]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

(عنزة ولو طارت)!

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2012-05-18 ، الوقت: 18:56:39
  • تقييم المقالة:

(عنزة ولو طارت)!

جمال الظاهري

حين يتذمر البعض من مراجعة مسيرته أو تذكيره بما اقدم عليه من خطوات وأفعال، أو توضيح ما صاحب ذلك من أخطاء، فإن هذا الشخص يعرف يقيناً بأنه قد أرتكب ما يخجل منه، لهذا فهو يفضل الاختباء في الزوايا المظلمة، ولا يريد لأحد أن يرى غير ما يرى هو، لهذا فهو كمن يتذمر ويسخط ويلعن الشمس لأن حرارتها تؤذيه متناسياً فوائد تلك الشمس وما تبعثه أشعتها من الحرارة، لماذا؟  لأنه لا يرى غير نفسه ومصلحته، لهذا فحاجة غيره لهذه الحرارة، وأهميتها لكل المخلوقات من أجل استمرار الحياة لا تعنيه.
 وحين يقفل الأنسان بصيرته، فإن الجانب المظلم من العقل يزداد نشاطاً وابداعاً في خلق كل ما يعكر صفو الحياة، حينها يصبح الضوء، والوضوح بالنسبة له مشكلة، والحقيقة خرافة، والنجاح فشلاً، والعقلانية خوفاً وتردداً، حينها تصبح الوحشية والتشكيك، والتخوين هي السائدة على العقل والمنطق، فيختفي الود وتنتهي الانسانية، والاخوة والزمالة، وكل مشاعر الجنس البشري التي تبني وتعمر، لأن السائد حينها يكون منطق الغلبة، والفوز بأي ثمن وأياً كانت الوسيلة.
العرض السابق كان مدخلي إلى موضوع الثورات العربية، التي إن قُلت أنها قد حققت نتائجها، فإن هذا القول يوافق الصواب، وإن قُلت أنها أخفقت، ولم تحقق ما كانت تتطلع إليه الشعوب فإنك أيضاً تكون قد أصبت كبد الحقيقة، كيف اجتمعت الاجابة بالإيجاب للنقيضين هذا ما سأعرض إليه في هذه المناقشة المستندة إلى الوقائع والأحداث.
إن كل ما له بداية من المؤكد أن له نهاية، فكم من الوقت استنزفت أو أحرقت هذه الثورات، ابتداءً من ثورة تونس، مروراً بما تلاها من ثورات في ليبيا، ومصر، واليمن والبحرين، وسوريا؟ ها نحن قد تجاوزنا العام وقاربنا من انتصاف العام الثاني، مسافة زمنية ليست بالهينة أو غير المهمة بالنسبة لحياة الانسان وبالنسبة لتعمير البلدان، اليس كذلك؟
قد يقول قائل لقد جمُدنا لعقود، وسنة ونصف من أجل النجاح لا تساوي شيئاً، قوله هذا صحيح في شقه الأول بالنسبه للجمود، ولكنه غلطان جدّاً في تقزيم الفترة الزمنية، خاصة إذا ما اضفنا اليها ما خسرناه خلالها، هذه الخسارة لم تقتصر على شيء بعينه.. بل طالت كل مناحي حياتنا، ولو أخذنا كلفتها فقط في ما أحدثته من شروخ مجتمعية، وما استنهضته من رؤى مناطقية، وعرقيه، ومذهبية كنا قد أملنا أنها قد اندثرت خلال الحقب الماضيه التي شهدت نوعً من الاستقرار للأنظمة التي ثرنا عليها لأدركنا فداحة الكلفة التي دفعناها كشعوب، ولو أضفنا ما خسرناه في الجوانب التنموية التي توقفت، أو تعثرت، وما شهدته مؤسساتها من دمار، فإن حديثنا سيطول، قد تختلف نسبة التدمير من بلد إلى آخر إلاّ أن الحقيقة هي أن هذه الخسارة قد أعادتنا عقوداً إلى الوراء، على أقل تقدير تساوي العقود التي حكمتنا فيها الأنظمة المنهارة.
وبالنسبة لموضوع العمران والتطور المجتمعي الذي يؤسس لقيام الدول المدنية، وبناء الانسان، فيكفي أن نضرب مثلاً نعيشه في واقعنا اليمني، فبعد أكثر من خمسين عاماً من بناء الانسان اليمني الذي يعتز بإرثه، وإنتمائه لهذا الوطن، وبما حققه الإنسان اليمني من انسجام مجتمعي بين العديد من مكونات الوطن اليمني الكبير، بين مختلف المناطق، والقبائل، وما حققه من قناعات التعايش بين المذاهب، ها نحن اليوم قد عدنا عقوداً للوراء، وعادت ثقافة التمترس وراء القبيلة، والمنطقة، والمذهب، وليس بيننا وبين حمل السلاح ضد بعضنا إلاّ بضع خطوات من قبيل ما نعيشه هذه الأيام من أتهامات وحروب، وتجنّ ونكران لحق بعضنا البعض في أختيار المذهب الذي يرى أحد هذه الكونات أنه يناسبه، واتهام بعض المناطق لمناطق آخرى بمصادرة حقوقها في الثروة، واستيلائها على حقها في  تقرير المصير، والعيش الذي تريده.
حين يقول البعض أن التكلفة قليلة نقول له عليك أن تتعلم مبادئ الحساب من (الصفر) لأنك قد فوت الكثير، وأعمتك حمى الانتهازية وجشع السلطة والنفوذ عن رؤية ما سحقته وستسحقه تحت أقدام، هذه القطعان التي، خرجت بداعي التغيير والثورة، من أجل حياة أفضل في المستقبل القريب.
وبحسبة أخرى لو سألنا من يستخف بالكلفة التي دفعناها، ومازلنا ندفعها، ما هو حجم مواردك، وثرواتك الوطنية، التي تعول عليها في إعمار ما تهدم؟ وكم من الوقت ستحتاج للملمة هذه القطعان التي تسوقها، وترسم لها الأحلام الوردية؟ وكم من الجهد ستحتاج للسيطرة عليها بعد الذي ألفته من الإنفلات؟ وكيف ستقنعهم بأن يتركوا البندقية، أو الخيمة، ويعودوا إلى ما كانوا عليه قبل خروجهم للساحات والميادين العامة.
هل سيقبلون حينها منك أن تصرف لهم الوعود، وهل سيقبلون بها؟ ثم كيف ستقنعنا بأن الاستقرار والرخاء والعدل سيكون هو السائد، في عهد ما بعد الثورة؟ التي لم تستطع الحسم أو إقناع الجميع بها وبمساوئ من قامت ضدهم، في حين أن هذه الثورة قد رحبت واستوعبت جزءاً كبيراً من رموز النظام السابق؟
لقد أخذتنا الشطحات مأخذ بعيدة، أقل ما يقال عنها أنها أوهام، ونرجسية زائفة لا تتوافق مع الواقع وما هو حقيقي، كيف يكون ذلك؟ .. في هذا الأمثولة البسيطة سنعرف أننا قد اسرفنا كثيراً في احلامنا، لأنه لو عرفنا أن موضوعاً بسيطاً في ما يخص تطور السلوك الفردي ومن ثم المجتمعي يحتاج له سنين وسنين حتى يرسخ في السلوك الفردي، فمابالكم بما قد يلزمنا من الوقت لترسيخه على المستوى المجتمعي.
هل تعرف كم من التعليم ونفقاته، والتوعية والتهذيب أحتجنا لإيقاف إطلاق الأعيرة النارية في الأعراس في المدن الرئيسية اليمنية، وكم من الجهد والبذل انفقنا من أجل تأسيس هيبة الدولة لدى الفرد العادي كي يحترم زي الجندي وليقف أمام اشارة المرور، أسئلة كثيرة على من يظنون أنفسهم أنهم قادة المستقبل أن يسألوها لأنفسهم قبل أن تكتمل حلقة التدمير والعبث الذي أستغلوه وما زالوا يستغلونه تحت وطأة حاجة الناس  للتغيير وتحت تأثير حمى الثورات الشتوية، عفواً (الربيعية).
إن استغلال بساطة الناس وتوقهم للعيش الكريم بهذه الطريقة إنما ينم عن رؤية ظلامية وسوداوية لا تبشر بخير، فحين نرى رجل الدين وقد شمر مأزره وألقم لسانه -الذي يفترض به الدعوة للمحبة والتعايش والإيثار،- نراه وقد القمه بندقية لا تتكلم إلا بلغة (الرصاص)، ودعوات الويل والثبور وعظائم الأمور لمن يخالف، أو يعترض، فما الذي ننتظره، وحين نرى أن الفاسدين ومن كانوا ولو جزءاً من منظومة الفساد، والعبث بهذا الشعب، ومن ناهبي ثرواته، وقد أعتلوا رقاب هؤلاء البسطاء، فكيف نحلم ومن ثم كيف لنا بأن نقبل بهذه الأدوات، وهذه الوسائل التي لا يعول عليها في إحداث ما أردناه من التغيير.
لا يعني طرحي هذا أنني ضد خروج الناس للدفاع عن مصالحهم أو من أجل تصحيح ما أعوج أو اقتلاع ما فسد، على العكس  من ذلك تماماً، هذا فعل يعتز به الأنسان السوي المتطلع لغد أفضل، وحياة أكرم وأعز، إلا أن الدلائل تقول لي أن الجهد والدم والعرق الذي بذل قد استغله حفنة من الفسدة، وراكبي الأمواج العشوائية التي ليس لها ضابط، ولا مستقر في شاطئ.
صحيح أن الأشياء العظيمة تكلفتها باهظة وأن من يريد العلا يسهر الليالي، ولكن الاصح من ذلك أن الانقياء من أصحاب المصلحة الحقيقية هم من يصنعون التغيير، على أساس انهم المستقبل والبديل للماضي، بكل شخوصه وأتباعه ومنتفعيه، أما الاندفاع كالاغنام التي إنقادت وقبلت بأن تسوقها الذئاب، فقط لأنها ترى فيها القوة، والمنعة، أو فرصة للربح، فإن ذاك قمه الحماقة! لأننا في هذه الحال نكون قد تنازلنا عن حقنا في التفكير،  والاختيار لمن يمثلنا، ويتفاوض بإسمنا، ويرعى مصالحنا، والتي في مقدمتها هذه الثورة، ولسان حالنا يقول: (رابحين .. رابحين)، ومش مهم من سيتولى توزيع الأرباح، مترجمين بهذا السلوك لمقولة ( عنزة ولو طارت)، أو أننا كرعية فرعون الألاه ( الذي لا يرينا إلى ما يرى)، مكررين التجريب لمن سبق وجربناهم، وثبت فشلهم، وفسادهم، متناسين أن الغرض الرئيسي من التغيير هو اختيار حكام يخدمون للمصلحة العامة، من المؤهلين الذين يمتلكون الإمكانية الذهنية والوطنية ولديهم مقومات النجاح التي تؤهلهم لفتح فرص جديدة تعود بالربح على الجميع، حكاماً ومحكومين.
 هل هذا ما اردناه فعلاً من الثورات؟، وإن لم يكن  لماذا سهرنا الليالي؟ وتجشمنا كل هذا التعب، هل صار بإمكاننا بعد النجاح الذي زعمناه أن نستلقي بعد هذا السهر والتعب ونسند رؤوسنا إلى حياة الوداعة، مطمئنين بأن العدل والأمان هما السائدان؟ هل نحن مطمئنون إلى سلامة ما أنجزناه وما قمنا به من عمل؟ وأخيراً هل نحن  واثقون ممن أسندنا إليهم تصريف أمور حياتنا ومستقبلنا؟

كم عبوساً خطه سن القلم
كم من الاهات تحييها الظلم
يا صديق الصفو مالي بالوهم
دعك منهم لا تسل عمن تزلف واستلم
جفف الصفحات لا تركع لمن أصله سقم
ها أنا أرجو صهيلك يا قلم
كيف صرنا اليوم نقتات العدم؟
كيف اتمنى رفيقاً دائماً غير القلم؟
كيف صار الموت أشبه بالمم
كم من الحراس لفوا في العلم
كم تواريت وكم أخفيت ما بك من ألم
يا صديقي اليوم ميلاد جديد للعلم

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق