقولُ هذا مُغالاةً في التّعبيرِ، أوْ شططاً في الوَصفِ، بلْ أنقُلُ الواقِعَ كما كانَ، الأرضُ قَدْ ترتجُّ، والغُبارُ قدْ ينعقِدُ فوقَ الدّابكينَ، وذلكَ لأنَّ الحماسةَ تبلُغُ أوْجَها، ولأنَّ الفرَحَ فَرَحٌ لِلجميعِ، ولأنَّ هذا - في اعْتقادِ هؤُلاءِ الفتيةِ - تعبيرٌ صادِقٌ عنِ الرُجولةِ الحقّةِ.

أبهى لَحظاتِ الدّبكةِ وأكثرُها حماسةً لحظةَ يتقدّمُ (الزَّمّارُ) و(الطبّالُ) – وهمْ أُناسٌ مأْجورونَ منَ الغجَرِ - منَ (الرّأْسِ) وهُوَ الدّابِكُ الأوَّلُ الذي يَقُودُ حلقَةَ الدّابِكينَ، ويَنحنُونَ أمامَهُ مُتأمّلينَ تحرُّكاتِ أقدامِهِ إعجاباً بخبرَتِهِ في فَنِّ الدَّبْكةِ، فلِأهلِ (قِزحلَ) في هذا الفَنِّ صيتٌ ذائعٌ بيْنَ مَنْ يَعرِفُهمْ، حينَها يتأجَّجُ النَّاسُ، وتَدِبُّ الحماسَةُ في النُّفوسِ، وتشتدُّ وطأةُ الأقدامِ في قرْعها على الأرضِ، .. ترتَفِعُ الأذْرُعُ وتُلوّحُ بمِنديلٍ أوْ(مِسبَحَةٍ) أوْ غيرِها، ويتثنَّى الجِسمُ اللَّيّنُ المِطواعُ كالأُفْعُوانِ [10]، وطرَفُ (القُنْبازِ)[11]  مَشْكولٌ بِالحِزامِ.. والرّأْسُ مرفُوعٌ بِكبرياءٍ مُحبّبٍ، واعْتدادٍ بِالنَّفسِ غيرِ مُحرّمٍ، فهذا موضِعٌ يحسُنُ بِهِ تَصْعيرُ الخَدِّ، ويَجمُلُ فيهِ الكِبرِياءُ والشُّموخُ.

سقى اللهُ جَدَثَكِ يا (أُمَّ كرمو البيك) شآبيبَ الرّحمةِ، فإنْ كان لكلّ ميْدانٍ فُرسانُهُ، ولكلّ مِنبرٍ (سَحْبانُهُ) ... بِلا مُدافعٍ، فللدَّبكة (أمّ كرمو) بِلا مُنازعٍ...

لا تقُلْ إنَّك لا تعرفها يا سيّدي، فهي في (قزحل) أشهر من نار على علمٍ؛ عجوز تُحاكي قامتُها قامةَ نَخلةٍ ضاربةٍ في السماء، نحيلةٌ معروقة، لا تُفارقُ البسمةُ ثَغرَها الأفْوَهَ، إلاّ أنّها من النوابغ الذينَ لا يُشقُّ لهمْ غُبارٌ في الدّبكة وضُروبِ أفانينِها، ..

ضَنِينةٌ بموهبتِها، تصُونُ قداستَها منَ الابتذال، فلا تَقْبلُ أن (تَدْبُكَ) إلاَّ إذا أشبعها النَّاسُ تَقْريظاً وتملُّقاً واستعطافاً .. وتُمْعنُ في الدَّلالِ كلّما أمعنَ الحاضرون في التَّوسُّل، ولا تستجيبُ لرغبتهم إلاَّ إذا حُملَتْ إلى السّاحة حملاً، أوْ جُرّت إليها جرّاً، غيرَ أَنّها ما إنْ تتبوّأْ مكانَها في حلقةِ الدَّبكة، وتُجِلْ فيما حولها نظرتها الفاحصةَ تلكَ، حتّى تضعَ يدك على السرّ الكامنِ خلفَ هذا التّمنّعِ والدّلِّ، فهذا الميدان هو حقيقةً ميدانُها، وهذه الذّروَةُ السّامقةُ في هذا الفنِّ هو حقيقةً مُتبوَّؤُها، فلا يجرُؤُ ابنُ أُنثى ولا ابنتُها على منازعتها فيهِ.

ويتنادى القومُ لِمُعاينةِ حَدَثٍ جَلَلٍ مُتفرّدٍ، ومَشْهدٍ فَذٍّ يندرُ أنْ يجود الزَّمانُ بمثْلِهِ:

- أمُّ كرمو على الأوَّلِ .. أمُّ كرمو على الأوَّلِ  ..

وهل هذا بالقليلِ ؟!.

وتُومئُ إلى الطبّالِ والزمّار: أنِ ادْنُوا منّي ..

وتُمْلي عليهما تَوْجيهاتِها الصّارمةَ في العزْفِ، وتطلبُ إليهِما أَنْ يُسمِعاها اللّحنَ الذي سيعزفان، و.. تُرهفُ السّمعَ، فَإذا سمعتْ منهما ما يسرُّ، أقرّتْهما على أدائهما ومضتْ في شأنها .. وإذا لم يُوافياها بما تبغي، علّمتْهما اللّحنَ الذي تريد .. ويعزفان لها من جديدٍ .. وترهفُ السّمعَ من جديد..حتّى تسمعَ منهما ما ينسجمُ مع خبرتِها الأصيلة .. حينها ...

   ترفعُ (أمُّ كرمو) يدَها تُلَوِّحُ بالمِنديل ...

 فتشرئبُّ الأعناقُ،  وتدُورُ في المَحاجِرِ الأَحداقُ، تُتابع برهافةٍ وحِرْصٍ كلَّ ما يبدرُ عنها، وقبل أنْ تهِبطَ بذراعها قربَها تُحرّكُ قدميها حركةً صغيرةً وئيدةً ... حركة صغيرة، إلاّ أنّها رشيقةٌ تكادُ تُقيمُ الدّنيا حولها ولا تُقعدها، فمهاراتُ الدّبكةِ هذه يَفْقَهُها أربابُ هذا الفنِّ، والحاذقون العريقونَ في بابِه...

ويمضي الوقتُ طويلاً بطيئاً، و(أمّ كرمو) لمْ تبرحْ مكانها، ولمْ تُغادرْ موقفَها إلاَّ بضع خطواتِ، ومن عَجَبٍ .. أنَّكَ تسمعُ من أولئك الصّفوة العارفينَ بمواطن الجمال في هذا الفنِّ ترحُّماً على عهود مضتْ كانت فيهِ (أُمُّ كرمو) ونظراؤها رجالات ذاك العهد وحسناواته.

رحمكِ اللهُ يا (أُمَّ كرمو) يا علماً من أعلام قريتي، فلا تزال الأرضُ تحنُّ في السّاحة إلى إيقاعات فنَّكِ، فنسمَعُ لها في بعض الأُمسيّاتِ ما يُشبِهُ حنينَ النَّاقةِ إلى فَصِيلِها.

ثُمّ يأتي أصيلُ اليومِ الأخيرِ مِنَ العرسِ، فيُقدَّمُ فيهِ (السِّماطُ)، وهوَ طعامٌ يُحضّرُ عادةً منَ (البُرغُلِ) المطْهُوِّ بِمرَقِ اللَّحمِ، يُقدّمُ في قِصاعٍ كبيرةٍ، ويُتوّجُ بِقِطعٍ كِبارٍ منَ لحمِ الخِرافِ، إلى جانبهِ اللَّبنُ (الرّائبُ)، ويُشرِفُ على طَهْوِهِ المهَرَةُ مِنَ الطبّاخاتِ فِي القرْيَةِ، تُوضعُ القِصاعُ على هيئةِ (سِماطٍ) أيْ صَفٍّ، في مكانٍ رحبٍ كالبيادرِ، وهيَ قريبةٌ منْ بُيوتِ القريةِ، ويَنْدُرُ أَنْ تُقدّمَ الملاعقُ في هذهِ المواسمِ، فَالأكلُ بِالأَيْدي، كما كانَ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ يَأكلُ، وكما كان الصّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهِمْ يأكلونَ، ويأكلُ أهلُ القريةِ وضُيُوفُهمْ أجمعونَ منْ هذا الـ (السّماطِ)، وهُوَ فِي الوَاقِعِ منْ أشهى الأطعمةِ وألذِّها.

قُبيلَ غُروبِ شمسِ ذاكَ اليوْمِ  يُؤْتى بِالعريسِ [12] وَسْطَ حَلَقَةِ الدّبكة، ويتجمّعُ حولَهُ الشّبابُ، ويأتي حلاّقُ القريةِ لِيحلِقَ لِلعريسِ لِحيتَهُ، مَشْفُوعاً بِزَغاريدِ النِّساءِ أَهْلِ العَريسِ ومُقرَّبيهمْ، ثُمّ يأتي (أَبُو رِماحٍ)، وما أدراكَ منْ (أبو رماحٍ)؟ إنّه سمَّانُ القريَةِ [13]، رَجُلٌ طِوالٌ طِرِمّاحٌ[14]، هُو الوحيدُ في القريةِ الذي يُحسِنُ القيامَ بهَّذهِ المهمَّةِ، بلْ قُلْ إنّ الجميعَ يجهلُونَ أداءَ هذِهِ المهمّةِ، يخلَعُ عَنِ (العريسِ) ما عليْهِ منْ ثيابٍ، ويُبقي على قميصٍ أبيضَ قصيرٍ يستُرُ العورةَ، ويُؤْتى بِثيابِ العريسِ الجديدةِ، وَأَغلاها وأجملُها (الكُدْشِيَّةُ) – كما يُسمّيها الأهلُونَ، وفي أماكن أُخرى تُسمّى ( الدّامِرُ)- ثُمَّ يتناولُ (أَبُو رماحٍ) قطعةً منْها يرفعُها بيُمناهُ ويُلوّحُ بِها عالياً ليراها الحاضِرُونَ جميعاً، وهوَ يُردّدُ بِاللُّغةِ التّركمانيّةِ المحبّبةِ دُعاءً لا يحفظُهُ ولا يُتْقنُ أداءَهُ إلاّ هُوَ، ويُعقِّبُ الحاضِرُونَ إثْرَهُ بصوتٍ لَهُ رنينٌ: أُوصُّونْ[15]. (أَيْ: لِيَكُنْ، أَوْ: لِيَحْدُثْ. فهيَ بمثابَةِ قَولِنا: آمينَ).

ويُلْبِسُ (أَبُو رِماحٍ) العريسَ ثَوبَهُ، ويتناولُ قِطعةَ ثِيابٍ جديدةً أُخرى، يرفعُها ويُلوِّحُ بها داعياً، ثُمّ يهتفُ الجميعُ: (أُوصُّونْ). وهَكذا مَعَ كُلِّ قطعةٍ، إلى أنْ يستكملَ العريسُ ارتِداءَ ملابِسِهِ، فيُقبِلُ أحدُ أصدقائِهِ يُعطّرُهُ، ويُعطّرُ الشّبابَ حولَهُ حتّى يُفرِغَ جُونةَ [16] العطْرِ.

هنا تصيرُ رئاسةُ حَلقةِ الدّبكةِ لِلعريسِ، يدورُ دورةً كاملةً، فإذا حاولَ التّملُّصَ قَبْلَ هذا أُكْرِهَ على استِكمالِ الدّوْرةِ، وإنْ كانَ بِالدّبكةِ منَ الجَاهلينَ، ولها منَ القالينَ [17].

حينَ يفرُغُ (العريسُ) من رئاسةِ الدّبكةِ، يكونُ العُرْسُ قَدِ انتهى.

 

(قزْحلُ) ياسيّدي مُتصابيةٌ، هي عصريّةٌ تُواكبُ التّطوُّرَ، فصنابيرُ الماءِ تملأُ الآنَ بُيوتَها، والكَهرُباءُ تتلأْلأُ في مصابيحِها، والرّائي (التّلفازُ) يتصدّرُ قاعاتِها، والجرّارُ الزّراعيُّ يحرُثُ حُقولَها، والحصّاداتُ الآليّةُ تَجني مواسمَها، وفّرَتْ بهذا لِلفلاّحينَ الجُهد والوقتَ، وَالتّعليمُ ما قبلَ الجامعيِّ مبذُولٌ فيها، وكثيرٌ منَ الأهلينَ الآنَ غدَوْا كُتّاباً وَأطبّاءَ ومُهندسينَ وَضُبّاطاً وَمِهْنيّينَ مَهَرَةً في كلِّ مَيدانٍ.

 

آهٍ يا (قِزْحلُ) يا مَسْقِطَ الرّأْسِ، يا مَهْدَ الطُّفُولةِ، إنَّ سَهرةً واحدةً مَعَ الأَصدقاءِ اللِّداتِ [18]  في الصّيْفِ، تحتَ ضُوءِ القمرِ، فوْقَ (شِكارةٍ) [19]  مِنْ شكاراتِ القمحِ، في بيادرِكِ المبارَكَةِ، لَتعْدِلُ العُمْرَ.

 

أحمد عكاش – عجمان: النعيميّة -21/5/ 2012

 

[1]-القُنَّةُ: الذِّروةُ وَالقِمَّةُ، ورَأْسُ الجبَلِ.

[2]-الجاغِلّقُ: في اللّفظِ التُّركمانيّ لهذا الاسم: الجيمُ مزيجٌ بَينَ الجِيمِ وَالشّينِ، وهُوَ صَوتٌ غيرُ مَوْجودٍ في العربيّةِ.

[3]- تقولُ الصحيفةُ التركيَّةُ: Ülkü Özel Akagündüz    إِنَّ اسمَ (قزحل) أتى منِ اسْمِ الأميرِ العثمانيِّ الذي عاشَ فيها زمنَ السُّلطانِ (سليمٍ الأوَّلِ):Sinan Kızhıl.

[4]-العَجُّورُ: يُسمِّيهِ بعضُهُمْ: البَجُّورُ، وهُوَ البِطِّيخُ الأَصْفَرُ قَبلَ أنْ يبلُغَ نُضْجَهُ، ولمْ أجدْ لهُ في العربيّةِ أصلاً بهذا المعنى، وفي بِلادِ الشّامِ يُطْلِقُونَ كلمةَ (عَجْرٍ) على كُلِّ فَاكهةٍ فِجَّةٍ لَمّا تَنْضجْ بَعْدُ.

[5]-درجت العادة أنْ ينسبوا إلى (قِزْحِل) بِـ (قِزِحْلاوِيٍّ)، وَالصَّوابُ: (قِزْحِلِيٌّ).

[6]-مُكعّبُ العَظْمِ: قِطعةُ عظْمٍ تُسْتخرجُ منْ سَاقِ الأغنامِ المذْبُوحةِ، يَلْعبُ بها الصّبيةُ مِثْلَ (الطُّرَّةِ والنَّقْشِ) بِالنُّقُودِ.

[7]- يَقُولُ العربُ عَنِ الصَّخْرةِ بَعْضُها فِي المَاءِ وَبَعْضُها خَارِجَهُ (أتَانُ الضَّحْلِ).

[8]-اللُّوكسُ:سِراجُ زَيْتٍ يَعْمَلُ بِـ (الكِيروسينِ)، وهُوَ جَيِّدُ الإنَارةِ، وَلكنْ .. لَهُ دَوِيٌّ مُزْعجٌ.

[9]- السُّلُكُ: غِطَاءٌ لِلرّأسِ، تُسمّى فِي العِراقِ (الكُوفِيَّةَ) منسُوبَةً إِلى (الكُوفةِ).

[10]-الأُفْعُوَانُ: ذَكَرُ الحَيّاتِ.

[11]- القُنْبَازُ: لِباسُ الرِّجالِ مِنْ أَهلِ الشّامِ، يُلبسُ فوقَ الثِيابِ، ويكونُ مَشْقوقاً منْ أَمَامٍ، يُلَفُّ جَانِبُهُ الأَيْسَرُ فَوْقَ الأَيْمَنِ، وَيَشُدُّ الرّجلُ وَسَطُهُ بِالشّالِ فَوْقَ القُنْبَازِ.

[12]- العَرُوسُ: تُطْلقُ على الذّكرِ وَالأُنثى، فَهُوَ عَرُوسٌ وهِيَ عَرُوسٌ، لكنِّي آثرْتُ أَنْ أَقُولَ (عرِيسٌ) دَفْعاً للَّبْسِ، وجَرْياً على ما دَرجَتِ العادةُ فِي تسميتِهِ بالقريةِ.

[13]-السّمّانُ: في بِلادِ الشَّامِ هُوَ البقّالُ، ومِهْنتُهُ (السّمانَةُ) تجِدُ عِنْدَهُ فِي مَتجرِهِ كُلَّ مَا تَحتاجُهُ.

[14]- الطِرِمّاحُ: الطَّويلُ المفْرِطُ في الطُّولِ.

[15]- أرجو ممّنْ يحفظُ هذا الدُّعاءَ بِالتّركمانيّةِ، معَ ترجمتِهِ العربيّةِ أنْ يُوافيَني بهِ، وأنا لهُ منَ الشّاكرينَ، فهذا من غالي تُراثنا، ومن أخصِّ خُصُوصيّاتنا.

[16]-الجُونَةُ: سَلَّةٌ صَغِيرةٌ مُغَطَّاةٌ بِالجِلْدِ يَضَعُ فِها العَطَّارُ طِيبَهُ (زُجاجَةُ العِطْرِ).

[17]-القَالِينَ: المبغضينَ الكَارِهينَ.

[18]- اللّداتُ: جَمْعُ اللّدَةِ: وهُوَ الممَاثِلُ فِي السّنِّ.

[19]- الشّكارةُ: كَوْمَةٌ كبيرةٌ منَ قصبِ القَمحِ أَوِ الشّعيرِ فِي البَيْدَرِ.

  • مصطفى عبد الفتاح | 2013-03-26

    أستاذي الفاضل أحمد عكاش : اشكر لكم اطراء هو فضل منكم وتكرم أعتز به . و أعتذر عن التأخر في الرد وما ذاك الا لأننا نعيش -نحن السوريون - أياما تجعل الحليم حيرانا  أسأل الله أن يعجل الفرج وينجز وعده لعباده الصابرين . اني وان تأخرت فلا تحسبن أنها كانت  بيضة الديك .لا ..فاني ممن ذهب بهم سحر بيانكم كل مذهب وأنا من تفتحت عيناه على الدنيا في بيت من بيوتات قزحل كان أشبه بديوان ثقافة عامة في ظل رجل للعلم والأدب عنده شأن لايدانيه شأن ولا يكاد يخلو ليلة من أضياف .. وللأضياف أحاديث ومواقف وحكايات .. نعم يا سيدي لقد نشأت في كنف مصطفى فدعان ولصيقا محببا به فأنا أول أحفاده  ما أتاح لي حضور مجالس لا تتاح في العادة لأمثالي وتعهدني بالتعليم والقرآن . ثم كانت ثقافة السفر المبكر والتنوع  فمن فطنا الى حلب الى حمص وها أنا ومنذ1995  أعمل مهندسا في الرياض ويتطلب مني العمل الكثير من الأسفار خارج السعودية .. وكم يصدق في شعر الياس الرحباني بصوت فيروز ( .. أنا الجناح الذي يلهو به السفر ) .. هذا أنا يا سيدي وأحسبك عرفتني ( وهل فتى مثلي على حاله نكر ) . أما عن أهازيج أبو رماح فلتواصلنا بقية ان شاء الله .. سلامي لكم ولل(صيصان) وأظنها عبارة محببة اليكم لم تسمعوها من زمان .

     

  • مصطفى عبد الفتاح | 2013-02-15
    كأني بالعجوز فرحة اذ بش لها أحد أبنائها وذكرها  وهي المعتادة على جفاء الأبناء . وكيف لا تثصابى وتفرح بمن جاء يرسمها لوحة مع أبنائها يوم  لم  يكن يعرف أكثرهم من الدنيا أبعد من جوارها ... نعم انها فرحة اذ يبرها أحد أبنائها بلوحة أدبية رصينة وان كانت أدوات الرسم بحدة موسى قطاف الذرة البيضاء تارة ... وتارة بعنفوان فتية يشقون عباب (الرام ) أيهم يحظى ب(بيوك قيا) أولا ... وتارة زاهية ونابضة برشاقة منسجمة انسجام  حركات الدابكين.  وان سمحت لي القامة الأدبية السامفة الطرماحة تفضلا منها أن أتجرأ وأهرف بما أتوهم أني أعرف فان آل الصوفي على فضلهم لم تكن لهم في أحضان العجوز يوما اقامة . أما ال(جاغلق) فهي بالتركمانية الأرض الثي تكثر فيها أكوام الحجارة (الرجوم) لأن (جاغل) هو (الرجم) وان ساوركم فيما قلت شك يمكنكم العودة الى (البزبوز) .   ومع المحنة والثقدير أهديكم زهرة نرجس بري قزحلية عاتبة عليكم اسفاطها من لوحتكم
    • أحمد عكاش | 2013-02-15

      الأخ الكريم (مصطفى): تحيةً معطّرة بشذا ذاك النّرجس الذي كنّا نجمعُهُ صغاراً من تلك الرياض النضرة، باقاتِ عطر نبيعها بقروش معدودة لذاك البائع المتجول الذي لقّبه الصّغارُ بـ (أبي إصبع)، فإنّي أراك أهلاً لمثل هذه التحيّة، فقد أسعدتني رسالتك أيّما سعادة، في هذا الزمن الذي شحّت فيه السعادة، حتى أمست أندرَ من الكبريت الأحمر، فلقد زوّدتَني بمعلومات أنسانيها طولُ العهد، والذي أطمع به الآن أن تزوّدني بما كان (أبو رماح) -رحمه الله- يردّده في الأفراح، لعلّنا (نوثّقها) في تراثنا، مع شكري المسبق لجهودك.

      حين قرأتُ اسمك (مصطفى فدعان)، قفز قلبي طرباً، وهتفتُ في سرّي: هذا من آل (عبد الفتاح) لا شكّ، وهم كلّهم من الأحبّة المقرّبين، وهاهي رسالتك الثانية تؤكّد صدق حدسي، فسلامي  إلى روح الجدّ (مصطفى فدعان)، وإلى آل عبد الفتاح أجمعين، وحبّذا لو عرّفْتني بك أكثر، فقد أطربتني (لُغَتُكُمْ)، وحقيق بمثلي أن يطرب للُغةٍ رائعة تتأَبّى لأبناء هذا الجيل.

      لك الشكر، وأنا بانتظار المزيد منك.

  • مصطفى فدعان | 2013-02-14
    كأني بالعجوز فرحة اذ يبش لها أحد أبنائها ويذكرها وهي التي طالما صبرت على جفائهم . وكيف لا تفرح وتتهلل وتتصابى بمن جاء يرسم لها لوحة مع أبنائها يوم لم يكونوا يعرفون من الدنيا غيرها حانية كانت أم متجهمة ... نعم انها فرحة بلوحة أدبية رصينة كانت أدوات رسمها حادة حينا كموسى قطاف الذرة البيضاء وعنيفة كعنفوان فتيةيشقون عباب الرام  أيهم يحظى ب (بيوك قيا ) أولا .. وزاهية تنبض رشاقة موزونة كأنها انسجام حركات الدابكين . وان سمحت لي قامة أدبية سامقة أن أتجرأ وأهرف بما أتوهم أني أعرف فان كلمة جاغلق معناها بالتركمانية هو المكان الذي تكثر فيه أكوام الحجارة المتراكمة أ ( الرجوم ) لأن جاغل هو (الرجم ) بضم الراء وان ساورك شك فيما أقول فاسأل البزبوز ... لك تقديري وتحياتي مع زهرة نرجس قزحلية
  • ظافر محمد | 2012-09-04
    الله يرحم أيام الربيع  يوم يغطي ربوعها  ...... ويالها من رائحة عطر ..ولا أطاييب العطور الفرنسية..........آآآآآآآآآه كم اشتقت اليك ....
  • التركماني | 2012-09-03
    استاذنا الفاضل كتبت وفصلت  سلمت اناملك انتابني شعور وانا اقرئ كلماتك وكاني اصبحت قزحلي بفضل اسهابك في الشرح عن جميع خصوصيات هذه البلدة الوادعة ون كان بالامكان كتابة مقال تخص به مسقط راسك الثاني 
    • أحمد عكاش | 2012-09-03

      الأخ التركماني:

      أهلاً بك، أسعدني اتصالك بي، على الرغم من أنك لم تعرفني بنفسك، وعلى كل حال تشرفتُ بتلقي كلماتك.

      الحقيقة لم أعرف (مسقط رأسي الثاني)، أنا بانتظار زيارات أخرى منك.

      والسلام عليكم.

  • عقاب الحمصي | 2012-08-28
    كل التحية والاحترام للاستاذ احمد عكاش من ابن قريتك لقد اديت ووصفت واحط الموضوع من جميع جوانبه بطريقة رائعة   وخاصة بانك عددت فعلا جميع جوانب الحياة في القرية من خلال هذه المقالة بكل تفاصيلها الدقيقة  فكل التحية والاحترام للك وسلام  خاص من ابن قريتك (قزحل )التي اعشق.
    ملاحظة :سابحث للك عن الاغنية التي كانت تغنى بالاعراس باللهجة التركمانية وادونها للك في وقت لاحق   ورحم الله ابو رماح  كان كريما وطيبا وكان الناس يرددون (ياما سقيتك ضنضرمه من دكانة ابو رماح )(الضنضرمة =البوظة ) وتقبل مروري ابن قريتك 
  • طيف امرأه | 2012-05-27
    تلك القرية العجوز !!!
    لقد قرات الحروف وكأنني أطوف ,, ببلاد العجائب والغرائب ..
    كنت يا سيدي الفاضل باهر بوصف شامل ..منذ لحظة تواجدها ومولدها وسبب اطلاق الاسم عليها فكانت لنا فيها الفائدة الكبري ..
    وكلما توغلت اكثر بين السطور وجدت تلك (قارة) بالمعنى الوصفي رغم انها اصغر  بكثير من ناحية جغرافية ولكن لعاطفتك ومشاعرك القوية جعلتها بحجم القارة وهي كذلك بما وصفت فصرنا  بما وصفت  اكثر شغفا  وبوطنك اصبحنا نهيم بما راينا من تآلف اهلها وتسامحهم ومرحهم  وإيثارهم وجمال طبيعتهم رغم قساوة بعض  الاجزاء  ولا انسى نبل أخلاقهم التي  ذكرتني ببيادر كنت اراها امامي وحقول كان الجميع يتسابقون لمساعدة بعضهم البعض بلا منة ولا تحميل جمائل وبقلب محب  رغم الشعور بالنصب
    رايت الافراح هنا والاتراح واللعب والاجتماع وكاني بتحفة الامصار ,,ومع ابن بطوطة اجوب الاوطان
    كانت تلك المسيرة قد جابت البلاد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بما صورتها بتلك  العواطف والمشاعر
    مما زادني شوقا لتبقى امتنا واحدة متحده بشهادة لا اله الا الله محمدا عبده ورسوله
    كي نستطيع السفر والترحال من بلد الى آخر بلا خوف ولا مهانة تحت مبدا المساواة والرحمة والتقوى ..
    سيدي لقد كنت مبهرا بدرجة رائعه فيها الفائدة واللغة  الفصحى التي كالشهد وتلك الطريقة التي جعلت  الجملة قادرة  على النطق فنطقت فتنة وجمالا بما في داخلك من محبة وود لوطنك ..الغالي
    أدام عليك العافية والحرف الذي رفعنا حيث عباب اللغة الصافية
    انحناءة تقدير ليراع ماسي سامق
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق