]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جمهورية حسان .. رواية في حلقات ( 59 ) أحمد الخالد

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-05-21 ، الوقت: 18:48:59
  • تقييم المقالة:

 

أودعت لهم عادل بالمستشفى نهارا ؛ أرخينا لفردهم المكلف به الحبل بحساب دقيق ، حيث شددنا المراقبة ظاهريا ؛ تاركين له ثغرة واحدة ؛ لجأ إليها ليلا : دخل إليه بحذر شديد ، بدت على ملامحه ثقة العامل بالمستشفى ، وزيادة في الحرص منه حاول التخلص بلطف من فرد الأمن المرابط أمام الحجرة ؛ أتم عملية التفاهم ، ودخل مطمئنا وما أن هم بالتنفيذ حتى تمكن رجالنا من القبض عليه . لم يكن فأرا كعادل ؛ بل خنزيرا ، أجاد صنعوه علفه ، قوي البنية كبغل ، مفتول العضلات كمصارع قضى عمره في بنائها ، لم يتخذ سمت التباله كعادل ؛ وإنما الثقة المبالغ فيها ، لم يكن خنزيري الجسد فحسب وإنما استطاعت ملامحه القاسية أن تؤكد أنه ميت القلب أيضا . تكفلت به ، وتركت عادل الذي بات على ثقة تامة من أهدافهم لمصطفى . أتممت الليلة وقضيت النهار بأكمله معه ؛ حاولت بشتى الطرق في محاولة حثه على النطق أو الإشارة ، لم لأفلح ... ظل طوال الوقت كحائط أصم ، أبكم ، أعمى ؛ لا يرى ، لا يسمع ، لا يتكلم ، لا ينفعل ، لا يجوع ، لا يعطش ، لا يدخن ، لا يتبول ، لا يتبرز ... جدار من حديد أو من فولاذ ؛ لا يتحرك ، لا يجلس ، لا يبكي ، لا يضحك ، لا يصلي ، لا يمل ، لا يسأم .... لم يبدي إشارة واحدة على رغبته في شيء ، لا يرغب ! كان ميتا يقف على قدمين ؛ تدل عيناه وحركة أهدابه المتباعدة ، ونفسه الصاعد بعضلات صدره والهابط بها أنه مازال على قيد الحياة ! أجهدني ؛ بل أعياني ، فتح لي بوابات الجنون ، لم ينطق ، استطاع للحظات أن يجعلني أفكر في اتخاذ أساليب آخر لا نتخذها نحن ؛ ولم ينطق ... أعماني الإجهاد ، وأحيت فناجين القهوة المتتالية ـ التي أحتسيها لأظل يقظا ـ  ثعابين آلام المعدة .... ولم يتحرك ! لمن يدين هذا الخنزير بكل هذا الولاء ؟! سؤال لم أتمكن من الإجابة عليه حتى الآن !! لم يكن مصطفى أحسن حالا مني إذ تحول فأره المتباله إلى كتلة من حجر أصم ، لم يجد سوى البكاء والعويل ؛ والإغماء المتواصل لغة يتحدث بها ... رغبه مصطفى ورهبه .. استدعى له الطبيب ، أكد أنه يمر بحالة هبوط حاد في الدورة الدموية ، مع انخفاض في الضغط ، ونصح بنقله إلى المستشفى بأسرع وقت .... نقل مع التأمين ؛ لكنه سقط جثة هامدة في سيارة الإسعاف ! زادت معرفتي من جنوني مع الخنزير الذي لم أتركه لحظة واحدة ؛ دون أن تتحرك له ساكنة ؛ فأمرت بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق .... بعد أن شعرت بأنني أتهاوى من الإعياء .... دقيقة واحدة فقط قضيتها صامتا مع مصطفى ؛ أستجمع فيها نفسي لأتمكن من الخروج ... سمعنا فيها ضجة كبيرة في الممر ، انتهت بالحارس المكلف بالبغل أمام مكتبي يلتقط أنفاسه قائلا : -        بحركة سريعة  خاطفة ، لم أكد أراها ؛ ابتلع الرجل شيئا ، لحظة واحدة لم نخطوا فيها سوى خطوة واحدة سقط أمامي ممددا ، لا يتحرك ! أكد الطبيب الذي استدعيناه على وجه السرعة أنه مات حال سقوطه ! مع الإعياء ووقع المفاجأة ؛ لم يجد مصطفى سوى جملة واحدة ألقاها في وجهي ، ومضى :

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق