]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جمهورية حسان .. رواية في حلقات ( 42 ) أحمد الخالد

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-05-18 ، الوقت: 13:43:30
  • تقييم المقالة:

 

.... هو ذاته شارع العهد الجديد الذي اكتشف فيه فاقدا للوعي ، لا يعرف متى ومن أي تقاطعاته أتى ، لا يدرك من همهمته التي تحدد بالضبط كيف آل إليه الحال به هكذا ، سوى أنه يرددها ؛ ومتى انتهت يبدأها كما هي بلا نقص أو زيادة ... تفسرها إشاراته التي وجد نفسه واقفا عند حدودها ؛ يرقب البنايات الصماء العالية ، ويتابع الصخب الآتي من خلف جدرانها ؛ يشير إليها متوعدا ... يرفع سبابته للسماء ، ينذرهم ؛ يشير إلى قلبه بقبضة يده ؛ يخطو خطوتين ، يرسم بجسده المترنح ألسنة لهب كأنها تساقط من أسطح البنايات ؛ فتبيد الأخضر واليابس على الأرض من تحته .. يخطو خطوتين ؛يفتش الأرض عن الكلأ ، يخبط كفيه إحباطا ، يشير إلى الأرض التي بارت ؛ يرفع يديه يضمهما إلى فمه كالمنادي ، يحاول أن يلفت انتباه المحتمين بجدران بناياتهم ... يخطو خطوتين مهتزتين مترنحتين ، يعاود مكررا ذات الإشارات والهمهمات حتى ينحني على نفسه ؛ يدور كمن عضه ذئب ، ينحني أكثر ؛ يتشمم تراب الأرض ؛ يقف ؛ يضرب بقبضته في بطنه ، يهدهدها كمن يسكت طفلا قرصه الجوع ... ينحني واهنا ... يخطو خطوتين ؛ يدور يمينا ويسارا ، تتوه عينيه في المكان المظلم بحثا عن صندوقه الذي ينتظره كل ليلة ؛ يأخذ شهيقا طويلا ؛ تحدد له الرائحة مكان الصندوق ؛ يرتقي جداره العالي على جائع ... يجل القرفصاء مهدودا في زاوية الصندوق ، يفتش بأصابع عششت بها القاذورات لكنها لم تتعلم بعد الوصول إلى الهدف من التكرار ، ترتطم بزجاجات مكسورة ، وحواف علب فارغة تمزق يديه الناحلتين بلا ألم أو وجع أو دم ، لا يهتم ... يقلب ما تطوله يده من النفايات رأسا على عقب بحثا عن كسرة خبز لعل أحدهم قد فاتها ..... سحابة من روائح مختلطة ملأت الجو ؛ لم تستطع أن تأخذه من البحث ؛ لحظة اندست فيها سكين في أحشائه ؛ سقطت كشبح لجسد عار ؛ ضغطته لطمة الارتطام فانفجرت روحه تعلو وتعلو ؛ تسترد في طريق صعودها صفاء عقله الذي مل الهذيان ، تاركة عينيه تحدق في ـ حين يتوقف دخان كوب الشاي عن الدوران ـ قويتين بلا حدة ؛ وكأن سكينة الحكمة قد اختارتهما سفيرين لها فتمثلتا لي شابا هادئا تكتسي ملامحه بوقار الرجال ، ذا لحية مهذبة وعينين عميقتين يقول في هدوء : -        يوما ما صار لي صوتا آخرا ؛ رفضته الأذان .. واختارت آخرين يشبهونك ليقتصوا من لساني ؛ لعبوا معي لعبة المقايضة السخيفة ؛ فعجزوا ؛ فاقتصوا من عقلي وتركوني أهذي ... واليوم دنسني جسدا عاريا قبل أن يقتلني ، ها أنتم قد أخذتم ما تعتبرونه حقكم ... فمن يرد لي حقي ؟! لقد اختاروك أنت أن تأخذه لي فأين حقي ؟! .... أين حقي ؟! -        أين أنت ؟! -        مصطفى ؟! -        توقعت منذ خروجك أنك ستكون هنا ... ألن تكف عن تلك العادة ؟! -        أجلس -        نحن رجال قانون ، نهتم بالجريمة بعد وقوعها فقط .... -        أجلس فجلس بهدوئه المعتاد ، وملامح وقاره وعينيه المحببتين واستطرد : -        ألن تطلب لي شايا ، أم أنك نبي المستضعفين الظاهرين فقط ؟! -        اصمت قليلا يا مصطفى ، أرجوك ! -        لن أصمت ؛ وعليك أن تدرك أن خلف ملامح هؤلاء ؛ بملابسهم الرث تلك تختفي جرائم بشعة ، ليس بالضرورة أن يكونوا دائما مجنيا عليهم فيها .. ها قد نسيت ما جئت لأجله -        ماذا تخفي ؟! -        عندي معلومات طازجة ستقلب لك كل الموازين ! -        إذن اشرب شايك لنتحرك من هنا . تركته للحظات أحاول فيها أن ألملم شتات نفسي ، وأستعيد كتبي وقراطيسي التي تركتها عند حافة المكتب ؛ وأسترد بها حياد عقلي النيابي البارد ؛ الذي حاول أن يجيب عن سؤال الملتحي ولم يستطع ؛ إذ نجح في وضعه في حيز الاتهام وفشل فشلا ذريعا في أخراجه منه أو الإجابة عن سؤاله حتى الآن ... ------------------------------------------------ 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق