]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفساد والرعية

بواسطة: د. وداد عاشوراكس  |  بتاريخ: 2012-05-26 ، الوقت: 02:04:28
  • تقييم المقالة:
الفساد والرعية

من صالح  من ان تهمل الحدود وتترك مفتوحة وبدون حراسة ؟ والأمن مغيب في  كل البلاد الي يومنا هذا ؟ والفساد، والفتن والفوضى  مستمرة  بدون توقف؟ وليبيا تنتظر بمن ينتشلها من هذه الأجواء الغير مستقرة. ليبيا تدري بان هناك إهمال مقصود. وبأن فيها فئة تعيش "لغاية شخصية" فقط، ولجمع المال، والبحث عن الجاه، والجري وراء كراسي السلطة بدون حق مشروع ولا يساورها مصلحة ليبيا.  وتسأل شعبها هل هذا هو آخر المطاف لثورة بدأت وسارت برعاية المولي؟ ها هي السنة مرت و قد أغلقت أبوابها علي "محطة" المجلس، والقليل "جدا" يذكر له علي الساحة الليبية،  ومدته المؤقتة أصبحت عالة علي ليبيا.  فالبلد لا زال يتأرجح ما  بين بعض الأيادي الغير أمينه، و بين أخري غير قادرة علي الرئاسة. فالقوانين تسن وتتواري عبر تغييرات فجائية، وهناك تضارب، و تخبط   في الفكر "الرشيد"، ممن يحكمون ولا يسيطرون، " المستشار ورئيس حكومته".  الوعود تعطي ثم تزول بغتة، والأماني والمسكنات تسكب لنا في أكواب سحريه، وتختفي كاختفاء الشمس عند الغروب. فكثرت غيوم الكدر وتعكر الجو العام، لما يحصل من خطف، وسرقة، وقتل، وحجز أفراد في ظروف غامضه، وسلب لممتلكات الناس،  وتفاقمت الأمور حديثا بحادث مأساة سبها. فقتلاها يتراوح  عددهم الان علي حسب ما أذيع أخيرا الي69 قتيلا و196 جريحا.وقبلها كارثة الكفرة. فانتشر القلق، وازداد بين الناس الخوف علي صفاء ليبيا. أين النجدة والحماية الحازمة وعند الحاجة الماسة ؟

   الخفافيش  نراها حتي في النهار، وتريد ان تمتص من روح البلاد كيفما شاء لها، فهناك ناكر وماكر، ولا رقيب، او قانون حازم يكبحها. هل ليبيا أصبحت لعبة، ورهينة في أيادي  صبيانية، ليس لها شغل يشغلها الا القلقلة، وتعطيل عجلة العمل والنمو فيها.  لأنها انتهزت الفراغ الأمني، والتخبط في عمل الهدن بين القبائل، والبعيدة عن أسباب المشكلة الرئيسية، مما فجر جو القبلية والجهوية  في ليبيا، الذي هو من صنع مخرب و من لا وطن له، وكأن ليبيا يحكمها "رعاة بقر" فعلا.  ليس هناك من يكبل الأيادي، ويزج بالمجرمين ،والمشاغبين الي السجن حتي يقول القانون " الغائب الان" فيهم كلمته.  رب الكون والخلق انشأ  الحساب والعقاب، وحدده لمن لا يتبع الطريق السليم . ولذا فهو قاعده ضرورية، خلقت  لنشر السلام والاستقرار بين الناس.  

الثورات قامت للقضاء علي الخراب، والظلم، والاستبداد، والفساد وغياب حقوق الإنسان في كل مجالات حياة الشعب. وعليه فالشعب يعي جيدا بان الإصلاح لا يقوم هكذا  تلقائيا، او هناك آلة سحرية، التي ستبني المؤسسات  المدنية، و الحضارية،  في أيام ،او شهور، او حتي في  سنين  قليلة. وندرك بان عندما لا يكون هناك دولة من البداية، فبنائها سيأخذ أجيال، وأجيال. لتنمو وتسمي ، حتي تصبح قوية بأجهزتها ،ومنهجها الحياتي ، والاقتصادي ،والسياسي والثقافي والعلمي، بين دول العالم . و ايضا ليس هناك " عصا سحرية لكي نستعملها وتبني  لنا ، او معنا الإنسان عقلا وفكرا ومسلكا  او" ترمم " الأخلاق في ثواني  .  اغلبنا  يستوعب هذا جيدا، ولكن لا يعني بهذا ابدا ان نترك "الحبل علي الغارب"، وندع البلاد تغرق في بحر من الفوضى، مع الفراغ الأمني، واستغلال موارده، والفساد الإداري، والمالي ،والفكري، والأمني، والاجتماعي، والتسيب  الفظيع، وعدم السعي الجاد علي الحفاظ علي  ليبيا كأمة واحدة. هل حالة الصومال ، او العراق  البائسة  ستتكرر في  ليبيا من فساد إداري، و مليشيات مسلحة  التي تجول وتصول فيه، وتهدد سلامته ونموه الحضاري؟ هل نرضي بوجود الفساد المطلق من غير سلطة رشيدة في ارض المختار؟ والي متي؟ او هل نحن سنصبح ايضا  مثل أفغانستان التي تعاني من الفوضى والفساد  الذي يعشعش فيها  بكثرة وبائية فأصبح  مرض يقتل، و يدمر في  كيانها ،وشعبها مما جعل الولايات المتحدة  من ان تضع  شروط  قويه عليها،  وحتمتها علي تكوين آليات الإصلاح ، قبل ان تمد إليها  باي مساعدة ماليه أخري. فلا شيء  ينجز في بلادها الا والرشاوي تسري في  مجريات  روتين حياتها،  وأصبحت من ميكانيكية التعامل فتعطي وتأخذ  من اي فرد، وفي كل المجالات العمل اليومي من غير رقابه.  فتأكل من جسد الأمه، كالنمل الأبيض الذي يهرش وينخر الخشب حتي يهلك اي  بنيان فيه، او محاصيل يراه أمامه.

يقع اللوم الأول والأكبر علي سياسة الحكومة  والمجلس، التي أحبطت أمالنا ، نلومها علي عدم  تفعيلها وسرعتها في إنشاء الجيش الوطني والشرطة. نلومها علي الشغب واستمرارية هذا الجو الغير صالح الذي ينتاب البلاد بدون قانون ، من سرقة أموال، الي غلو أسعار السلع الاستهلاكية و البضائع ، و أسعار العقارات  الخرافية، التي هي ايضا  بدون مراقبه، بل  هو استغلال بعينه  للمواطن المسكين.   فغلاء الأسعار العشوائية، ومن غير قواعد اقتصاديه، لا تساعد البلاد علي التوجه الي البناء، والتقدم، والنمو الذي نريده.  تخيل معي البلاد في هذا المثل البسيط في طرحه، والمحزن في نتائجه،  كبيت أسره مفككه ليس فيها راعي أمين  يرعاها، فأفرادها يعيشون حياتهم باستقلالية ومن غير مستقبل،  وبسلوكيات هدامة، وبقانون الغاب ،كيفما يحلو لهم  من عربدة، وسرقة ، واعتداءات،  ولا يحترمون لأي ضوابط  أسريه، لان عمود الأسرة لم يكن حاضرا، او راعي أمين لها.  و لم يضع اي قواعد أساسيه لتربية النشأ،  وليس لديه مكونات الأب والمربي الصالح.  الأم المسكينة غلب عليها الأمر، فانتابها اليأس والبؤس، لان التربية ضاعت من بين يديها، من خلال هذا المرتع الغير صحي بكل المعايير. أهذا هو الطريق المخطط  للبلاد الان؟ فليبيا الوطن يسوقها أناس غير راعون لأموالها و لثرواتها، واستقرارها.  الكل يدور في فلكه لتحقيق أغراضه الشخصية. فمنهم من ينهب ما شاء له، ومنهم علي سبيل المثال من يوزع المراكز الحكومية علي أقارب الأقارب، او يهرب مجرمين الحرب خارج البلد "لغاية مريبة"، او يبعث بهم للعلاج  وهم ليسوا بجرحي ، بل  اغلبه علاج "للحسن والجمال" والتكلفة علي حساب الدولة بانتهازية شريرة.  وجرحانا يعيشون في حالة ينقبض بها القلب لشدة الاستهتار بإدارة أحوالهم الصحية والنفسية. كثرت الوزارات و موظفيها ،والحال يتدهور من ردئ الي ما هو اردأ منه.  لماذا هذا العدد الكثيف في الحكومة والمجلس "المؤقت" ومجالسه المحلية، ولجانها كذلك مع قلة الإنتاج والنتائج. والدولة لا زالت تحت الإنشاء "والمقاول " اي المجاس  وحكومته كأنهما  في إجازة طويلة وأجرتهما مدفوعة؟  فعندما تكبر  الحكومة من غير فائدة تعود علي الوطن ، او منهج مدروس يحدد المهام. سيكثر فيها الاستبداد، والفساد الذي يكون عبء كبير علي الحكومة نفسها والبلاد. أموال الدولة أغلبها في دفع المعاشات للموظفين، والعمل لا وجود له، والفوضى " والمجاملات" أصبحت كشعار مخجل في أجواء ليبيا وعجبي.

تعريف الفساد:  الفساد كما وصفه  الصندوق المالي  العالمي  الذي هو البنك العالمي, ومؤسسة نقدية، والتي  توفّر اعتمادات للاستثمار ترافقها ضمانات من قبل الدولة بانه "استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية"* ومؤسسة الشفافية الدولية والتحالف العالمي لمكافحة الفساد عرفته كالتالي:" استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية .وأضافت ايضا" من المؤلم ان حياة،  ورزق، وسعادةالشخص، متوقفة علي  نزاهة  الأشخاص في السلطة"*اقرأ هذه المصادر لمزيد من المعلومات.

http://www1.worldbank.org/publicsector/anticorrupt/corruptn/cor02.htm*

http://www.transparency.org/about_us*

    فالفساد عاهة منتشرة  في كل أنحاء قارات المعمورة. و درجات خطورته  تختلف  علي حسب  انتشاره من اعلي  الهرم الي أسفله في  المراكز الحكومية وعلي حسب المدن  والدول، ومدي قوة القانون ونزاهة القائمون عليه.  فالهند مثلا تعتبر من  اكثر الدول الأسيوية  في درجة  الفساد، فهو  منتشر  في كل القطاعات ،و متوغل في شرايين الناس، ولا شيء ينجز الي ان تدفع  "فاتورة" الرشوة . ودرجاته  تختلف من مؤسسة الي أخري ، فتراه اعمق  ترسخا في الموظفين  الروتينيين في  الدولة،  لدواعي عدة منها ضعف الرواتب من الحكومة، والفقر ،وعدم وجود قوانين تجرمهم عند إحداث الرشوة، او اي تسيب في العمل اليومي ،   والإداري . إليكم هذا الفيديو الهندي لتوضيح مشكلة الفساد فيها. http://www.youtube.com/watch?v=GDjqpCQSA7I 

الحكومة لابد ان يكون مناخها، ومنهجها مشجع علي تبادل الأفكار، ومناقشتها ،وهذا سيقلص من الروتين الغير مجدي، ويقلل نسبة لا بأس بها  من درجة الفساد الإداري كذلك. فعندما تصدر الحكومة  قرارات ليس لها اي تفعيل، او من شأنها الإصلاح، فإذن هي في الأساس من صالح من أسسها، كما يعتقد بعض السياسيين في الغرب. ولذا عندما تكون أمور الشعب تحت رحمه أيدي مستغلة، والمحسوبية هي  أساس الملك والسيطرة، فستبقي حكومة غير فعالة ،او مستحدثه وخلاقة، كما هو الحال بيننا في بلاد الخير. فالعلوم السياسية تنظر الي  مشكلة الفساد بمنظور أخر غير رؤيتنا له ،او لظواهره الواضحة للجميع.  فنظرته تتشكل في مدي شرعية الدولة، وقوة خطتها السياسية، ومشاركة المجتمع المدني في الدولة.

كيفية القضاء علي  الفساد:     لابد الا نغفل علي مدي أهمية  الشعب كعنصر  ومؤسس  أساسي في الدولة للقضاء علي الفساد.  نحن من يخلق الطاغي، والظالم، والمستغل، و الراشي، والمرتشي . انني اعتبر  الشعب  مؤسسة حياتيه لا يستهان بها. الشعب مهم لانعاش الوطن، وجعل الدولة قويه به، وليست عليه.   علي المواطن  ان يكون نشط، وفعال، وغير سلبي، مع أحداث البلاد.  ليكون لها الحارس الأمين، ويستقرئ  نشاطات الحكومة، و ينادي بحقوقه عندما لا تتحقق . فاذا غاب الشعب عن الصورة  الميدانية مع الحكومة والسلطة، فالصورة الحقيقية عما يجري في الواقع،  سيعمها السحب الرمادية ، وتبقي غير صالحة للرؤية ، وبعدها تعتم، وتعود الحياه الكئيبة بفسادها من جديد، وعندها يصعب محاربة اي فساد كان. وكأننا نعود بالزمن الي الوراء، والي الظلم والجبروت بأنواعه.  ونستطيع القضاء علي الفساد  ايضا من خلال فاعلية  الدستور في البلاد، لأنه قانون العدل ، وهو أساس الحكم ،وبه الحقوق والواجبات  تصان وتحترم  وتقدر. الفساد يقضي عليه  ايضا عن طريق  الصحافة والإعلام الحر و بقوانين شرف المهنة بأنواعها.  فهو الذي  سيكون الالة  القوية، و المهمة، بل الرادعة ايضا، و التي توضح مواطن التسيب،  والابتزاز، والمحسوبية، والمحاباة، والاختلاسات، وغسيل الأموال، ومن نصب واحتيال  في الدولة. ويقضي علي الفساد بتفعيل دور أيمة المساجد والمؤسسات الدينية الأخرى، والمدارس لتهذيب السلوكيات والمعاملات بين الناس. واقترح هنا  لكي نقضي علي الفساد  بان نبدأ من رأس الهرم، و يكون هناك بند في بنود الدستور الجديد ، بان يجعل السلطة  مسؤولة أمام الشعب وتحاسب.    هذا  اذا اردنا ان نبني دولة ديمقراطية توازي اي دولة  في العالم. ولابد من وجود قضاء مستقل، وشفاف وشريف.  وكذلك لا ننسي أهميه ديوان المحاسبة  الذي يفرض ان  يكون تحت إدارة مؤسسة القضاء المستقل . والسؤال  الذي يراودني الان: كيف تحاسب  الحكومة نفسها و ديوان المحاسبة تحت رئاستها؟ اي "حاميها حراميها" علي  رأي القول. "

وأضيف هنا باننا  نحن الشعب  من يصنع الطاغي بانحنائنا له، وتبجيله، وتلقيبه "بمعاليه " ومعالي الفلان الفلاني ، وصاحب الفخامة, الي أخر من معسول الكلام الذليل. ليس هناك علو علي علو الله وكلنا  من ادم ، وادم من تراب.  ما المانع من تلقيبهم بنوعية عملهم لا غير مثل " الوزير الفلاني، الدكتور، المستشار، المزارع ، المواطن...الخ" الفساد صنع من الإنسان، ولذا آلية الفساد من صنعه ايضا و يبدأ من البيت  . فعندما يري الطفل مثلا  أباه لا يحترم مال بلاده ويسرق من الحكومة  ويردد له بانه: مال (الحكومة) ويضيف عليها بكلمة  عابثة (ولا يهمك عادي)، فيرسخ في ذهنه البريء بان هذا هو السلوك السليم الذي يجب اتباعه لكي ينمي ويجمع ماله. والضالون بالطبع طريقهم وعر وشائك لا محاله. اللعب علي الحبال يظن البعض بانها اسهل الي الوصول الي المأرب واقصر الطرق إليها. الإنسان عامة متكالب، واخص هنا بالعقلية العربية، ولا نستثني أحدا، واهم ما  يعنينا في القائمة الطويلة ليبيا، فهي تحتاج الي انقلاب فكري، ومعه غسل الضمائر بمسحوق  "مركز" لثوره فكرية جديدة.

د. وداد عاشوراكس  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق