]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كيف السبيل ؟!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-05-15 ، الوقت: 15:46:56
  • تقييم المقالة:

انفردت بنفسي في المدينة – و كثيرا ما أنفرد و أتفرد – أجوب الشوارع المعلومة, و الأزقة المجهولة, و أطوف بالأسواق الجديدة و القديمة, و ألج المتاجر الفاخرة و الدكاكين الشاغرة... أتلفت يمنة و يسرة إلى الناس و الأشياء, أتفرس في سحنهم المتباينة و ثيابهم المتفاوتة, و أتأمل ممتلكاتهم الكبيرة و الصغيرة, و أنظر إلى مقتنياتهم الثمينة و الرخيصة... و أسأل نفسي بين كل منظر و منظر

     - هل كل هؤلاء الناس متساوون في العيش, و السعادة, و الهناء ؟

     - هل كلهم سعداء, مرتاحو البال و الحال, و مطمئنو النفوس و الفلوس ؟

و انتهى بي السير و التفكير إلى الحديقة الخربة , و جلست على  أريكة من الاسمنت مخربة , أستعرض المشاهد المفرحة و المحزنة , مشهدا اثر مشهد .. و استحضر الوجوه المبتسمة و المقطبة, وجها تلو وجه, و سألت نفسي بقلق دفين :

-  كيف السبيل في هذه الدنيا إلى حياة كريمة , و عيش رغيد , خاليين من الحاجة الملحة , و الفقر الذي كاد أن يكون كفرا , و الحرمان الذي يعكر صفو الأيام و الليالي , و يكدر صفاء الضمائر و النفوس ؟

  -   إن الغني الهائم في ملكوت نعيمه , و الفقير الغائص في أوحال شقائه , لم يهبط أولهما إلى هذه الأرض من روضة من رياض الجنة , كما لم يصعد ثانيهما من حفرة من حفر النار...

    -  و المالك المستبد بملكه , و ماله , و كسبه .. و الصعلوك المستخف بدينه, و قدره, و حظه, لم يجد أحسنهما نفسه في هذه الدنيا مالكا, و ألفى أسوأهما ذاته صعلوكا...

     -  و السيدة الجميلة المتزوجة من بعل واحد و وحيد , الذي تنعم في ظله و دفئه , و تحت حمايته و رعايته بالحياة المستقرة الراضية .. و الغانية بائعة الهوى, التي تمنح جسدها لكل بغل راغب و غريب, و تشقى تحت ثقله بحياة مذلة مضطربة.. لم تنشأ الأولى أميرة , كما لم تشب الأخرى أجيرة ...

    -  إن الإنسان لا يولد غنيا أو  فقيرا ..مالكا أو صعلوكا .. أميرا أو أجيرا... كأنه القدر الذي لا يغني معه الحذر.. و إنما يولد إنسانا عاريا , ثم تشاء له الظروف و الأحوال , و تحكم عليه الأقدار و الأهوال , و تنتهي به المذاهب و الأعمال , إلى أن يكون من يكون , و تتكون ماهيته و شخصيته , و تتحدد صفته و قيمته , فيحظى – في نظر الفرد و المجتمع – إما بالاحترام و التقدير , و ينعم بالاهتمام و التبجيل .. و إما يقضى عليه بالازدراء و التحقير, و يشقى بالتهويش و الإهمال...

      ثم ألح علي السؤال مرة ثانية :

    - كيف السبيل الناجع إلى حياة مثلى يتساوى فيها البشر جميعا بالقدر المعقول , دون ضغائن أو أحقاد ؟..

    -  و ما هي الوسائل الناجحة التي تكفل لهم حقوقهم جميعا, و تضمن لهم مطالبهم كلها دون ظلم أو غبن ؟

    -    و ما هو المذهب المثالي الذي يحقق هذه الحياة السليمة, و يوفر تلك الحقوق و المطالب العادلة دون قتل أو اعتداء ؟

    -  هل الرأسمالية ؟ .. هل الاشتراكية ؟..هل الشيوعية ؟.. هل الليبرالية ؟..هل الديمقراطية ؟.. هل الوجودية ؟..و هل الإسلامية ؟

       و أخيرا قمت لأغادر الحديقة اليابسة , و نفضت بيدي غبار المدينة البائسة الذي علق بثوبي , كما نفضت بنور الله الوهاج مذاهب البشر المنطفئة , التي تشتتت في ذهني المكدود , و تلوت قوله عز و علا " و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه , و الذي خبث لا يخرج إلا نكدا " ( الأعراف -58 ).

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق