]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحياة الأصيلة

بواسطة: soranano mimina  |  بتاريخ: 2012-05-13 ، الوقت: 19:38:55
  • تقييم المقالة:

إن كل شيء يبعث في النفس ارتياحا ويرسم لها جوا شاعريا نسميه فنا ، وكل شيء تحتويه جمالية المنظر واكتمال الصورة نسميه فنا ، كذا ينطبق الأمر على رياضة من أنبل الرياضيات ، الفروسية ، فحركاتها والصورة المكتملة فيها تحقق ذاك الجمال وذاك الارتياح وتلك المتعة في النفس فيرتفع مقامها من مجرد رياضة إلى فن راقي .
إن المحرك الأساسي لهذا الفن والذي يزيد من رقيه ويحقق له نسبة عالية من المهتمين الفرس الأصيلة تلك التي كانت لأول وهلة مهرا صغيرا يستقبله والداه كما تستقبل كل الأسر صغارها بالعطف والاحتواء والحماية 
ذلك المهر الصغير الذي من أول مكاسبه وراثة الصفات الأصيلة التي تناقلها جيل بعد جيل ، إنه يحاول أن يقوم على قدميه ليواجه الحياة ويختبر تلك الصفات هو وأقرانه ، يدعمه المجتمع الأصيل وتزيد مكاسبه كل ما زاد عمرا ، ها قد كبر قليلا وصار فرسا شابة ، تخرج مع أترابها في وسع الطبيعة في تجمعات و تعيش يومها بين العدو والمخاصمة والمشاكسة واثبات الذات والجمال وهي خصائص عمر الشباب ، وكلما مر يوم كلما زادت نضوجا وأنوثة وهدوء واستعدادا لوظيفتها التي خلقت من أجلها وترسخت فيها كل قيم الأصالة ، القيم التي يتقاتل عليها الفرسان 
هي تعرف جيدا أنها خلقت من أجل إنسان ما جديرة به وجدير بها تتكرم برفقته وتدوم عزيزة مادامت تحس بعنفوانها حين يختار ظهرها دون مثيلاتها ، ويأتي ذلك اليوم الموعود ويقتنيها صاحبها ، بذكائها وحسها المرهف تتعرف عليه وهو بدوره يحاول أن يخلق انسجاما معها وينسج علاقة حب يسودها الوفاء تستشعرها مما يجعلها تقدم كل منفعة يطلبها ، فيتأقلما مع بعض ويحبا بعض في وحدة متكاملة يسودها استحالة الاستغناء ، وحين الوصول لهاته المرحلة يدخلا في مرحلة أكثر صعوبة ، التدرب على المواقف الصعبة وفي مسابقة الفروسية التدرب على الحواجز العالية الصعبة باعتبار الفرس لها استعداد فطري على اجتيازها .
إنه ليس تدرب يوم ، إنه جهد مضني وكبوات وسقطات وثعترات وتضحيات قاسية تلقاها الفارس وتتلقى الفرس الجزء الأكبر منه ، إنها تحلم بأن تقف وقفة متينة ثابتة على خط المضمار مع قائدها ، هي لم تتعبها الخسارات ولا الأمور القاسية التي صادفتها حتى ولو كان جرحا أو شرخا قاسيا في القدم الذي يعتبر بالنسبة لها جرحا في الصميم ، لقد ادخرت له الوافر من الصبر الذي جبلت عليه وتخطته ببسالة ، لقد كانت مثالا مذهلا لتحمل المسؤولية ومثالا حيا لمواجهة الوقائع كيفما كانت لقد أوصلته لذلك اليوم وهاهما على خط البداية وعلى أتم الاستعداد .
يمتطيها بكل خفة ، تقابله بحمحمة تدل على سرورها ، يقفا على خط البداية ويعطيها إشارة الانطلاق ، تنطلق في عدو مهذب مرتب ، تتراءى للرائي كأنها تطير بلا ريش وتقفز قفزات نوعية كأنها تمشي برشاقة ، الاختبار صار سهلا خبراتها وخبراته جعلاه سهلا ، وهاهي تصل إلى خط النهاية واحتلت الصدارة ونالت التفوق ونال التفوق وحانت لحظة تلقي وسام الشرف على منصة الشرف .

إن اعتلاء الفارس الماهر منصة الشرف محتلا مقدمة المراتب لم يكن محض صدفة ، إنه ثمرة الجهد الجهيد ومحصلة الارتباط الراقي بين الإنسان والخيل ونتاج العلاقة العجيبة القوية المتينة الحميمة التي تسودها روح التقبل وروح التعاون وروح المبادلة وروح الصداقة وروح الوفاء وروح التجانس في كيان واحد وروح التفهم كل طرف لطباع الآخر ومكافئة تلك الخلل الإنسانية التي تميز كل طرف وحققت التكامل بينهما .
إن الفارس المتمرس في الفروسية يستطيع بمجرد امتطاء فرسه معرفة ما تتسم به ، كما يستطيع بذكائه أن يؤلف روح الود والتآلف بينها وبينه ، هو مبتكر قيادي مبدع صبور واثق مفتخر بفرسه يمتطيها ويحنو عليها لا يغضب منها أبدا ، يرفعها إلى مرتبة الصديق ، يغار عليها من أن تمتطيها أجسده الفرسان ، علاقته بفرسه تتسم بصفات إنسانية يكتسبها من طول خبرته في التعامل معها ، كريم معها ويهديها ثمرة نجاحه كقطع السكر والرقائق ، هدايا تعبر عن حجم ذلك التقدير الإنساني الذي يوليها إياه ككيان له مشاعر ، هو إكرام يسعد الفرس وطاقة ايجابية بالنسبة لها تحفزها على إطاعة كل الأوامر وتقودها إلى غزارة البذل .
هو فارس متميز يمتطي فرسا أصيلة لطالما حلم بها لصفاتها التي لا حصر لها ، فهي ذكية طيبة شديدة التحمل وفية لفارسها مملوءة بالنشاط المتقد رقيقة الحس سريعة الاستجابة مهذبة العدو شريفة النفس ، تشعر بحزن وفرح قائدها كما يشعر بها ، تقبل الضرر على نفسها واسعة الصدر قوية الذاكرة عالية الهمة جديرة بخدمة الفارس لآخر رمق ، ناكرة للذات مجبولة على التضحية ، ظهرها حصن منيع إكرامها في امتطائها تنجز ماهي موكولة بانجازه دون أن تدفع إليه ، دون أن تجبر الفارس أن يستعمل معها سوط القوة هي عزيزة لا تقبل أن تهان .
هو راهن أن تكون له هاته الفرس شريكة بل حلم أن تكون له شريكة وأدام حبل الود والشراكة معها لأنه قدر جيدا نبل تلك الصفات التي تميزها عن باقي المخلوقات وعرف جيدا أنها من تقوده إلى وقفة واثقة على منصة الشرف ، هي بدورها فخورة بمن اعتلى ظهرها حصنا منيعا قابلته ببذل منقطع النظير بصبر وتجلد خارقين فكل مناها أن تراه على منصة الشرف سعيدا فتسعد 
سبحان الذي خلق من كل زوج اثنين وسبحان الذي ألف بين اختلاف جنسين ، فارس وفرس تقبلا بعض وخدما بعض وترفعا عن الأنا من أجل الروح التي خلقت بينهما من أجل المصلحة العامة والهدف الأسمى.
إنها علاقة جديرة بالاحترام، نستخلص منها العبر ونقف متفكرين في مدى قدرتها بلوغ درجة العلاقة الإنسانية الراقية، إنها تجعلنا في حالة من الارتباك والخجل، في جو من التساؤلات 
إلى أي مستوى وصلت إليه علاقتنا نحن بنو البشر وإن خصصنا أكثر ما سبب افتقادنا لهاته العلاقة الراقية في ركيزة المجتمع * الرجل والمرأة ، الزوج والزوجة * ؟
على أي أساس يختار الرجل زوجته وعلى أي أساس تختاره هي ؟ 
إن كان الميثاق الغليظ جمعهما على السنة الزكية لما يتعرضون للفشل ؟
لما كل طرف يحمل أوزار الفشل للطرف الآخر ؟

أين هو ذاك الرجل الفارس والمرأة المملوءة بصفات الفرس؟
لما كل طرف يسعى لنصرة ذاته ؟
يقول الله سبحانه وتعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (21) سورة الروم
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم { تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك } صحيح مسلم
ويقول أيضا { إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } صحيح الجامع 
إنه منتهى الجمال في أجل النعم وأعظم الآيات - العلاقة الزوجية - منبع الدفء والسكينة والاطمئنان تلك التي تقوم على أسس متينة ومقاييس اختيار لتحقق النجاح ، إن العلاقة الزوجية الناجحة هي التي يقوم فيها الرجل مقام القيادي المتحكم في زمام الأمور تساعده صفاته الرجولية على القيادة الرشيدة تلك التي يتميز بها الفارس المتحكم في زمام قيادة فرسه فلا يحيدان عن الطريق ، هو زوج اختار زوجته على خصالها السوية فهي تفهم قيادته وتتقبلها وتسعد بها لأنها قيادة إنسانية ودودة ورحيمة متناسبة مع نفسيتها الهشة وصفاتها الرقيقة ،فكانت له أرضا هشة ونفس سهلة لينة فأحاطته بكل عون وحب ، هي تقدر عظم المسؤولية وصعوبة مسالك الحياة والهدف من اجتماعهما ، علاقة لا تعكر صفوها تلك الأمور العارضة التي تأتي بين حين وحين، وإن كان لابد من مواجهتها فلاستخلاص العبر ولتطوير العلاقة وجعلها أكثر ايجابية
نريد أن نرى نماذج يقتدون بخديجة ويقولون مقالتها لزوجها حين جاءه الأمر بحمل ثقل الرسالة * كلا لن يخزيك الله أبدا * منتهى العون والسند والفداء 
نريد أن نرى رجالا يقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي ذاع فخره بزوجته خديجة للبشرية جمعاء حيث قال ((ما أبدلني اللّه خيراً منها؛ قد آمنت بي إذ كفر بي النّاس؛ وصدّقتني إذ كذّبني النّاس؛ وواستني بمالها إذ حرمني النّاس؛ ورزقني اللّه عزّ وجلّ ولدها إذ حرمني أولاد النساء )) منتهى الحب والفخر والوفاء . هي النماذج التي نجحت في اختبار الحياة ،التي سترتقي مدارج العلى وتنال وسام الشرف من أكرم الأكرمين عز وجل.


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق