]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القابعون على الحزن

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-05-10 ، الوقت: 20:48:56
  • تقييم المقالة:

 

 القابعون على الحزن

فتحي العكرمي  : أستاذ أول في الفلسفة - كاتب وقاص

على حافّة الدّنيا نُترك لمصير فجائعيّ وعلى مقربة من الفرح نوجد لمزيد من الأوجاع ترتحل في ضلوعنا تلقينا إلى باحات الألم . على تخوم الحياة نتسوّل سعادة تبدأ في الانحسار منذ أن نطلّ على الوجود يهزّنا الانكسار ويخطّ على ضلوعنا وشما متوحّشا يظهر فيه العدم مرسوما منتظرا عودتنا إلى مساربه حيث تتشظّى الذات مُصوّبة نحو الموت وباتّجاه نهايتها .

تبدأ طفولتنا بإرباك يتداخل فيه العجز عن الفهم وعن الفعل ويتكثّف هذا النقصان على مشارف فقر ذابح وداخل يتم صارخ حيث تُقدّ المشاعر من فقد هلاميّ لاندرك فيه الوجهة التي تحملنا ولا نعلم الطريق التي يمكن السير فيها بلا سند ودون أبوّة تجعل طفولتنا ممكنة حتّى في درجتها الصّفر ويزداد هذا الفقد في سجن يُسلّط على الجسد فلا هو يحيا رغباته ولا هو يستقرّ في مكان ينسيه الوحشة فيكون مرتحلا في عطابته ومسافرا في وجع يهزّ الرّوح ويربك فورة أعضاء الجسد فتلقانا الحياة قابضين على غربة تفيض على الضلوع فتجعلنا في قمّة الوجع فيكون الاغتراب متثنّيا يشقّ أرواحنا ويسجن أجسادنا على حافة الأسئلة الموجعة نطلب لحظة امتلاء فيطالعنا الفقد ونتوسّل سعادة فنجدها سرابا.

تبدأ الرحلة في صحراء الوجع حين يتسلّط علينا الفراق فيغادرنا الأحبّة في لحظات موحشة فننفتح على متراس قدّ من مرايا متشظّية لا تقينا من هاجرة اليتم فيظلّ بحثنا على أمكنة تضمّ هشيم أرواحنا توهّما  لفتات فرح في عالم متوحّش  وعلى تخوم كون يخبط فيه الوجود كيفما يشاء ونظلّ نرقبه وهو يبعثرنا باتجاه التشتّت . يكون وجودنا محكوما بسجون متداخلة تبدأ من عطالة أجسادنا وتتكثّف في أرواحنا المثقوبة بحديد الحزن وبصليل أسلحة الاغتراب.

نبحث في كل المسالك الممكنة فنلقى نهايتها محكومة بطواحين هواء تعيدنا إلى بداية الصراع فنظلّ متردّدين بين بداية مربكة ونهاية موغلة في الوجع يتسلّط علينا وينهال علينا من كل الجهات المشرّعة على عجز يطاردنا أينما ولّينا وجوهنا  نحمل معنا حزنا أضحى وشما متوحّشا يفيض على الرّوح ويصبح آبقا على كل دمعة ومتمرّدا على ضلوعنا . أمامنا ينبت التسلّط ويزرع الخوف ويتكدّس اليتم ويكثر الفقر وتتشظّى الأرواح وتطارد الأجساد وتقتل المشاعر ويتكدّس التوحش فنلقى وجودنا غائصا في وحل المأساة ومسجونا في باحة الحياة وقابعا على مقربة من روح منحسرة وعلى مشارف جسد منهك.

" على هذه الحياة مايستحقّ الوجع" وفقا لدنيا لم تترك لنا فرحا لنقوله اذ أخذت منّا ومنهم كل إكسير السعادة ورمتنا إلى جهات لا نعلم من أين نبدأها والى أين المسير فنظلّ في ترحال يتكثّف حاملا معه أقانيم حزن يوزّع علينا ترانيم جنائزيّة نقولها تأبينا لأرواحنا وتحضيرا لمصيرنا الفجائعيّ .

لم يعد " الفرح مهنتنا " ولم يبق لنا سوى بكاء بين " يدي الحزن " تأفّفا من وجود عاقر ونشيدا لنشيج الألم الذي يحيط بنا من كل جهات المرارة بألوان رمادية وفي فضاء يرفرف عليه صليل الفراق ونحيب الفراق حيث الوجود مفرط في القسوة وغارق في وحل العدم الذي يرقبنا ونحن نؤثّث أجسادنا لزفاف الموت ونرسم أرواحنا استعدادا لحزن موغل في الشدّة . في حياة " قريبة كالسّجن وبعيدة كالقلب " نعدّ ضلوعنا لطقوس بربريّة يرقص فيها الشّجن حدّ الامتلاء ويفرح فيها الحزن إلى أقاصي الوجيعة نتأمّل حاضرا موسوما بالتشتّت ونستحضر ذاكرة موغلة في التشظّي ونتخيّل مستقبلا يحمل مزيدا من القلق نجلس على ربوة الدّنيا كاليتامى بلا سند . نلمح أجسادنا غريبة عنّا غارقة  في العطالة ونرى أجسادا أخرى تحمل إلى الموت ، تحيا داخلنا أرواح مربكة الدّمع وعلى تخومها يتكدّس الحزن لا تلقينا إلى أجساد بلغت من "الصّلاح ما توجد به ولا عجز" ولاتحيلنا على فضاء ينبت على جنباته فرح يجعل الألوان مضيئة وينسج داخلنا النّزر من سعادة حتى على صيغة السّراب حيث نرى ضبابا بديلا عن سطور الموت والقهر والوجع واليتم والفقد . يكون تردّدنا متواصلا بين بيداء الانتظار وصحراء الوجع قدرا يرتحل معنا في وجود موغل في الردّة وفي أجساد جاءت إلى الحياة لتغادرها وعلى مشارف أرواح تتقلّب على جمر الفجائع تستجير من الشّقاء بالوجع تعاقر ألم عقل يدرك بأنّه موكول إلى الرّحيل من السّجن إلى الشّجن ومن الموت إلى العدم فيزيد الوعي الحادّ بإنسانيتنا  اليتيمة من الإنسانية والمرتحلة في أمواج الوجود الفجائعيّة تطلب المستقرّ فتجد الحزن فائضا على الدّمع الذي يريد أن يتجمّع فيلقى ماءه منحسرا لايستطيع أن يبلّل الرّوح ويعجز عن قول الوجع . يحاصرنا الموت وتسجننا الحياة، تتكدّس الفجائع فيكون القول عاجزا عن النّطق ويضحي الصّبر فاقدا للحياة . في زمانيّة متقطّعة وفي زمان مشدود إلى الخسارة نركل صخرة الحياة بأرواح مكلّلة بفائض شقاء وبأجساد متروكة للعطب نصارع الألم يتنازعنا موت شبقيّ يرغب فينا إلى حدّ الشذوذ ويتسلّل إلى تفاصيل ضلوعنا يزرع فيها بذور العدم ويسقي نبتة خسارتنا على جسدانيّة لحمنا يهُزّنا من فقدان يختلط فيه رحيل الأحبّة بارتحالنا من أكداس الحزن إلى بيادر الألم ذهابا إلى قبيلة التشرّد  حيث يلتقي المطرودون من الدّرجة الصفر من الحياة.

              fathiakermi@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق