]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

تشريعيات الجزائر : دهاء السلطة و سذاجة الاسلامين

بواسطة: احسن  |  بتاريخ: 2012-05-14 ، الوقت: 00:30:36
  • تقييم المقالة:

المتتبع لمسار الانتخابات التشريعية الأخيرة التي شهدتها الجزائر في اليوم العاشر من شهر ماي 2012 و نتائجها التي فاجأت حتى الفائزين بأغلبية المقاعد  المنتمين الى حزب جبهة التحرير الوطني الذي ظل يحكم البلاد منذ الاستقلال يتساءل عن مدى نزاهة هذه الانتخابات التي شهد لها كل الملاحظين و حتى الناخبين بحسن التنظيم و الشفافية عدا الخاسرين الذين انتظروا الى غاية ظهور النتائج و راحوا يتهمون السلطة بالتزوير  .

عنصر المفاجأة في هذه الانتخابات التي جلبت اليها انظار كل دول العالم و الشعوب العربية بسبب الظروف التي تعرفها  شعوب المنطقة العربية في ظل الثورات و الأحداث التي شهدتها بعض الدول و التي اصطلح على تسميتها بثورات الربيع العربي ، و هو الربيع الذي رشحه البعض بأن يصل  الى الجزائر  ، رغم استبعاد البعض الآخر لحدوث ذلك في الجزائر مبررين ذلك  بالأحداث العنيفة التي  شهدتها الجزائر خلال شهراكثوبر 1988 ،و التي اطاحت  بنظام الحزب الواحد " حزب جبهة التحرير الوطني "و عاش  شعبها مرحلة قصيرة من الديمقراطية انتهت بحرب اهلية  اودت بحياة مئات الآلاف من الضحايا ، و هي المغامرة  التي يرفض اليوم اغلب افراد الشعب  خوضها ثانية  رغم المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي تعرفها البلاد . لكن فوز الاسلاميين في كل من تونس و مصر و حتى المغرب فتحت شهية نظرائهم في الجزائر  للوصول الى السلطة  خاصة بعدما لمست موافقة الدول العظمى اي ما يسمى  بالمجتمع الدولي على  مسك التيارات الاسلامية المعتدلة لزمام الأمور  في بلدانهم دون اية معارضة منهم  .

 

من هنا بدأ التيار الاسلامي  في الجزائر يخطط   للوصول الى السلطة بطريقة سلمية و سلسلة دون  اثارة الشعب للخروج الى الشارع و اسقاط النظام  و انما من خلال اصلاح النظام من خلال الاستلاء على السلطة عن طريق صناديق الاقتراع  و هنا بدأ الصراع  الفعلي بين هؤلاء و السلطة الفعلية التي شغلت مخابرها لتوجيه الضربة القاضية الاسلامين داخل حلبة للملاكمة و في مباراة  وافق طرفاها على قواعد   اللعبة فيها .

 

كما اشرنا فان فوز الاسلاميين في الدول المجاورة اسال لعاب اسلاميو الجزائر الذين اعتقدوا بانهم سيكتسحون كل مقاعد البرلمان القادم  سواء من خلال اصوات الناخبين او  بتزوير  قد تعمد اليه السلطة حتى تظهر للعالم بأن ما حدث لدى بعض جيرانها  يحدث عندها و بطريقة سلمية . فسارع حركة  " حمس " الى الانسحاب من التحالف الرئاسي الذي كان يضم الى جانبها حزبي السلطة جبهة التحرير الوطني و  التجمع الوطني الديمقراطي  ، دون ان تنسحب من الحكومة  ، وشكلت تحالفا اسلاميا مع كل من حركتي الاصلاح الوطني و النهضة  و اسموا هذا التحالف  يتكتل الجزائر الخضراء ، أما السيد مناصرة المنشق عن حركة حمس فقد اسس حزب جبهة التغيير ، فيما سارع الشيخ جاب الله مؤسس حركتي النهضة و الاصلاح الى تشكيل حزب جديد اطلق عليه اسم جبهة العدالة و التنمية ، و الغريب في الأمر هو انه امام هذه الانقسامات التي عرفها التيار الاسلامي  راح كل طرف  يدعي بأنه يمثل  اغلبية  الجزائريين ،  و في الوقت الذي وعد فيه جاب الله بالقضاء على الفقر خلال سنة ملوحا بأنه اذا فاز بالانتخابات سيشكل حكومة اسلامية ، كشف ابو جرة سلطاني زعيم حركة حمس بأن تكتل الجزائر الخضراء شكل قائمة اعضاء الحكومة التي ستسير الجزائر بعد اسابيع  من تشكيل المجلس الجديد ، لكن هؤلاء تناسوا  طبيعة نظام الحكم في الجزائر الرئاسي  و ان رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي يعين رئيس الحكومة و اعضائها  حتى  من خارج البرلمان . البعض يرى بان هؤلاء  لم يكونو  سذج الى هذه الدرجة  و انما صرحوا بذلك من اجل الحصول على اكبر عدد من الأصوات ، غير ان السلطة رأت في تصريحات هؤلاء كشفا حريصا لنواياهم الغير معلنة بحيث كانوا يسعون فعلا الى حشد اغلب الأصوات و المقاعد في المجلس و بعدها يحاولون   فرض حكومتهم حتى و لو خالف ذلك نصوص الدستور الجزائري  ، فيدخلون بذلك في ازمة سياسية مع رئيس الجمهورية مشابها لتلك الحاصلة حاليا بين اعضاء البرلمان المصري و السلطة التنفيذية الممثلة في الحكومة و المجلس العسكري  و سيلقون الدعم الخارجي من مصر و تونس و المغرب و قطر و حتى ليبيا و يقلبون النظام .

 

 السلطة تنبهت منذ شهور لنوايا احزاب التيار الاسلامي فبدات منذ اعلان رئيسها الشروع في اصلاحات سياسية تبعد خطر الثورات العربية عن الجزائر او بالأحرى نظامها ، و اصدرت الحكومة قانونا جديدا للأحزاب   اعتمدت من خلاله عشرات الأحزاب في ظرف وجيز ، واصدرت قانونا للآنتخابات صادق عليه المجلس الوطني السابق الذي كان يشارك فيه ممثلين عن احزاب تكتل الجزائر الخضراء و تضمن هذا القانون مادة كانت بمثابة الفاصل  في نتائج التشريعيات الأخيرة بحيث تنص على ان كل قائمة مترشحين  تحصل على نسبة تقل عن خمسة بالمائة من اصوات الناخبين ستقصى مباشرة من الانتخابات و لاتحسب الأصوات التي حصدتها خلال العملية  ، من هنا بدأت لعبة السلطة مع معارضيها لا سيما الاسلاميين ، فعندما اعلن رئيس الجمهورية عن تاريخ التشريعيات  كان يعلم جيدا بأن الجزائريين فقدوا ثقتهم في السلطة و الانتخابات التي تنظمها  و الطبقة السياسية الموجودة ، فدعاهم الى المشاركة بقوة  واصفا الحدث بالمشابه لاندلاع الثورة التحريرية التي حررت البلاد و استفتاء تقرير المصير بل اكثر من ذلك فقد هددهم بتدخل الناتو في حالة مقاطعتهم للانتخابات  التي قد تحدث فوضى في البلاد ، و رغم ان ما قاله الرئيس لم يكن منطقي و غير حقيقي بل يندرج ضمن الاعيب السلطة التي اعتادت  دغدغة عواطف المواطنين كلما شعرت بالخطر ، غير ان الأحزاب الاسلامية سايرت هذا الخطاب الذي كان يستهدفهم في الأصل ، دون يشعروا بأن  السلطة كانت تهدف الى رفع نسبة المشاركة حتى يرتفع عدد اصوات نسبة الخمسة بالمائة و الدليل انها سمحت لكل الأحزاب المعتمدة حديثا بالترشح و سهلت على قوائم الأحرار عملية الترشح و هو ما لم يكن يحدث من قبل ، والغاية من ذلك رفع نسبة المشاركة ، و موازاة مع ذلك ضخمت من قوائم الهيئة الناخبة  بتسجيل افراد الجيش الوطني الشعبي في ولاياتهم الاصلية اين سمح لهم بالتصويت عن طريق الوكالة و التصويت مباشرة في الولايات التي يقع فيها مقر عملهم ـ طبعا اعطيت لهم تعليمات  بالتصويت على حزبي السلطة و في الغالب حزب جبهة التحرير الوطني . و كان من المفروض ان تتدخل المعارضة خلال هذه المرحلة لايقاف العملية او تسجيل موقفا سياسيا بالانسحاب ، غير انهم  صدقوا و بسذاجة كاملة  بعض وسائل الاعلام  التي كانت تضخم لهم نسب اكتساحهم للساحة و  كذا بعض عمليات صبر الآراء التي قامت بها بعض مصالح المخابرات التابعة لوزارتي الداخلية و الدفاع و التي كانت  تظلل و تؤكد لشيوخ الاسلاميين المعتدلين بأن كل الشعب معهم و انهم سيكتسحون المجلس  ، كما انه اثناء الحملة الانتخابية سجلت بعض الحوادث يرجح الكثير بأنها كانت  من صنع مخابر السلطة بحيث لم يتمكن زعماء احزاب السلطة من حشد الأنصار و احيانا واجهم بعض الشباب كما حدث لأحمد اويحي زعيم حزب الآرندي و رئيس الحكومة الحالي  و هي وسيلة لاكساب الاسلاميين ثقة اكبر و نفخهم لدفعهم الى  عدم المقاطعة او الانسحاب ، كما كنت تظهر بعض القنوات الحكومية الخاصة و التي تشير بعض الجهات بأنها مدعمة من طرف المخابرات أن جل الشباب سيقاطعون الانتخابات و ذلك بهدف دفع منشطي الحملة الانتخابية الى العمل اكثر من اجل تعبئة المواطنين و بالتالي رفع نسبة المشاركة و معها النسبة الاقصائية . و بعد انتهاءالمدّة القانونية للحملة الانتخابية اي يوم 8 ماي 2012 توجه رئيس الجمهورية بخطاب للأمة من مدينة سطيف دعا فيه الشباب الى الانتخاب بقوة  " من اجل مواصلة الاصلاح و تسلميهم المشعل " و طلب منهم  ضمنيا  الانتخاب على قوائم حزب جبهة التحرير حيث قال " الجميع يعرف ميولي السياسي " ملوحا انه يقصد الجزائر  و لكن الجميع فهم انه حزب جبهة التحرير الوطني الذي ظل ينتمي اليه منذ كان مجاهدا في صفوف جيش التحرير الوطني .

 

العملية الانتخابية تعمت بطريقة لم تعرفها الجزائر من قبل لا من حيث التنظيم او الشفافية فامام  الملاحظين الأجانب الذين جاءوا من الاتحاد الأوروبي و الافريقي و الجامعة العربية و الأمم المتحدة تم استعمال صناديق شفافة و اجبر الناخبون  و لأول مرّة ببصم  وثيقة الانتخاب بحبر لا يزول الا بعد 24 ساعة و بسبابة اليد اليمنى حتى لا يستطيع اي كان معاودة التصويت ثانية  كما ضم كل مكتب مراقبين عن الأحزاب و لجان مراقبة الانتخاب تابعوا العملية  منذ بدايتها الى غاية استلام المحاضر و شاركوا في عمليات الفرز ، و يجمع كل المتابعين عدا الخاسرين طبعا ، بأن السلطة الجزائرية نظمت انتخابات شفافة و نزيهة سادها التنظيم المحكم و لم تسجل فيها سوى بعض المشاكل او التجاوزات البسيطة التي لاتؤثر على النتائج النهائية .

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الاسلاميون النتائج التي ستمكنهم من الاستلاء على السلطة بطريقة سلمية جاءت النتائج  التي فاجأت الجميع مخيبة لأمالهم و اصابتهم بالنكبة فقد فاز حزبا السلطة الممثلين في جبهة التحرير الوطني و التجمع الوطني الديمقراطي بـ 288 مقعدا من اصل 462 مقعد ، بينما مني الاسلاميون بهزيمة كبيرة تعتبر الأولى منذ انطلاق الربيع العربي  بحصولهم مجتمعين " سبعة احزاب "على 59 مقعدا ، حيث فاز حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يمر بمرحلة عسيرة جراء الانشقاقات داخله بـ  220 مقعدا .

 

هذه النتائج التي لم تكن منتظرة جعلت كل الخاسرين يعتبرونها ناتجة عن التزوير الذي طل العملية الانتخابية اثناء و بعد الاقتراع ، غير ان الجميع و في كل الولايات يؤكدون بأنها نتائج تعبر في غالبها حتى لا نقول كلها  عن النتائج التي اتت بها الصناديق و الدليل على انه كل رافض لها يدعي بأن تشكيله هو الذي حصل على اغلبية المقاعد بدأ بتكتل الجزائر الخضراء مرورا بجبهة التغيير و جاب الله و حتى زعيمة حزب العمال الويزة حنون ادعت ذلك ، وهو ما يدل على انهم وقعوا ضحايا لتظليلات التقارير الاستخبارية التي كانت تصلهم بطريقة مفتعلة و للأسف صدقوها  .

 

 يرى المحللون ان ما ساهم في تحديد نتائج الانتـخابات التي و جهت ضربة قاسية للتيار الاسلامي المنقسم على نفسه هو تقلص شعبيته في الجزائر بعد ما شهدته الجزائر خلال العشرية الحمراء ، و كذا المشاركة السلبية للتيار المعتدل في السلطة أما العامل المهم و الأساسي في هذا الفشل هي الخطة العلمية المحكمة التي احاكتها مخابر السلطة فبارتفاع  نسبة المشاركة لم تتمكن هذه الأحزاب من الحصول نسبة 5 بالمائة في الكثير من الولايات  وقد تعدت هذه النسبة في بعض المناطق 9 الاف صوت فأقصي كل تشكيل لم يحصل عليها و كان اكثر الضحايا الاسلاميين  و حتى الولايات التي حصلوا فيها على هذه النسبة كانت اصواتهم قليلة مقارنة مع حزب جبهة التحرير الوطني الذي صوت لصالحه افراد الجيش و اسلاك الأمن المختلفة ، و هي المصالح التي صوتت في بعض المكاتب لفائدة  تكتل الجزائر الخضراء حتى تمنح لهم بعض المقاعد ليتفوقوا على نظرائهم الاسلاميين كجاب الله . اذا الخلاصة ان الانتخابات كانت من الناحية التقنية نزيهة و شفافة شابها التنظيم المحكم  لكن نتائجها تحكمت فيها السلطة بطريقة علمية   و ذكية و ضعت ضمن قواعد لعبة وافق عليها الجميع بمن فيهم الاسلاميون و جبهة القوى الاشتراكية المعارضة و التي عادت هذا العام للمشاركة في التشريعات بعد سنوات من المقاطعة .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق