]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

أطفال في سنّ الخمسين.

بواسطة: البشير بوكثير  |  بتاريخ: 2012-05-19 ، الوقت: 18:11:59
  • تقييم المقالة:

الإهداء : إلى أبنائي  الأبرار، وتلامذتي  الأخيار " الدكتور عمر محجوب، المهندس عبد القادر مرنيز، الحقوقي عبد الغني لخضاري".أهدي هذه الترنيمة الإنسانية.

    ما أقساك أيتها الحياة وما أشدّ بطشك  حين تبطشين !

تُغيرين على فراخ زغب القطا آناء الليل ، وأطراف النهار، فتقتلعين الخوافي والقوادم ، ثمّ تنهشين اللحم والشحم تكسرين العظم .

  لقد صدق الشاعر حين وصفك :

 هي الدنيا تقول بملء فيها                    حذار حذار من بطشي وفتكي !

 فلا يغرركمو مني ابتسام                    فقولي مضحك والفعل مبكي .

أمرّ كلّ صباح على براعم متفتحة كالزهور،  تعانق نسيم الفجر والسحور، وتتنشّق عبق الشذى الممزوج بالحرّ والقرّ والزمهرير،إنّهم فتية صغار رمت بهم المقادير  على جانبي الطرق الموحشة وراء عربات صغيرة ،وصنادية خشبية زُيّنت بالحلوى وبالسجائروالتبغ والفول السوداني ...إنّهم أطفال مازالت سمات البراءة طافحة على وجوههم الندية ، وعلامات العنفوان تغطي خدودهم الوردية.

 كنتُ أمرّ عليهم مع نسائم الفجروكأنهم خلية نحل لاتهدأ، حركة وجلبة لبيع ما احتوته صناديقهم وعرباتهم الصغيرة...

إنّهم أطفال ككلّ الأطفال غير أنّ مايميزهم هو فحولة ورجولة وتحملّ للمسؤولية منقطع النظير...ألم أقل أنّهم أطفال في سنّ الخمسين؟!

مع آذان كلّ فجر تخرج هذه الطلائع الكادحة، تنتشر في زوايا الشارع الكبير ساعية دائبة، يلتقطون الرزق كما يقولون التقاط العصفور للحبّ ، وكأنّ أفواها تنتظرهم أثناء العودة أو"كوم لحم" بالمرصاد ينتظر الزاد على حدّ قول إخواننا المصريين.

 إنّهم جنود صغار ، سلاحهم العزم والإصرار، والجَلد والاصطبار، في ظلّ الأخطار وجماعة الأشرار، الذين يزيدون من تعاستهم ،ويؤرقّون عيشهم المغمّس بالعرق والكدح المضني.

  عمر، ياسين، سمير ، منير...أسماء دخلت قاموس حياة "الميزيرية" منذ الصغر ، متطلعة لمستقبل مشرق يمحو أحلك الصور...

  نعم أحسستُ بحرقتهم واكتويتُ بنار عذاباتهم ومعاناتهم ...

في بعض المرّات أجلس إلى هؤلاء استمع إلى هدهداتهم ،وآهاتهم ،آمالهم وآلامهم، يتكلمون كثيرا ..يثرثرون..يصيحون...يهتفون...يقولون : نريد أن نعيش مثل بقية الأطفال ،لكن ظروف أسرنا تُحتّم علينا العمل في الصيف وفي أوقات الراحة للمساعدة في التخفيف من ضنك العيش،وقساوة الحياة...

نريد أن نضحك ..نغني ...نمرح.. نستجمّ ..نستريح...ندرس جيدا لكن هذه العربات والصناديق هي قدرنا ...ارتبطنا بها وصرنا مُكبلين في الأصفاد ...أتأثر حتى البكاء ..أخفي دموعي ،أكفكفها خِلسة كيلا يشعرون.

  أقترب من ياسين ،أمسح بيدي على شعره الناعم ،يرفع رأسه ويهتف بشوق: أبي ...تتغلغل هذه الكلمة ،تتسلل إلى قلبي ،فأحسّ لها صدى يغمر كياني ، ويحرك أشجاني،وأحسّ بسعادة لا تعادلها سعادة الموسرين المترفين...

 نعم إنّهم يعتبرونني أبا لهم ، مثلما أعتبرهم أبنائي  لا لشيء سوى لأنّي أحبّ الأطفال ، أليسوا رياحين الجنّة؟

أقول : تكلّم يا  ولدي ياسين،يحدثني عن ذكرياته أيام كان في الصفّ مع زملائه يدرس ، ويلثم عبير التحصيل كما يلثم النحل رحيق الزهور، يحكي عن عناده ، وعن مشاكسته...ثمّ يتوقّف ويبكي دموعا مهراقة تتقطع لها نياط القلوب ...أحسّ بمعاناته ، بجرحه..حين انفصل والداه ، وانقطع عن الدراسة ..فرمته الأقدار إلى الشارع يكدّ مثل الكبار ، لقد احتضنه صندوق السجائر والحلويات ، ليقضي على كل آماله في الحياة...

أمسح دموعه اللجينية ،أقبّل جبينه الطاهر الملائكي..أحكي له حكايات  الطفولة البريئة ..يحدّق ،يصغي باهتمام، يضحك ... غريب أمر هؤلاء الملائكة ..حقا إنّهم ملائكة لكنهم يأكلون، يشربون، وينامون...

أدنو من سمير ذاك الولد الشاعر  الذي شاءت له الظروف أن يصفّف السجائر والحلويات بدل القوافي والمعاني الساحرات...لكنه مجتهد في الدراسة والأول في الصفّ ،يتمنى أن يصير مثل المتنبي والبحتري وأبي تمام.

 إنّ أمثال هؤلاء الأطفال متواجدون  بكثرة في ربوع الجزائر العميقة ، وفي كلّ الأقطار والأصقاع ، ولكل واحد ألف حكاية وحكاية.

  أيها الساسة ..أيها المسؤولون..إنْ أردتم خدمة البلاد والعباد ،فانظروا بعين الرأفة لهؤلاء، أنقذوهم ممّا هم فيه فهم أمل الأمّة وذخرها وعمادها، احموا طفولتهم وبراءتهم ، فلولا الشيوخ الركع ، والأطفال الرضّع مارزقتم، ولولا الطفولة الجميلة ماغنّى  فوق دوحتنا عندليب، ولا صدح كاتب أو أديب.

       إلى كل الأطفال المحرومين المشردين المنبوذين في عالم الكبار، أهدي هذه الكلمات ، ولا أجد غير الكلمات والآهات أهديها ..إلى الذين لا يجدون ماينفقون أقول صبرا فإنّ موعدكم...

               بقلم: البشيــــــــــــــــر بوكثيـــــــــــــر  رأس الوادي (الجزائر).


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق