]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الثورات والعولمة

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-05-10 ، الوقت: 16:41:23
  • تقييم المقالة:

 

 الثورات والعولمة

فتحي العكرمي :أستاذ أول في الفلسفة وكاتب تونسي

ما قبل الثّورة : كلّ بداية لفعل ما  تكون محكومة بتصوّر وتسعى إلى رهانات معيّنة داخل فضاء يتقاطع فيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقيمي والديني والأخلاقي  حيث يتفاعل الفرد والجماعة داخل الوطن الواحد . وكلّ بلاد تكون بدورها في علاقة مع العالم الإنساني المصنوع من دول تتحكّم وأخرى تسايرها بالخضوع وثالثة خارج الواقع منفعلة بإطلاق. فالوجود الفردي والاجتماعيّ والحضاريّ يكون محكوما بالضّرورة بتفاعل – سلبا أو إيجابا- مع الكونيّ.

بين التحكّم والخضوع تختفي غايات مصلحيّة تريد للرأسمال أن يتضخّم وتهدف إلى جعل الثقافة الواحدة مسيطرة على العالم .يتبدّى الواقع الإنساني اليوم محكوما بصراعات اقتصادية تحرّك ما هو سياسي وديني وإعلامي وإيديولوجي. ويظهر ذلك في تغيّر العلاقات بين الدُّول بتبدّل المصالح، فعلاقات الصّداقة أو العداوة بين الأحزاب والدّول والحضارات ليست قدرا ثابتا بل هي متحوّلة باستمرار. فليس غريبا أن يصبح عدوّ الأمس صديقا اليوم وأن تصبح الاتهامات المُتبادلة بين طرفين الى مديح .

فكيف يمكن لحضارة ولثقافة ولأوطان منخرطة في صيرورة العالم وخاضعة لتغيّراته المستمرّة أن تظلّ قابعة على فكر واحد وحاكم أوحد وحقيقة ثابتة ومرجعيّة مُثلى ؟

ألم يكن التّاريخ الإنساني منفتحا منذ بدايته على تجدد لا ينقطع فمن الأسطورة الى العلم ومن الطبيعة إلى الدولة ومن السّحري الى الافتراضي هنالك قطيعة جذرية بين ماض انتهى وحاضر منفتح بدوره على مستقبل ما ؟

فداخل اللغة الواحدة والفكرة والمُجتمع والثقافة يوجد انتقال من حالة الى أخرى وذلك يمثّل الميزة الجوهريّة للوجود الإنساني الذي لايرتبط بساعة بيولوجيّة تتكرر آليّا أو بغرائز تعمل بذات الطّريقة. فالإنسان " الذي حارت البريّة فيه " كان مبعثا للحيرة بقدرته الواعية التي تتجاوز النمطيّة والتكرار وتُبدع وضعيّة مغايرة حتّى بوسائل قليلة .

الثّورات في سياق العولمة : شكّل الإنسان الدّولة في التاريخ الحديث وأسّس قانونا في صيغة مواضعة مدنيّة تفصل بين الحق والواجب . هذا الفصل داخل الدولة الواحدة بين السُّلط وبين الحاكم والمواطن تساوق مع انفصال بين الحضارات ولّد صراعا يحرّكه رهان التحكّم الإيديولوجي (الإعلامي ،الديني، السياسي،العسكري) ،فكلّ حضارة تريد أن تكون صانعة للحاضر ومتحكّمة في مسار المستقبل اقتصاديّا وعسكريّا وافتراضيّا

 ( الإعلامية، الانترنيت...)  فالحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة تُخفي صراعا جامحا يهدف فيه كل طرف الى الاستحواذ على مستقبل العالم وافتكاك

السوق كفضاء لترويج البضاعة سواء الأسلحة أو الثقافة أو الايدولوجيا وهو ما يتجسّد اليوم في العولمة التي حوّلت الجسد والعقل والدين والصورة والإعلام والمصلحة والأوطان الى بضاعة للبيع وللتسويق عبر آليات متعددة   كالإشهار والدعاية  . هذا البعد البضائعي يدلّ على انقسام العالم إلى بائع يصنع البضاعة التي  تحمل توقيعه الإيديولوجي والآخر الخاضع لها. فهذا التقسيم الثنائي لعالم مبنيّ بطريقة العولمة يمثّل نحتا جديدا لعنصريّة حضاريّة جديدة اذ لم نعد نتحدّث عن شعوب بدائيّة وأخرى متحضّرة وعن حضارة غازية بثقافتها لبلدان متخلّفة  بل أضحينا في العصر الرّاهن نعاين تسلّطا جديدا يمارسه من يتحكّم في التقنية وفي الاقتصاد على من يفقد هذين القوّتين .

ما هي رهانات الثورات داخل هذا العالم المعاصر؟

الصعوبات داخل الوطن الواحد: في كل مرحلة تمرّ بها بلاد عربية يُوجد صراع إيديولوجي بين من يريد للدين أن يكون المرجعيّة الوحيدة في الاقتصاد وفي الحكم وبين من يسعى إلى إعطاء العقل مساحة من التأويل لمستجدّات الواقع ، فكأننا نعود من جديد لصراع بين " العقل والنقل "  أو بين " شريعة الدستور " وشريعة الإنسان . وما كشفت عنه بعض الثورات العربية هو أنّ هذا الاختلاف الذي شقّ حضارتنا العربية الإسلامية منذ الغزالي وابن رشد مازال حاضرا  لأسباب سلطوية ومنفعية ومذهبية وتاريخية .

 بين الراغبين في السّلطة وفي المحاصصة السياسية تظلّ أسئلة المواطن مُعلّقة حيث تُضحي الحرّية -التي تخيّلها طويلا وحلم بها كثيرا وتغنّى بها في سرّه خوفا من الحاكم – مجرّد مصطلح يدلّ على التوهّم.

ويبقى المواطن العربي منتظرا لكرامة ممكنة في واقع مسيّج بكل أنواع السجون والعوائق التي تجعل هذا الرّهان شبيها بالبحث عن " حَجر الفلاسفة " في بيداء غير محدودة .

لم تعد مسلكيّة الثورات واحدة بل تشظّت الى أهداف متناقضة بين رهانات مواطن بسيط لاعلاقة له بالسياسية وبين ساسة يُحكّمون عقلا حسابيّا يريدون به الغنائم دون مقابل وبلا تنازل عن مشروعهم الذين يرون فيه كامل العدالة والمنقذ من الفقر والجهل والتسلّط..

الاختلاف كوسيلة للأجوبة : كل حزب سياسي أو حاكم أو منظّمة وطنيّة أو عالميّة تحتكم بالضّرورة لمرجعيّة ما وتراهن على غايات قد تكون إنسانية أو سياسية أو عقائديّة أو رأسماليّة إذ بتعدد الأحزاب تتناقض المصالح وتختلف في تصوّراتها لما يجب أن يكون عليه المجتمع والاقتصاد والحكم والقانون والنتيجة إما الاحتكام للإنسان أو للإله في التّأسيس للدولة والتّشريع للقوانين الممكنة . ففي الحالتين على السّاسة الاحتكام لما يراهن عليه المواطن العربي من الثورة اذ هو من قدّم جسده للموت وللإعاقة وللسجن منتظرا اللحظة التي يرتقي فيها الى مرحلة المواطنة وبالتالي الى أفق الإنسانية .

يتمثّل السبب الرّئيسي في إرباك ما بعد الثورات هو عدم التمييز بين الاختلاف وبين الصراع، فالأوّل هو من طبيعة الحياة فداخل الإنسان تختلف مكوناته البيولوجية والعالم يتغير باستمرار بسبب اختلاف الوضعيات وتغيّر المصالح بينما الصراع يدلّ على العجز عن التّفاعل مع الآخر وعدم القدرة عن التنازل عن تصوّر أو حقيقة أو موقف أو منهج يبدو لدى معتنقه المرجعيّة الوحيدة الممكنة . ونتيجة لهذا الاعتقاد في امتلاك الحل الوحيد تنزاح الثورة عن هدفها الأصيل ويغدو الوطن ممزّقا بواسطة تناحر إيديولوجي وسياسي يوصل إلى أفق مسدود ويعيدنا الى " الدّرجة الصّفر" من الثّورة.

فإذا كان التاريخ الإنساني مصنوعا من تغيّر ناتج عن مسار تجاه الأفضل ، فان انخراطنا في كونيّة هذا التطور يشترط الوعي بأنّ الأنانيّة والتعصّب والمصلحة الفرديّة ورفض الآخر واعتبار المواطن الحلقة الأضعف في الدّولة كانت سببا في خروج المتسلّطين من كتاب التاريخ وفي تفجّر الرّفض للخضوع وللتّبعية .

ما يُربك مطالب الثورة هو ما يُوجد  من رغبة جامحة في الحُكم – ومنه التّحكّم- بين مختلف التنويعات السياسية التي قد تؤول الى نسيان أوتناسي ما قامت من أجله الثورة وهو الحرية في التفكير والتعبير وكرامة المواطن العربي المتمثّلة في الشغل والعدالة والمساواة أمام القانون وهو ما يمثّل شرط إمكان نجاح كل ثورة.

بما أنّ العقل هو الحدّ الفاصل جوهريّا بين الإنسان والحيوان ، فانّ الاحتكام للتفكير الذي يقبل الآخر المختلف والمغاير بغاية الثّراء والإثراء  هو الأساس الذي يجعل الثّورات مُنتجة ويمكّن الأوطان من التشكّل ،ويجعل الوطن العربي فاعلا في عالَم يسرع نحو مصالحه ويجمّع العلم والمعرفة والاقتصاد بغاية التحكّم في الكون.

fathiakermi@gmail.com

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق