]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

( أسغل .. سافلين ) الحلقة الثالثة

بواسطة: تاجموعتي نورالدين  |  بتاريخ: 2012-05-16 ، الوقت: 00:34:16
  • تقييم المقالة:

 

 

( أسفل .. سافلين ) الحلقة الثالثة .. تأليف وحوار تاج نورالدين

في زوال ذلك اليوم .. وقبل خروج كمال إلى العمل اكتشف أكثر من خمسة اتصالات من طرف أخيه

 من خلال هاتف محمول آخر .. يتركه في البيت خصيصا عندما يريد التحدث معه .. وبعد الاستفسار

 تبين أن جمال أصيب ببتر جزء في أصبعه الصغير أثناء قيامه بصيانة إحدى السيارات .. مما جعله

يذهب إلى المستوصف لتلقيالعلاجات الأولية .. وقد طمأنه كمال .. أن غدا الخميس .. سينسيه من آلام

 الحياة كلها .. وعليه الصبر فقط .. مذكراً إيّاه و بإلحاح .. بأنْ يترك باب المرآب مفتوحا .. ابتداءا من

الساعة الثانية زوالا .

وعند المساء .. بدأ كمال وهو داخل شقته بالتركيز على الأشياء التي يجب التخلص منها .. وبالفعل

أحرق كلالصور العائلية والتي كان يخفيها عن هدى والتي لم تكن تعلم بأن له أخا توأما .. ثم أتلف

في دورة المياه تلك الضمادة وما صاحبها من أدوية .. وبعد كل ساعة يجلس ليفكر في كل خطوة سيقوم

بها في الساعات المقبلة من صباح الغد .. وهو يعرف تماما أن مدينة المحمدية .. سوف تنقلب

رأسا على عقب .

الآن منبه الساعة .. يرن على الخامسة صباحا .. بعد ربع ساعة .. ينزل كمال و في يده حقيبتين

جلديتين فارغتين .. يفتح سيارة " الكونكو ".. ثم يخرج في ثبات نحو مقهى بوسط المدينة .. يطلب

وجبة الفطور .. وبعدذلك يمتطي سيارته من جديد .. وهو يتنفس هواء الصباح بعمق كبير .. لأن

المباراة ستكون حامية الوطيس .. وأن قرارا رهيبا .. سينفذه بدقة .. ليغير به مجرى حياته كلها.

السابعة والنصف .. يدخل مرآب الوكالة .. يتقدم الحارس إليه ..ليؤدي تحية الصباح كالعادة ،يعطيه

كمال بعض المال لشراء صحف اليوم .. وبعد خروج هذا الأخير .. يصعد كمال بالحقيبتين إلى الباب

الخلفي للوكالة .. وبعد فتح الباب .. يتجه صوب مكتبه .. ليضعهما تحت مكتبه ثم يذهب إلى غرفة

النظافة .. للتأكد من العقد الثلاث فوق حاجبه .. بعد لحظات بدأ الموظفون بالدخول  وبعد السلام

والتحية .. كل واحد يقدم له التهاني والتبريك .. بمناسبة الخطوبة المرتقبة .. زوال اليوم بالآنسة هدى .

منتصف الزوال اقتربت  ساعة الحسم ربما بعد ثلاثين دقيقة القادمة .. كمال ينادي على سليم قائلا :

- أرجوك يا سليم أن تذهب بعد الغذاء .. إلى سوق الورد وتختار لي أحسن باقتين للورود الأولى

سآخذها معي إلى بيت العروس .. والثانية سأقدمها لكم هدية على حبكم وصبركم معي .

سليم وهو يبتسم :

-   إنه اختيار النبلاء يا سيد كمال .. اطمئن لي ذوق رفيع في اختيار أحسن و أجود الورود .

وبعد أن استأذنه بالانصراف .. عمد كمال على مراجعة البيانات الخاصة بالمداخيل والسندات

ليعطي انطباعا للموظفين ..أنه سيمكث كالعادة وقتا إضافيا .. وبعد لحظات .. يخرج الجميع ..

ليغلق كمال الباب الرئيسي للوكالة .. ينظر إلى الكاميرا بسخرية الواثق .. ثم يدخل إلى غرفة

ودائع الماس والمجوهرات .. حيث يحفظ عن ظهر قلب كل رموز رفوفها .. ثم يأتي بالحقيبة

الأولى .. ويبدأ بوضع كل النفائس داخلها .. وبعد ربطها بإحكام يأتي بالثانية .. ليضع ملايين

من العملة الصعبة وخصوصا .. الدولار والأورو .. ثم أكثر من مائتين مليون سنتم من العملة

المحلية .. ومن الباب الخلفي ينادي على الحارس ويطلب منه الذهاب لشراء أكلة خفيفة ..

في أقل من نصف ساعة .. كانت الحقيبتان قد وضعتا في الصندوق الخلفي للسيارة .. ثم يخرج

في ثبات .. متجها نحو الطريق السيار .. وبالفعل ومرة أخرى يضع شواربه الاصطناعية ..

ويرتدي قبعته الرياضية .. بعد أن تخلص من عقده الثلاث التي رماها من نافذة سيارته قائلا :

اذهبي أيتها العقد .. فأنت مفاتيح سعادتي .. وسبب ثروتي.

 لحظات .. يدخل كمال إلى بوزنيقة .. وهو مصر على إتمام المهمة الرهيبة .. حيث لا سبيل الآن

 للتراجع ولو بخطوة واحدة إلى الوراء .. في هذه اللحظة وكما هو مقرر يلج في سلام  داخل

المرآب .. ليغلق جمال الباب بسرعة بيد واحدة .. حيث الأخرى معلقة برباط إلى عنقه .. ثم يتعانق

الاثنان .. حيث خاطبه كمال :

-  لقد نجحنا في المهمة يا جمال .. ولكن بعد ساعتين من الآن .. سيقع استنفار أمني كبير

 علينا أخذ كل الحذر ولذلك ومن باب الحيطة .. أن لا تكثر الحديث مع مستخدميك أو مع الزبناء

خصوصا إذا أثار أحدهم هذا الموضوع معك لاحقا .

جمال :

-  لا تكثرت .. فكل الناس هنا .. يعرفونني بالمنعزل ..وبأني منطو على نفسي .. ولا أحب الكلام كثيرا

 قل لي يا كمال .. كم يستغرق من الوقت .. لكي نهاجر خلسة إلى كندا ؟

كمال وهو يحمل الحقيبة الأولى إلى الداخل :

-  ربما شهر إلى ثلاثة أشهر .. وبالضبط حينما نشعر بأن القضية بدأت تبرد .. آنذاك .. فعندي من

الطرق الكفيلة  التي ستخرجنا إلى ما وراء البحار .. كما تخرج الشعرة من العجين .

جمال :

-  اليوم إذن .. سنخلده نحن الاثنين بمناسبة هذا الانتصار العظيم .. لم تقل لي أيها العبقري.. كم عدد

الأموال التي أتيت بها ؟

كمال ساخرا وهو يحمل الحقيبة الثانية :

ستحصيها يا جمال عدّاً..عدّاً و ستعانقها جمّاً  جمّاً .. لما نضعها بيدك في الحفرة .

جمال :

والله بهذا الخبر السعيد .. بدأت أنسى كل آلام أصبعي و الآن .. سأتركك للذهاب من أجل فتح المحل

 حتى لا يأتي هشام أو حميد لمطالبتي بالمفتاح .

كمال :

-   إياك أن تظهر ملامح الفرح والسعادة وأنت تتكلم معهما أو مع غيرهما من الناس.

في هذه الأثناء .. يخرج جمال .. ليترك كمال لوحده .. يقوم بإنزال الحقيبتين .. إلى القبو .. ليتم

إخراج ما فيها من نفائس و ترتيبها بعناية كبيرة فوق الأرض .. إلى حين عودة أخيه جمال .. لتغليفها

من جديد .. بواسطة ألياف من البلاستيك المقوى .. وبعدها ستوضع بأمان داخل الحفرة ليبقى أمام كمال

شيء واحد هو الأخير لإتمام هذا المخطط الرهيب وذلك بعد التخلص من السيارة نهائيا .. عندما يأتي الليل

وذلك ببيبيعها إلى السيد أحمد كما هو متفق عليه .

الرابعة والنصف من زوال ذلك اليوم .. ثلاث ضباط من الشرطة .. يلتحقون ببيت الآنسة هدى .. والتي

كانت في أوج سعادتها .. ليأخذوها إلى مقر الشرطة الولائية .. للاستماع إليها مع بقية الموظفين

الآخرين ..حيث كان الذهول والوجوم والحزن الشديد .. يلف وجوه الجميع .. غير مصدقين ما وقع في

وكالتهم .. في هذه الأثناء يدخل أحد الضباط يحمل ورقة إلى عميد الشرطة الممتاز قائلا :

-  بعد اقتحام الشقة .. وجدنا في رف مكتبه .. هذه الورقة تشير قطعا أن وجهته هي مدينة مراكش ..

وأن شخصا يدعى دافيد على موعد معه بفندق المامونية .

العميد :

-  شرطة الاستعلامات ..دخلت معنا على الخط في هذه المصيبة ..عليك فورا الاتصال بالمسؤولين

هناك .. وموافاتي حالا بالجديد .. حين تشديد المراقبة على الفندق .

الضابط بعد التحية الخاصة :

-  أمرك سيدي .. سأقوم بالواجب .

في هذه اللحظة يدخل ضابط آخر .. يحمل هو أيضا ورقة وبعد التحية يخاطب رئيسه قائلا :

سيدي .. البيانات الأولية الآتية من فاس .. تقول أن الجاني كمال الريحاني .. له أخ توأم اسمه

جمال غالب .. حيث هذا الأخير احتفظ باسمه العائلي .. بينما كمال عندما تبنته إحدى العائلات .. وضعته

في سجل الحالة المدنية .. ليحمل بعدها لقبها العائلي .. وكان هذا بعد أن توفي كل من والديهما على إثر

انقلاب حافلة للركاب منذ أزيد من خمسة وثلاثون عاما قد خلت .

العميد :

-  طيب .. أريد معلومات عن أخيه جمال غالب .

الضابط :

-  يشير التقرير ..أنه منذ سنتين تقريبا لم يظهر له أثر .. وأن التحريات الأولى تؤكد أنه كان يفكر في

الهجرة السرية .. حسب إفادات سابقة لبعض معارفه .

العميد :

اطلب من جميع الضباط .. التعبئة العامة .. وأن اجتماعا استثنائيا .. دعا إليه السيد والي الأمن على

الساعة السابعة .. ربما للجاني أيادي خفية .. وربما عصابة غير عادية تقف وراءه .

الضابط :

-   نعم سيدي .. سأعلن للجميع  عن هذا الاجتماع .. فقط للإشارة والتوضيح .. إن الجاني بعد التحاقه

بكلية الاقتصاد بالرباط .. لم يتصل مطلقا بأسرته المتبنية له وذلك على إثر نزاع كبير معها ..

حيث يؤكد جميع أفراد عائلته المتنبية بأنه داهية رغم معاناته من أمراض نفسية خفية  مثل

 انفصام الشخصية .

العميد :

-  أريد التمحيص جيدا .. في أقوال الموظفين عند انتهاء كتابة المحاضر .. وخصوصا الآنسة هدى

 حيث كان الجاني يريد خطوبتها ، يقينا أنها ستدلي بخيط رفيع قد يوصلنا في أقرب وقت لإلقاء القبض

عليه .

في هذه اللحظة .. يدخل الضابط الأول ليوافيه بالجديد قائلا :

سيدي .. فندق المامونية بمراكش أفادنا .. بأنه بالفعل لديه طلب حجز غرفة بإسم دافيد ليوم الخميس 

وهذا ما أكده حارس العمارة .. للشقة التي يسكنها الجاني حيث أكد له يوم الأحد الماضي أثناء عودته

من مراكش أنه كان باستضافة شخص يدعى دافيد .

العميد :

-  بعد إخبار جميع نقط العبور .. بما فيها المطارات والموانئ .. علينا التركيز على مراكش ونواحيها

 انطلاقا من الفندق المذكور .. ثم يجب تعميم صور الجاني ..حيث تتميز بإصابة فوق حاجبه الأيمن  إننا

أمام مجرم خطير .. حيث وزع عدة أدوار .. بدقة متناهية قبل عملية السطو .. فالآنسة هدى تركها تنتظر

بالبيت ..حيث وعدها بالزواج .. وموظف آخر .. كلفه بشراء الورود .. إننا أمام مجرم خطير  يحمل

بالإضافة إلى شهادة الدكتوراه .. شواهد في المكر والنصب والاحبيال .

 

الساعة تشير إلى السابعة مساءا .. جمال يرجع إلى البيت ليجد كمال في انتظاره .. حيث أخذ منه

بذلته الخاصة بالعمل .. وطلب منه أن ينزل إلى القبو ليحتفل هو الآخر بالغنيمة .. إلى حين عودته

من عند السيد أحمد للتخلص من مشكل السيارة .. وبالفعل وفي جنحة الظلام .. ومن وراء ركام

من العجلات المطاطية .. سلم كمال سيارته إلى المشتري أحمد .. بعد أن وعده بتسديد المبلغ داخل

أجل ثلاثة أيام .. وفي طريق عودته التقى بوردة التي بادرته قائلة :

-غدا إن شاء الله .. سيكون يوم الجمعة .. هل تريد أن آتي إليك بصحن من الكسكس .. إنييا سيد

 جمال طباخة ماهرة .. أرجوك أن تقبل مني هذا الطلب . 

كمال في عجالة :

- طبعا .. طبعا .. لم أذقه من زمان .. وكيف لا أقبل مع السلامة يا أجمل وردة .

ليتركها شاردة في حلم .. بدأ يراودها منذ اللقاء الأول ، ثم يدخل كمال مسرعا .. بعد أن أحكم

غلق الأبواب .. وهو يضرب بيده على رأسه .. والغضب يخرج من عينيه وهو يخاطب جمال قائلا :

يا للمصيبة .. لقد نسيت لم أضع الضمادة البيضاء .. على أصبعي .. ربما أحمد أو وردة .. يكونا

قد فطنا بشيء وهما يتأكدان من سلامة أصابعي .

جمال ضاحكا :

- هون على نفسك يا أخي .. فكلاهما لم ألتقي بهما .. لمدة طويلة .. فكيف يمكن لهما أن يفطنا

بمثل هذه الأمور ؟

كمال :

-  أرجو ذلك يا جمال .. طيب الآن علينا أن نحتفل .. إنها لحظة العمر .. وبسمة الحظ التي لن تقهر

 على فكرة أين تضع جواز سفرك و أوراق هويتك ؟.. علينا أن نفكر جيدا .. ابتداءا من الغد .. حول

الخطط التي رسمتها بدقة للهروب إلى كندا أو أستراليا .

جمال :

-  إنها في صندوق تحت السرير الذي أنام عليه .. ولكن دع عنك هذا الموضوع إلى الغد

 لنحتفل الآن معا .. فاليوم خمر .. وغدا أمر .. أليس كذلك يا توأم روحي؟ .

وبالفعل يجلس الإثنان متقابلين على طاولة مربعة الشكل يحتسيان الجعة وهما يتبادلان

الحديث  خصوصا حول كيفية بيع الماس .. والمجوهرات .. عندما ينجحان في العبور إلى العالم

الآخر ..إلا أن كمال كان بطيئا جدا في شرب الخمر بحجة الإرهاق والخوف .. من جراءهذه

العملية الكبرى .. أما جمال فلسانه بدأ بالانكسار .. وبدأت الثمالة تسيطر على ذاته كلها . ليقوم

كمال بتنفيذ آخر حلقة من مخططه المقيت .. وبالفعل يدخل إلى المطبخ .. ليأخذ من فوق الثلاجة

 محفظة جلدية صغيرة .. ثم يخرج منها قفازين جلديين .. وحبل متين .. ويتجه من خلف أخيه التوأم

 ليضع حدا لحياته في أبشع صورة .. يحمله على كتفيه وينزل به إلى القبو .. يخرج من جيبه بعض

الأوراق والمفاتيح .. ثم يمده رويدا ؛ رويدا إلى قاع الحفرة .. بعد أن نزع ضمادة أصبعه الصغير ..

ليتأكد من حجم البتر الذي أصاب أصبع أخيه القتيل .. ثم يصعد إلى فوق .. ليخرج من محفظته

الخاصة كل ما يتعلق بهويته .. من جواز السفر وبطاقة التعريف وكثير من بطاقات الائتمان ..

وشواهده العليا .. سواء منها الجامعية أو التقديرية .. وينزل بسرعة إلى القبو .. ويرمي بالجميع

داخل الحفرة قائلا :

منذ الآن أنت هو كمال الريحاني .. لا تعتقد أنك مت .. فظلك سيلازمني مدى الحياة .. لأعيش بظلين

 واحد سيرافقني أبد الدهر .. والثاني سيخالجني لأعيش رغد العمر .

في هذه اللحظة .. بدأ يجر الأكياس المملوءة بالتراب .. والتي كان جمال يجمعها فيها بعد إخراجها

من عملية الحفر .. وبدأ بإفراغها  واحدة تلو الأخرى .. حتى لم يعد يظهر من القتيل أي أثر  ليأتي

دور الكنز  الذي أخذ يضع نفائسه بعناية كبيرة .. ثم يفرش الملايين بعد أن لفها بإحكام داخل أكياس

بلاستيكية .. وبعدها يغطي ما تبقى من الحفرة .. ببعض أجزاء الحجارة .. وبعدها يشرع في إعداد

الإسمنت .. ليقفل به كل جوانب الحفرة وأخيرا يأتي بقطع الزليج .. ليقوم بشكل متقن بترميمها حيث

كل مرة .. يرجع إلى الوراء .. ليرى مدى تناسقها وتناسبها مع مجموع أرضية القبو .. ثم يصعد

ليأخذ قسطا من الراحة .. حيث لا يزال أمامه .. مهمة مؤلمة للقيام بها .. في الهزيع الأخير من

هذه الليلة المرعبة .. وبالفعل وبعد لحظات من الراحة .. ينزل كمال إلى القبو ويبدأ من جديد

في تنظيف المكان .. وجمع ما تبقى من الأتربة والحجارة وملابسه الخاصة بعد تمزيقها

إربا ؛ إربا .. وشظايا هاتفه المحمول الذي كسره تكسيرا .. ليضع الكل داخل كيس والذي فكر

في إتلافه في مكان بعيد عن البيت بعد أسبوع .. وأسبوعين .. وأخيرا يصعد مرة أخرى إلى أن

جلس حول الطاولة .. بعد أن أخرج من المطبخ سكينا طويل الحجم .. وبدأ يتأمل في خنصره الصغير

نعم يجب أو هكذا كان يفكر .. أن تكون جريمته مكتملة المعالم .. ولا تشوبها شائبة .. ثم يضع

منديلا في فمه بين أضراسه .. ويثبت سنان السكين على الجزء العلوي من أصبعه .. ليفصله  ب

بسرعة عن بقية اليد .. ثم يقوم إلى غرفة الحمام والدماء تنزف على الأرض .. ليلف يده في

منديل النظافة وهو يتلوى من شدة الألم .. ثم ينتقل إلى المطبخ .. ليأخذ غشاء من الفلفل الأحمر

 ليغطس ما تبقى من خنصره فيه .. ويدخل مزمجرا من شدة الألم إلى غرفة النوم .. ليلف من جديد

يده في منديل آخر .. ساعة ونصف .. من المعانات والألم  .. وأخيرا ينزل إلى القبو .. ليأخذ الضمادة

البيضاء التي نزعها من أخيه القتيل .. ليلفها بالضبط .. كما كانت سابقا في يد جمال . ثم يصعد

منهار القوة .. خائر الحركة .. ينظر إلى بقع الدماء هنا وهناك .. ليترك موضوع إزالتها لاحقا

 ثم بدافع الجهد الجهيد .. والإعياء الشديد يستلقي لأول مرة على سرير القتيل .. لتأخذه سنة

النوم والساعة تشير إلى الرابعة والنصف صباحا .

على الساعة التاسعة والنصف من صباح ذلك اليوم .. صياح كبير يأتي من خارج المنزل

حيث أحد الأشخاص ينادي:

يا سيد جمال .. يا سيد جمال .

يقف كمال مذعورا .. ليظل من جانب النافذة .. ليجد شابا يرتدي هو الآخر بذلة الميكانيكي

يفتح كمال النافذة .. ويطلب منه الانتظار قليلا .. ثم يعود من نفس النافذة ليرمي له بقبضة من

المفاتيح قائلا له :

-  يا هشام .. سوف لن ألتحق بالعمل هذا اليوم .. إني أحس بصداع وألم في رأسي .. سأراك

لاحقا يوم الاثنين .

حميد مندهشا وهو يضحك :

-  أنا لست هشام .. أنا حميد يا سيد جمال .. ثم هل نسيت أن هشام طردته من العمل .. يوم

تسبب في بتر أصبعك؟

كمال مستدركا :

-  طبعا .. طبعا.. ألم أقل لك .. إن الصداع فاجأني هذه الليلة .. حيث لا أستطيع لحد الآن التمييز

حتى بين الأبيض والأسود .

حميد متفهما :

-  شفاك الله .. يا جمال .. إذا أردت أي شيء .. اتصل بي هاتفيا .. وأنا رهن الإشارة .

كمال وهو يرمي له ورقة مالية من فئة مائة درهم :

أرجوك يا حميد .. أن لا تنسى يوم السبت. أن تشتري بعض الجرائد باللغة العربية والفرنسية

 وتوافيني بهاهنا .

حميد :

-  أمرك سيدي .. غدا صباحا .. ستكون عندك الجرائد .

 في هذه الأثناء .. يغلق النافذة .. وينزل في توتر شديد إلىالقبو .. وهو يلقي ببصره إلى مكان

الدفن .. ينتابه شعورغريب .. خليط من العزة بالإثم .. من الكبرياء العقيم .. من حب الذات

في التوحد والهيمنة والاستقواء .. ثم يصعد ليأخذ من على الطاولة .. ما فصله من أصبعه .. ليرميه

في دورة المياه .. ويبدأ ومن جديد في تنظيف بقايا بقع الدماء .. حتى إذا انتهى من هذا العمل 

يعرج إلى غرفة النوم .. ليخرج من تحت السرير .. صندوقا خشبيا متوسط الحجم .. ليجد فيه

هويته الجديدة .. كلها تحمل اسم القتيل.. وهو ينظر إلى صورة أخيه بجواز السفر بدأ يقول :

-  الرجوع إلى الأصل .. أصل .. كمال الريحاني يرجع إلى أصله .. الريحاني لقب أقحمت فيه

مكرها .. أنا الآن جمال غالب .. ولا أحد بعد اليوم يستطيع أن يغير شيئا من هذه الحقيقة .

ثم يرجع الصندوق إلى مكانه السابق .. ليبحث عن هاتف القتيل .. وبعد أن يجده مرميا فوق

الأريكة .. يبدأ بتشغيله للاطلاع على قائمة الأرقام .. ثم يفتح علبة الرسائل .. ليكتشف أن

المسماة مريم .. متيمة إلى حد الجنون بجمال وأنها بمجرد ؛ أن تدخل من فرنسا الصيف المقبل

ستعمل ما في طاقتها .. كي تهيئ له ظروف الاستقرار معها بالديار الفرنسية .. بشرط إبرام

عقد الزواج .

وبعد هذا التحري الذي قام به كمال .. يأخذ ورقة ليسجل عليها كل البيانات والأرقام الضرورية

 بجميع أسماء أصحابها .. بما فيها المعطيات الخاصة بمريم .. و بعد كل هذا يقوم بتكسير الهاتف

وإتلافه وفي نيته وجوب شراء هاتف آخر باسم الشاب حميد تفاديا لأي طارئ هو في غنى عنه .

 

( أسفل .. سافلين ) الحلقة الثالثة .. يتبع مع تاج نورالدين

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق