]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عيد الحب من وجهة نظر عربية

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-05-10 ، الوقت: 20:41:15
  • تقييم المقالة:

 

 عيد الحب من وجهة نظر عربية

فتحي العكرمي *

تحيا بعض الشعوب عيدا مصطبغا بالفرح ومصنوعا من إقبال على الدّنيا ونحن نعدّ هزائمنا ونضمّد جروحا أبت أن تندمل ، لا نمتلك معرفة بأسبابها ولا  يتوفّر لدينا النّزر القليل من الدواء . يتراكم على حلوقنا المزيد من الحنظل ويتكدّس على قلوبنا الكثير من الوجع ويتهاطل على أرواحنا الألم في واقع يشي باختلال عميق تداخلت فيه  انكسارات الماضي وفجائع الحاضر والآمال المربكة.

اذا كان العيد عودة إلى ما مضى أو كان عدّا لأشياء أو وعودا قد تأتي لاحقا ، فانّ أعيادنا مرّة  لا نعرف لها وقعا ولا يمكن تخيّلها حتّى على صيغة التوهّم  . ليس لنا ما يمكن عدّه ولا نلمس وعودا تجعل انتظاراتنا ممكنة ولا نلمح فرحا على أبوابه يمكن بناء القليل من الحبّ . فوجودنا الجسدي مُطارد ومُحاصر وأرواحنا مُشرّدة ومُشرّعة على تقطّع يجعلنا مُغتربين في الأمكنة وفاقدين لأزمنة نحياها على صيغة التوهّم لانملك تجاهها سوى أن نرقبها وهي تسيل خارج وجودنا المكلّل بأنواع متداخلة من الحزن والقلق والانتظار فحيثما ولّينا وجوهنا فثمّة " مراقبة ومعاقبة" وتسلّط وأنانيّة مفرطة في التوحّش ووعي بقي في لحظته البُدئيّة اذ هو يرفض كل تجديد ويرى في المختلف عنه " عدوّا وجحيما" . فمن جهة تحاصرنا العولمة المتوحشة ويتربّص بنا المستعمر ويطاردنا الموت وفي الجهة المقابلة ظلّ تفكيرنا ساكنا يأبى الحركة والسّؤال والبحث عن وضعيّة جديدة . لذلك

كانت آمالنا  مُطاردة وغريبة عنّا وتاريخيّة فرحنا مربكة وأعياد حبّنا مضمّخة بكثير من الغربة في أوطاننا والاغتراب في أجسادنا ومشاعرنا ممّا جعل علاقتنا مع الحبّ عدائيّة ومتوحّشة  إذ نعيشه ليس باعتباره شعورا مضيئا وفعّالا بل بما هو شقيق الموت وشرط إمكانها " فكلّمنا زدنا امتدادا كلّما زدنا ابتعادا " عن ذواتنا وعن واقعنا وعن تاريخنا وعن المستقبل.

العودة إلى ماضي أعيادنا : من خاصّية التاريخ الإنساني أن يكون متعدّدا ومختلطا ومرتبكا ثمّ  يمتلك خطّا مستقيما و وجهة معروفة لتصنع كل حضارة خصوصياتها ومعارفها وعلومها ومشاعرها  غير أنّ تاريخنا كان خارج التاريخ ففي" ظاهره لا يزيد عن الامتداد وفي باطنه الكثير من اللّاحبّ" ،  فبعض صراعاتنا كانت موغلة في التقتيل والتّشريد والرّغبة في تملّك الأشياء  والآخرين فكانت صناعة التاريخ محكومة بالتواطئ مع المالكين والحاكمين ومبدعي الدسائس ومالكي الحقيقة المطلقة . في لعبة التحكّم وعلى بعد من موائد أساطين الحكم وسلاطين الحكمة يقبع الفقراء والمشرّدون والمطاردون من الحياة والغرباء عن الفرح فلا هم يعرفون حبّا ولاهم يقعون على عشق يربطهم بالوجود. هم المحاصرون في حياة بلا طعم وبمزيد من الألوان القاتمة يركضون وراء السّراب. هي الأجساد المنهكة بالاحتياج والأرواح المصنوعة من الخوف والمشاعر التي قُدّت من الفجيعة فكان الحبّ كلمة مربكة لمن خبر الحياة فوجدها عاقرا لا تنجب فرحا ،وكان العشق فعلا فضائحيّا لمن علّموه أنّ "وسواس الخبز اليومي" هو المنتهى فكان لاوعينا الجمعيّ مسكونا بجهل للحبّ وكرها للعشق وخوفا من تحرير المشاعر فكأنّ قدرنا هو أن نحيا خارج الحياة وعلى تخوم الفرح، فلا نحن صنعنا تفكيرا يجعل قدرتنا على الإبداع ممكنة ولانحن رسمنا لمشاعرنا مسارا يجعلها قادرة على قبول الآخر بما هو المكمّل لنا فكأنّ المخزون الشّعري الذي نمتلكه لم يكن سوى " خربشات خارج مدن الكبت" تصدر عن شعراء ظلّوا الطّريق وتأبّطوا " شرّا وإثما وعارا" ، لم يشفع لنا " الحبّ العذري " لنتعلّم معنى أن يكون الإنسان جسدا وفكرا وشعرا ومنه المشاعر ولم تسطع زرقاء اليمامة - التي تستشرف ماسيأتي على بعد أيّام من مرمى بصرها-  أن تعلّمنا سوى " البكاء بين يديها" فأضحى عويلنا تعويضا لعجزنا عن القول الصّادق وعن الفعل  المنتج ، وأصبح بكاءنا بديلا عن شوق لما يكون عليه الحبّ من انتماء لما هو إنساني وانخراط في حياة تضمّ كل البشر في الملّة الواحدة وتجمع كل" الملل والنّحل" . في داخلنا ينمو قلق هلامي وخوف بدائيّ فطفولتنا الفرديّة والجماعيّة انبثقت من الفقر والقهر والخجل من أجسادنا ومن كرهنا لمشاعرنا التي لا تدرك الحبّ حتّى على صيغة " الفانتازم" لذلك غادرنا أجسادنا وأرواحنا وقلوبنا فلم يكن " الفرح مهنتنا " .

الآن عيد الحبّ وتوابيتنا مهملة:  هذا " زمان القتل فكيف نؤلّف بيتا جميلا" ؟  

الحبّ هو من جهة ما رؤية جماليّة لذواتنا وللآخرين وللعالم ، وهذا البعد الاستيتيقي في وجودنا لايمكن له أن ينبت على حافّة أجساد أنهكها موت يجيء من كل صوب :جوعا أو خوفا أو استبدادا أو كرها لذلك يكون الحبّ عصيّا على من خانه جسده فأضحى سجين " الدرجة الصفر من الحياة" ، فكيف للجمال ومنه الحب أن يكون ممكنا في جسد مغترب " يأتيه الرّصاص من كلّ الجهات " فلا يكون موته بيولوجيا عاديا تفارق فيه الروح طينيّة الجسد بل يكون قتلا موغلا في التوحّش فتتكدّس الأجسام في الطّرق وتحت مصبّات النفايات وفي الطرقات الموحلة وتحت الأكواخ  ،موت تحوّل إلى " تجربة سريالية " ، لقد ضاقت بنا الأرض فلم تعد تتّسع لقبورنا بعد أن رفضنا الوجود  فكأننا كائنات تُولد لترى الموت ولتكون عمياء أمام الوجود  . نبحث عن " فتات الحياة" نستجدي القليل من

الفرح فتردّ علينا ساخرة: " هل بلغتم من الصّلاح ما تُوجدون به ولا موت"؟ وتطردنا الى وجهات نجهلها فنعود إلى تشرّدنا صوب موتنا المغرق في التوحّش . نلهث في بيداء الفقد بلا أحبّة بعيدا عن طقوس الفرح تهزّنا المأساة من الفجيعة الى الألم صوب المرارة

ننتظر حبّا حتى على صيغة التخيّل والأمنية أملا في وهم قادم. نحن بحاجة لفرح ما ولمشاعر تجعل حياتنا ممكنة ووجودنا دالّا خارج طقوس القتل والفقر والوجع والصّمت الذي هو من شيمتنا.

 في انتظار الحبّ : هم صنعوا " غودو" وانتظروه وجعلوا منه بطلا باحثا عن حياة أجمل من الوجود العادي والرّتيب فكان حبّهم عيدا يجمّع فرح الرّوح وسعادة الجسد ، أمّا نحن فنحتاج إلى انتظارات  مغايرة فأن يكون مستقبلنا ممكنا معناه أن  تكون الحياة متاحة للجميع ليكون الحق في الوجود وفي الكرامة وفي الحرية متساوقا مع وجودنا الانساني   وذلك يشترط مجهودا طويلا من التفكير والاقتناع والبرهنة والاتفاق حول هذه الحقوق التي تمثّل شرط إمكان التواصل بين الجميع ليكون الحب ممكنا. نحن نمتلك من القدرة على جعل الحياة عشقا غير أن تفعيلها يتطلّب حبّا بما هو أساس كل بناء .

كما استطاعت الثقافة الغربية أن تفعّل كل الممكن العقلاني والتّقني لتتجاوز " محاكم التّفتيش" وتتغلّب على " مرحلة القرون الوسطى" يمكن لنا  توظيف كلّ الممكن الفكري والجمالي لتأسيس وطن يضمّ الجميع  أين يمكن لنا أن نُجمّع ماتبقّى لدينا من إقبال على الحياة لإبداع حبّ أقوى من جروحنا التي قد لا تندمل إلاّ  بفائض عشق يطغى على كل هزائمنا التي كانت سببا في فقداننا لمخزون ينضح تفكيرا وحبّا وقصصا من العشق تغنّت بالحياة وبالجمال وبإرادة الحياة  وصلت الى حدّ الجنون والحلول في الحبيب واعتزال الحياة أملا في لقياه  . فليكن المستقبل  سبيلا لفرح يحمل معه ألوانا تدلّنا ويُرينا  الجهات التي سار منها الآخرون فأدركوا الحبّ وأقاموا له عيدا فتغنّوا بالحياة التي تضمّ الجميع fathiakermi@gmail.com

 

 

                


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق