]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الشِّعر السايب.. يعلم الجرأة

بواسطة: محمود موسى  |  بتاريخ: 2012-05-18 ، الوقت: 21:26:53
  • تقييم المقالة:

الشِّعر السايب.. يعلم الجرأة   

 

يخيل إليّ أنني قصصتُ عليكم من قبل موقفا كان يجلس معي فيه بعض من لديهم محاولاتٍ في الشعر وقال أحدهم رأيًا مفاده أن طموحه الأول والأخير هو كتابة ما "يلمّس" مع الجمهور.. وأراد أن يضرب لي مثلا ليوضح رأيه فقال: لو افترضنا مثلا أنني أتيحت لي الفرصة أن أقول شعري في ندوة يحضر فيها من الجمهور مئتا مستمع.. بينما يجلس على المنصة ثلاثة أو أربعة من النقاد.. أيكون الأجدر بي أن أرضيَ المئتين أم أرضي الأربعة؟!!

ووددت أن أفتتح مقالي بهذا المثال لأنه من النماذج الجيدة التي تفيدنا –تشريحيا- في هذا الموضوع حيث إذا أردنا أن نرى الأمور من منظور هذا المتكلم لوجدنا أنفسنا نتساءل أولا عن المقصود بإرضاء العدد الأكبر وما هو بالتحديد الذي يرضيه؟   أريد أن أتخيل معك لو أنك تستخدم مصفاة لاستخلاص سائل معين وتنقيته من الشوائب.. ولكنها تتسم بأن ثقوبها إما واسعة بما يسمح للشوائب أن تنزل مع ما تصفيه فيمتلئ إناؤك بكثير من الغثاء وإما ضيقة إلى الدرجة التي لا تسمح بنفاذ السائل نفسه إلا بشكل ضعيف كيف يكون رد فعلك؟ هل هو الاستغناء عن المصفاة كأداة بشكل عام أم عن هذه المصفاة المستخدمة على وجه الخصوص؟ هكذا يكون الكلام لعل البسطاء قد قبلوا المعروض من القصائد وأعاروه اهتمامهم "على ما تفرج" أو لعدم وجود بديل يعيد تشكيل ذائقتهم.. وأن الأمر تحول بهم إلى ماتحدث به أحد سائقي التاكسي في فيلم "الكيف" في محاولة لتنوير الزبون الذي ركب في الكرسي الخلفي حين اعترض الراكب على نوعية الأغاني الهابطة الصادرة من التسجيل فناشده السائق بابتسامة ولهجة العارف ببواطن الأمور أن يعطي لأذنه الفرصة أن تسمعها بشكل متكرر حتى تتعود عليها وتجعله آخر سلطنة!.. ة لهذا فإننا إن امتلكنا ثقافة التوجيه الإعلامي بجعله صانعَ نجوم بدلا من أن يختار ضيوفه بناءً على كم هو مألوف ومعروض وجههم للجمهور فإن الأمر سيختلف.. لأن مقاييس النجومية ذاتها ستختلف في هذا الوقت.. ولن تصبح الكاريزما وحدها هي الفيصل ولا الحكَم   نعود إلى الموقف الذي بدأنا به حديثنا.. وأريد أن أدلل على بطلان الاستدلال فيه بمثال آخر وأجعلك تتخيل معي لو أنك هبطت عليك ثروة فقررت أن تذهب لشراء سيارة آخر موديل بما يتناسب مع مركزك المالي الذي تحولت إليه.. فذهبت إلى التاجر طالبا منه أن يدلك على هذه الـ آخر موديل فعرض عليك واحدة ليست كذلك ولكن شكلها أبهرك حتى أنك انتشيت بما وصلت إليه وتوهمت فيه المواكبة والعصرية..  ماذا يكون شعورك حين تكتشف أنها تتأخر بأعوام عن الموديل الذي طلبته؟ شعور بالنصب و"الاستكراد" طبعا! وماذا كنت تتمنى وقتها؟ بالتأكيد كنت ستتمنى لو كان معك من يفهم في هذه الأمور حتى لا تخدعك المظاهر هذا الذي تتمنى أن يكون معك هو بمثابة الناقد للمتلقي..الذي يشعرك بنفس الشعور حين يدلك على دواوين للشعر تقرأها فتشعر بكم الاستهلاك الذي كان يتضمنه ما كنت تقرؤه من قبل.. لهذا فحين تخرَّب الأذواق وتسَطّح العقول وتُفلِسُ الثقافات.. إلى الدرجة التي تجعل المتلقي وقت أن يقرر أخيرا أن يذهب إلى الشعر طالبا الاستمتاع فيسمع الصورة من الشاعر وكأنها تقال للمرة الأولى أو كأنها لم تُقتل صياغةً مِن قبل..وعلى أساسها ينصبه المتحدث الرسمي باسم الشعر! كالذي يسمع معلومة من شخص أن موسوليني هو قائد الثورة الصينية فيعطي قائلها لقب: كبير علماء التاريخ !! لهذا فالبديل لحالة النقد المستغلق التي يكتفي أصحابها باستعراض المعارف النقدية والدوران حول النصوص المطروحة دون تفنيد الإيجابيات والسلبيات لا يكون الاستغناء عن النقد كأداة.. أيمكن لفرقة موسيقية أن تستمر دون مايسترو؟ ليس من المنطقي أيضا أن يدعونا تحول معظم النقاد إلى النفاق والسعي لحصد المال من خلال المسابقات الفاشلة وإسهامهم في مزيد من التعصب القبلي إلى أن نُنحي النقد جانبا ونترك الأمر ككرةٍ تتقاذفها الأقدام   لعل الحافز أو الإغراء المناسب هو ما نفتقد.. فإذا عثرنا على الكوادر التي نبدأ بها وفعّلنا من خلالها مسابقة في الدراسات النقدية دلالة على أنه –النقد- أولى بالتسابق من الفنون نفسها والتي يقيّمها فأعتقد أن الأمر سيأخذ منحى أكثر عملية.. أضف إلى هذا أننا إذا صنعنا الناقد النجم أيضا وخرجنا به عن منطقة الكواليس واخترنا له مواصفات تتضمن الكاريزما التي تجعل له شأنا عند البسطاء وتهون من حالة النفور التي تعود بها أن يراه الجمهور في صورة الشخص المعقد الذي يهدم ولا يبني ويحل دون أن يربط.. بهذا نضمن حملات توعية نجني ثمارها بما ينفع ونزيح بها الغبار عن ذائقة الناس وبصيرتهم فلا يقنعون بالذي هو أدنى بعد أن ملكوا الحس واللغة وروح التذوق.. وساعتها سيلزم الجميع حده ولن يجرؤ على الاقتراب من منطقة الكتابة إلا بعد تفكير   هذا أولى بنا من تفريغ الوقت والجهد لتوجيه السهام لفلان الذي اشتهر فجأة وهل يستحق أم لا يستحق.. فأنا وأنت نعلم جيدا أن الشهرة رزق كغيرها من الأرزاق.. وليس ذنب صاحبها أنه سعى إليها فنال منها الحظ الأوفر إذ صادف مطلب الجماهير التي يجب أن تكون لها الأولوية في أوقاتنا الفترة القادمة محمود موسى


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق