]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تواضُع الأقوياء وشيفونية الضُعفاء

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-05-20 ، الوقت: 23:09:07
  • تقييم المقالة:

                                    تأمُلات فى فن المواءمات بين مرشحين الرئاسة المصريّة

 

فاجأتنا مناظرة موسى أبو الفتوحوحوارات مُرسى وشفيق وصبَّاحى وغيرهما الفضائية  بما من شأنه أن يُغيِّر منقناعاتنا بالكثير منهم.. بدا أبو الفتوح هو الأكثر إفتقاراً إالى مقومات المناورة والحنكة والدهاء التى باتت جليّة فى منافسه موسى..

 

 راح الأخيرُ يستدرج الأول الى إظهار مواطن ضعفه سواء بتصادميته وإندفاعته هى ذات الأصولية التى نشأ عليهامنذ أن كان جامعيّاً فى حواره مع رئيس الدولة الراحل أنور السادات.

 

كان واضحاً ان موسى قد قرأهُ جيداً وقد عرف مناطق ضعفه وإثارته  فظهر أبو الفتوح أكثر إندفاعاًوتسرُّعاً بإلقاء الشتائم المُستترة والإتهامات القاسية لكنها مُرسلة منثمة دليل

 

فقط قد إرتكن فى تجريح تاريخ موسىالذى لايُنكره عاقل الى مجرد وجوده كوزير للخارجية ابّان حكم مباركالمخلوع وكأنه قد باتت سُبَّة فى جبين المصريين جميعهم أن عملوا جميعاًإبّات تلك الفترة .. بينما هو فراح يفتخر بنضاله التاريخى الذى أمضاهبالمُعتقل السياسى وكأن الإعتقال بات وحده تذكرة المرور الى القصر الرئاسىرغم ما يحتاجه جلال المنصب من كاريزما وذكاء وهدوء وتَعقُل وعدم إندفاعة  وتريُث وتمحيص وإستبانة ودهاء ومكر ومقدرة على المناورة...

 

 كل هذه المواهب والمُقوِّمات الشخصية الى جوار المقومات المكتسبة من الخبرة السياسية والدراية العملية والعلاقات الدولية على مستوى الأنظمة والزعماء  لابد وأن تتوافر فى رئيسالدولة القادم وهذا ماقد إفتقره وبإمتياز  أبو الفتوح أمام منافسه الثعلبالداهية عمرو موسى..

 

أعتقد أن موسى لا يختلف فى دهائهعن السادات كثيراً وإن كان هو الأكثر جُرأة  والأوفر فى العلاقات الدوليّةالتى قد كفلتها له رئاسته للمنظمة العربية الاقليمية وهى جامعة الدولالعربية..

 

ارتكن أبو الفتوح فى مُهاجمة خصمهليس بالأعراف الدبلوماسية والذكاء السياسى الحوارى  ولكن بالهجوماللفظىالذى لم يستطع أن ينال من الرجل وتاريخه وكاريزميته المعهودة لكنَّهُ آثرالضرب على وتيرة أن كان وزيراً فى حكم مبارك وقد قتل موسى اتهامه ذلك بأنهترك نظام مبارك الى الجامعة العربية فى مجد وزارة الخارجية المصرية وقد شهدبهذا كل الشعب المُنصف والعالم بأسره .. كما وقد تمنى الشعب يوماً أنيحكمه موسى بدلاً من مبارك وقد شعر بهذا الأخير ساعتها فأماطه عن طريقه الىالجامعة العربية .. ومن ثم فمن غير المقبول أن ننتهك حُرمة تاريخ الرجلالسياسى بجرة قلم خبيثة أو بسُبابٍ مُرسل يخلو من ثمةِ دليلٍ مُقنع به..

 

فى المُقابل أدار الدفة لصالحهوبثعلبيته الماكرة عمر موسى  مُحذِّراً من قيادة الآخر للدولة فى أصعبمراحلها التى تتطلب مهارةً عالية وسط أخطارٍ إقليمية ودولية تشحذ أسنانهالقضم الخريطة المصرية وجغرافيتها بل وتاريخها كله .. بما يجب معه أن توضعللكلمة ألف ألف حساب  ..

 

لكن أبو الفتوح قد بدا لايملك تلكالمهارة وقد أجاب على سؤال  القائم على المناظرة عن موقفه من اسرائيل  وهليعتبرها عدوَّاً أجاب نعم بل وأضاف سندخل القدس فاتحين وسنعيد النظر فىكامب ديفيد .. ولم يعلم بأن اسرائيل وأمريكا وغيرهما من القوى الدوليةالمتربصة بنا يتابعون هذه المناظرة لدراسة توجهات الرئيس المصرى المرتقبومن ثم  تتقولب الاعتبارات مع أو ضد  بينما فالضحية فى النهاية هى مصروشعبها

 

لقد أجاب الأول وبدهاء يعلم قيمةالكلمة وقد تمرّس عليها أنه يختلف مع الكيان الاسرائيلى وسيطالب باعادة نظرالمعاهدة لكن مصر يربطها مع الدولة العبرية معاهدة سلام..

 

هنا يكون الفرق فى الكلمة والخطابالسياسيين .. فكُلُنا لانُنكر كراهيتنا لدولة الاحتلال لكن السياسى لاينطقمثلنا ولايُثرثر كما نُثرثِر نحن .. فمصلحة الدولة وأمنها القومى يفرضعليه مهام عظام ومسئوليّات ثقيلة..

 

هل نحن مستعدين لحرب قادمة وبدونترتيب أوراقنا .. مع الأسف أبدى الأخيرُ إستعداده وباندفاعةٍ أصوليةٍ واضحة بينما الأول فقد ناور بإجابته وركز على مصلحة مصر بالأساس..

 

هو ذات الخطاب السياسى لمُرسى فىمؤتمر المحلة حينما لم يُعطى تعليماته لمن يخطبون بالمؤتمر بمرجعيّاتهمالأصولية وقد صرَّحوا بأنهم حماس بالتضمين لحماسة الشباب وبالتصريح لحماسغزة وماأكد هذا هو هتاف الجميع (ع القدس رايحين شهداء بالملايين ) وقد غابعن مؤتمره الحس السياسى  وسط أجواء إقليمية باتت مرتقبة لثمة تصرفٍ يُبرِّرالتدخل فى الشأن المصرى سياسيَّاً وربما يستطيل للرغبة فى التدخُلِعسكريّاً تحت ثمة مُبرِّر .. بينما نحن فغير مستعدين بعد!

 

ان قيمة الخطاب السياسى  قد بدىاجليّاً فى  إثنين من المُرشحين وقد مارسوا السياسة بحق الأول ذو مرجعيّة عسكرية وإن كان فى نظرى  يُمثّل السياسة الناعمة التى تخفى وراءها رجُلاً عسكريّاً وإداريّاً ماهراً وهو الفريق أحمد شفيق والذى قد ثبتت مقدرته فىالقيادة الميدانية والإدارية .. بما جعل الشعب يوماً يتمناه هو أو سليمانخليفةً لمبارك لكن الأخير قد رمى بهما وقت إنتحاره حارقاً كروتهما السياسيةأمام الشعب لكن لايعنى هذا ضياع قيمتهما القيادية وخبراتهما السياسية..

 

إفتقر الأصوليون الى اللغة السياسية وراحوا يتحالفون مع رغبات الشارع غير المتعقل فى أحياناً فىمحاولةًٍ منهم لإرضائه وقد داعبوهم على أنغام دماء الشُهداء وآلام الجوعى والمحرومين .. وقد تأجَّج خطابهم السياسى بما لايُمكن لعاقل قبوله أن يكون خطاباً يحكم دولة مصر فى جمهوريتها الثانية..

 

إن قيمة اللفظ ياسادة تختلف حسبالناطق به وهل هو من العوام أم من النُخبِ أم من الساسة أم من خُطباءالمنابر ورجال الدعوة أم  حتى من رئيس مصر ذات التاريخ العريق ومحل الأطماعالعالمية فيها .. فلايُمكن القبول بأن تتحد لغة العوام ورئيس مصر ولايُمكنأن تتوحد  تعبيرات الشارع ورئيس مصر .. فمن يُداعب الشعب على حساب مصالحالبلاد القومية العُليا إنما يحفُر لهُ خندقاً لوأده به..

 

مازح ريجان أعضاء الكونجرس وقد ظنميكروفونه مُغلقاً  فقال : بأنه قد أمر بإطلاق صواريخ بلاده النووية علىروسيا خلال خمسة دقائق  وبعد دقيقة واحدة كلّمه الرئيس السوفيتى أخبرنى عنمدى صحة قولك لأن صواريخنا أصبحت جاهزة للانطلاق نحوكم خلال دقيقتين فأخبرهبأنه كان يُمازِح أعضاء الكونجرس وقد كانت سقطة فى حق الرئيس الأمريكى ساعتها

 

هذا يعنى أن مجرد كلمة من رئيسالدولة كانت ستحول العالم فى دقائق الى كوماتٍ من رماد .. فما بالكم بمنلايعرفون للكلمة مدى أيستحقون  أن نُبوِِّأهم منصب قيادة الدولة..

 

إنها الروح الانتقامية وقد بدت جليّةً فى خطاب الأصوليين .. بينما فالانتقامُ لايبنى دولة..

 

لقد واجه موسى بدهاءٍ شديد مناظرهبكتاب نشره يُقرُّ فيه بضرورة الجهاد واعتناق فكر الجهاديين وعملياتهمالاستشهادية  والقتالية فى تصفية أعدائهم ومناوئيهم .. وقد ارتبك الآخرمُلقياً التبعة على تصريح شباب الجماعة فى حينها.

 

راح مرسى يُقبّل رأس بديع فى حفلتدشين مشروع ترشيحه كرئيس مصر  فى مشهد لايختلف كثيراً عن تقبيل نجاد أيادىالملالى بإيران ..  فمظهر المرجعية فى الحالين واحد  وكما حكم البلادلديهم بمشورة الملالى سيكون غداً بمشورة مكتب الإرشاد والمرشد العام ويكونالسؤال المنطقى هُنا ماذا لو اصطدمت مصلحة البلاد العليا مع مصلحة الإخوانومكتبهم الإرشادى وبيعة المُرشد ذاتها..

 

إننا لسنا ضد حُكم العقائديينياسادة فنحن ننشدهم إنما لم يتمرّسوا العمل السياسى  بعد فى ظل آليَّاتعالمية لاتعترف إلا بالحاكم الداهية  والسياسى الماكر الذى لاتتمناه لنا القوى المُعاديَّة بالأساس..

 

لاينال من موسى عدم منع الاعتداءالصهيونى على غزة  ولا الاعتداء الأمريكى على العراق  أو ليبيا فلم يكنساعتها رئيس دولة ذات سيادة يملك خياراته  بل كان رئيس منظمة إقليمية تتكونمن دول ذات سيادة  ومادوره فيها سوى التنسيق وفق أصول الممكن والمتاح..

 

فالرجل بالمُقابل قد رأس وزارةمصر الخارجية فى أوج مراحل عظمتها على مستوى العلاقات المصرية الإفريقيةوالعربية والدولية بما جعلت مبارك ذاته فى موقف الغريم منه  لدوره الذى راحالشعب معهُ ساعتها يُطالب به خليفة له فأبعده الى الجامعة العربية فأثبتقدراته التى جلبت إحترام العالم له وأوثقت علاقاته على مستوى الزعماء ورموزالسياسة فى العالم..

 

إن مُجرَّد تعداد حالات الاعتقال قد تصنع مُكافحاً ومناضلاً لكنها ليست بالضرورة أن تصنع سياسياً ماهراً وداهية ذو خبرة سياسية..

 

 إنَّنا بحاجةٍ خاصةً فى المرحلة الراهنة  وما تتطلبه من  استعادة دورنا الاقليمى والدولى  وتحقيق مساعدات اقتصادية دولية لنا  الى رئيسٍ يحتفظ  بثقة العالم وزعمائه به  واستعادة أمن البلاد بما يملك  من جُرأة وكاريزما خاصة بل والحفاظ على أمننا القومى  بعدم إقحامنا فى صراعات حدودية لسنا مستعدين بعد لها كما يُصرِّح البعضُبها الآن ..

 

إن كافة المرشحين ياسادة لايُمكنإنكار أمر وطنيتهم ولانضالهم الوطنى  وإن بدا التفاوت واضحاً فى كاريزميةالبعض وشيفونية واستعلاء البعض وبرجماتية ودهاء البعض وتصادمية وإندفاعية  البعض الآخر..

 

إن الإختيارات باتت محصورة فىالإدعاءات بالليبرالية والأصوليّة والوسطية السياسية والعقائديّة  بين مُرشحى الرئاسة وقد قدَّم البعضُ منهم نفسه بتواضُع الأقوياء بينما الآخر فقد قدَّم نفسهُ بشيفونية الضُعفاء


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق