]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف (11 )

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-19 ، الوقت: 19:21:15
  • تقييم المقالة:

 

وأما هذه التي يسميها الصوفية بالحضرة الإلهية فما هي إلا مشاهد يعرضها الجن على المجاذيب عندما تغيب عقولهم فيريهم عجائب الأشياء. يريهم أنوارا وأشكالا وصورا ونفوسا وما إلى ذلك من الصور المفبركة، ويمثل هذا النموذج أبو اليزيد البسطامي الذي يقر بنفسه أنه لما غاب عقله ادعى الألوهية وكان ينطق بلفظ غيره وعقله مغيبا، يقول صاحب الجواهر: " فإن الحضرة القدسية ... من دخلها غاب عنه الوجود كله فلم يبق إلا الألوهية المحضة حتى نفسه تغيب عنه ففي هذا الحال لا نطق للعبد، ولا عقل ولا همّ ولا حركة ولا سكون ولا رسم ولا كيف ولا أين ولا حد ولا علم فلو نطق العبد في هذا الحال لقال: (لا إله إلا أنا سبحاني ما أعظم شأني)، لأنه مترجم عن الله عز وجل، وفي هذا الميدان قال أبو يزيد قولته التي قالها وفي وسط أصحابه وهم دائرون  به قال: ( سبحاني ما أعظم شأني) فهابوا أن يكلموه، وعرفوا أنه غائب، فلما صحا من سكرته، وتحققوا من الصحو أخبروه بما سمعوه منه فقال: ما علمت بشيء". جواهر المعاني    

 

لا نشك أن هذا الذي حدث لأبي يزيد هو المس بعينه وعلى أمثال هذه الشطحات والخوارق والعجائب والغرائب التي ذكرها الشيخ تقوم العقيدة الصوفية الباطنية بشكل عام ومن خلالها سنعرض أوهام الصوفية لنرى ما إذا كانت لهذه المزاعم وجه من وجوه الحقيقة في الدين والمنطق والعقل والعلم أم لا تعدو أن تكون خوارق تصنعها كائنات مضللة بالشكل الذي تحدثنا عنه في مواضيع متفرقة. فلا ريب أن هذه المزاعم ليست من الكرامات الإلهية لأنها خوارق سحرية يمتلكها الكاهن والساحر والكافر ومن لا علاقة لهم بأي دين من الأديان، وهي بالأخص خوارق أكثر الذين تحصل لهم رهبان الديانات الوثنية حيث يظهرون ما هو أغرب من خوارق الصوفية ومع ذلك لا يدعون أنها كرامات إلهية، ولو افترضنا أنها كانت كرامات إلهية حقا لكان الأنبياء الكرام أولى بها من أي مخلوق كان.

 

وكذلك فمن صور الزندقة الصوفية التي يجب أن تكون مدخلا إلى عالم التصوف ما كان يدعيه إبراهيم بن أبي المجد الذي وصفه الشعراني بالولي الصالح رغم أن كلامه كله استطالة على الله:" وأشهدنياللهتعالىمافيالعلى، وأناابنستسنين، ونظرتفياللوحالمحفوظ،وأناابنثمانسنين،وفككتطلسمالسماء،وأناابن تسعسنين،ورأيتفيالسبعالمثانيحرفاًمعجماًحارفيهالجنوالإنسففهمتهوحمدتاللهتعالىعلى معرفته،وحركتماسكن،وسكنتماتحركبإذناللهتعالىوأناابنأربععشرةسنة،والحمدللهرب العالمين ".الطبقات الكبرى للشعراني

 

وكان محمد بن أحمد الفرغلي يقول: " أنا من المتصرفين في قبورهم (؟) فمن كانت له حاجة فليأت إليَّ قبالة وجهي، ويذكرها لي أقضيها له ". الطبقات الكبرى للشعراني

 

ويقول صاحب كتاب الإبريز أحمد بن المبارك نقلا عن حديث شيخه عبد العزيز الدباغ أن الولي في إمكانه الدخول إلى بيوت الناسدون الإحساس به أو رؤيته وكذلك فإن للولي قدرات تجعله يضع خطوة في مشرق الأرض وأخرى في مغربها: "  ومن ذلك ما يقع للأولياء من وجودهم في الموضوع ودخولهم إياه من غير فتح باب... ومن ذلك ما يقع في مشي الخطوة حتى يضع الواحد منهم رجلا بالمغرب وأخرى بالمشرق، فإن الذات لا تطيق خرق الهواء الذي بين المشرق والمغرب في لحظة ، فإن الريح تقطع أوصالها وتفتت أعضاءها وتنشف الدم والرطوبات التي فيها ولكن الروح أمدتها بالقوة حتى وقع ما وقع". الإبريز

 

وما يمكن استنتاجه من مجمل أقوالهم السابقة أن إيمان هؤلاء الشيوخ بوحدة الوجود والحلول والاتحاد عميقة على غرار ما يعتقده أهل الديانات الوثنية، علاوة عن ادعاء بعضهم الألوهية وإنكارهم لأحكام الشريعة واعتبارها خاصة بعوام الناس وأهل الظاهر. وأما شريعة أهل هذه الطائفة فمصدرها مستمد من الأحلام والكشف وحضرات الجذب ووحي الرسول الشبح الذي يتراءى لهم يقظة ومناما، واعتبارهم الشيخ الذي يسمونه الولي مشرعا خاصا لأتباعه وأن شريعته أولى بالأخذ والتطبيق من أي شريعة أخرى، وكل ذلك ورد في وصية صاحب الطريقة الشاذلية وتم تأكيده في الكثير من كتب الطوائف الأخرى، قال الشاذلي: " النبيمشرعللعموم،والوليمشرعللخصوص". الطبقات الكبرى للشعراني

 

وفي إنكار بعض أهل زمانه لشطحاته كقوله: "  حدثنيقلبيعنربي". قال الشيخ الشاذلي: " لاإنكارلأنالمرادأخبرنيقلبيعنربيمن طريقالإلهامالذيهووحيالأولياء،وهودونوحيالأنبياءعليهمالصلاةوالسلامولاإنكارعلىمن قال: كلمنياللهتعالىكماكلمموسى". الطبقات الكبرى للشعراني

 

وما ينبغي أن نذكره في هذا السياق أن ما ادعاه أحد أتباع الطريقة العلوية في الوقت الحاضر يثبت صحة ما ادعاه غيره من الصوفية قبل اليوم، فقد زعم أنه تلقى وحيا من الله يخبره أنه بعث نبيا للناس كافة، يحمل دينا جديدا، وموحدا لجميع الديانات الكتابية والوثنية في دين واحد، وقد تحصلنا على نص الرسالة التي قال أنه تلقاها وحيا وبعث بها إلى بعض رؤساء العالم، إضافة إلى عدة  أشرطة غنائية اعتقد كذلك أنها من ضمن ما أوحي إليه، ولم ير في ما أعتبره وحيا إلا إدراك العيان للحقيقة.

 

ولعل هذا الذي وجب أن يسميه إدراكا عيانا لا يعدو أن يكون غلبة من غلبات الحالات التي ذكرناها، والتي تعبر بصدق عن الحقائق الصوفية، وأنه لم يكن يعلم أن الدين مرجعه إلى العلاقة بين الإنسان وبين الوجود بأسره، وعقائده تتسع لكل ما في الوجود من ظاهر وباطن ومن علانية وسر ومن ماض بين آزال لا تحصى في القدم ومستقبل لا يحصى فيما ينكشف عنه من غيوب، وأن هذا الدين الذي ختمت به جميع الديانات لن يسمح لأحد بأن يلغيه من ضمائر الناس بمجرد ادعاء أحدهم الألوهية أو النبوة واستبداله في لحظة بدين آخر، وهو لا يوجد في دينه الجديد أو كهاناته أثر لفرائض السعي وفرائض العبادة. 

 

عبد الفتاح ب 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق