]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأسئلة المُربكة والأجوبة المُؤجّلة في الثورات

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-05-10 ، الوقت: 16:59:01
  • تقييم المقالة:

 

  الوطن كتجربة عشق

فتحي العكرمي - أستاذ أول في الفلسفة وكاتب

كيف تكون الكتابة على الوطن وبه ممكنة في زمن تتكدّس فيه الفجائع وتتكاثر الهزائم على تخومه ؟

ما الذي يجعل عشقنا للوطن يفيض ليجعل حلولنا فيه ضربا من الطقوس التي لا يضاهيها جمال ؟

عروبتنا موسومة بفائض عشق مرسوم على شعر تغنّى بالحب حتّى أضحى العشق سمة فارقة في أدبنا فمن قيس بن الملوّح إلى جميل بثينة وصولا إلى نزار قبّاني اذ كان ابداعهم تغريدة تصف الحبيب وتنتظره وتتخيّله إلى حدود الجنون . فالعشق من جهة ما هو رغبة يتداخل فيها النفساني مع التذكّر والتخيّل والانتظار واستباق الأمكنة والأزمنة في قبالة المحبّ أو في مسافة نائية عنه، ففي الحالتين يكون المعشوق موجودا بأشكاله المتعددة ذكرى أو صورة أو توهّم ،فالشاعر لا يبدع من "درجة صفر من الحبّ" بل هو ينسج معشوقة استنادا إلى خيوط وخطوط تتردد بين الواقعيّ والمفترض .

إذا كان تاريخنا موسوما بعلامات العشق فكيف نضحي يتامى الحبّ مطرودين من بلاد نحبّها إلى أقصى تخوم الانخراط في تفاصيلها ؟

أن نحبّ هو من جهة ما أن تكون الرّوح ممتلكة لفائض  عشق  تشترك فيه الرغبة والعقل والجسد تجاه أمكنة وُجدنا على ترابها ونحو أزمنة أرتنا تفاصيل الوجع وأغاني الفرح .

أن تكون البلاد " قريبة كالحزن بعيدة كالسجن" فذلك يجعل مخزون العشق الذي نمتلكه مصوّبا نحو انتظار لوطن يصبح عصيّا على القلب حين يضحي بضاعة للتجارة وموطنا للاستعباد يجعل أجسادنا موكولة للسجن وأرواحنا مرميّة على التشظّي . عشقنا للوطن هو تسبيحة تطهّر تمارسها المشاعر فتضحي موكولة لهذا المحبوب الذي نجمّعه داخل تفاصيل وجودنا ونجعله أيقونة وجودنا وأقنوم صورة تفيض بالجمال تجعل بقاءنا ممكنا وقادرا على إبداع ترنيمة فرح بألوان مفرطة في تناسقها.

من شيم العرب الكرم الطائي والحب الجارف والحلول في الحبيب والوصف المتقن لمحاسنه ومن ميزة عشقنا للوطن أن نترك له داخل حنايا الضلوع مكانا يدلّ على ميزة فارقة تتمثّل في أنّ هذا الذي نحبّه يقطننا حلاّ وترحالا نستجير به من الحزن ونهشّ به على اغترابنا في عالم محكوم بالتوحّش ليصبح وجودنا " يستحقّ الحياة " وليضحي هذا الذي نرسمه وشما دائما على قلوبنا مجالا يجعل الوجود موسوما ببعد جماليّ ، فالأرض ليست امتدادا جغرافيا فحسب بل أيضا " امتدادا لأرواحنا " والزمان ليس لحظات مسترسلة بل هو انغراز في البلاد يجعلنا " لا نمرّ في كلام عابر " بل نحن من يصنع هذه اللغة التي تتغنّى بألوان وبمستطاع هذه الأمكنة التي تضمّنا ونعانقها رغبة في جعلها عشقا صارخا .  

كلّ حبّ مشروط يضحي أرضا بوارا لا تنبت سوى بيداء الأنانية مما جعل قيس بن الملوّح يطلب نسمة واحدة تأتيه من دار حبيبته لا يطلب معها حضورا حسّيّا أو رغبة جسديّة وعشقنا للوطن يكون متساوقا مع رغبة في أن يظلّ مبثوثا في تفاصيل دمائنا التي كتب بها الشّهداء قصيدة جسّدت مطلق العشق للأرض وكشفت عن مخزون لايعدّ من الحلول في البلاد ، ففي حالة الاحتضار حيث الروح تغادر طينية الجسد يختلط ألم الاحتضار مع رهان الإبقاء على الوطن مقابل حياة دفعها الكثيرون رفضا للاستعمار وتمرّدا على الاستبداد ليبقى العلم ناصع الألوان ولتكون البلاد أجمل قصّة حبّ يكتبها من عشق أرضه وأحبّ موطنه إلى حدود الحلول فيه . ففي حالة الاستعمار يضحي الاغتراب عن البلاد دافعا للعودة إليها وافتكاكها إذ لا يمكن التفريط في محبوب يمتلك كل أبجديّات الحبّ ويحوز على تغريدات العشق فيضحي الوطن " قنديلا نعلّقه على ضلوعنا " ينير لنا الطرق التي تعيدنا إليه وتوصل إلى الفضاء الذي يمكّننا من تأمّل العشق الذي ينهمر من تفاصيله الموغلة في الحسن . بما أنّ اللغة التي نحوزها تمتلك قدرة على القول شعرا ونثرا ووصفا وتشبيها ومجازا فذلك جعل خطابنا عن الحبّ يفيض على اللغة ذاتها حين يتحول إلى كثافة تتجمع فيها الروح والجسد والقلب والعبارة والحجارة والطّرق لتصنع مسارا جديدا يكون الوطن عنوانه الأوّل يجسّد ما يمكن قوله عنه حلولا فيه وضمّا له الى حدود التّماهي معه إذ يصبح ماءه وصحراءه وجباله وطرقه دلالة عليه وإحالة على عاشقيه الذين يرونه شامخا وجميلا ويراهم أحبّة كتبوا اسمه بأجسادهم ورسموا صورته بأرواحهم .

             fathiakermi@gmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق