]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورات وبداية التاريخ

بواسطة: فتحي العكرمي  |  بتاريخ: 2012-05-10 ، الوقت: 11:09:32
  • تقييم المقالة:

 

 الثورات وبداية التاريخ

فتحي العكرمي –  استاذ اول في الفلسفة وكاتب تونسي

كتب "امبرتو  ايكو " بحثا عن اسم يعطيه للوردة التي أينعت في تُربة سقتها القرون الوسطى دما وحزنا وصراعا حيث أنّ مهمّة محاكم التّفتيش لم تكن فقط ارشاد الناس بل أيضا معاقبتهم بوسائل بشعة بعيدة عن روح المسيحية  اذ انقسمت الكنيسة الى شقّين : شقّ يجمع المال ويثور الآخر ضدّ ه مستعملا أحيانا العنف لتطهير الكنيسة . في فضاء  محكوم باللاّمعنى  كان سؤاله الأساسي الذي شقّ جلّ كتاباته : إلى أين يذهب العالم أو هل يمكن أن نهب العالَم دلالة تجعل وجودنا داخله ممكنا ؟

" كانت الوردة اسما ونحن لا نمسك إلاّ الأسماء " أمّا نحن العرب فنمتلك مخزونا من الأسماء والأسئلة المكتومة والمسجونة تحاول أن ترسم ملامح أجوبة ممكنة تعطي

عنوانا لحياتنا وترسم مسارا يقينا من التشرّد على حافّة التاريخ لعلّنا نعثر على أمكنة تقينا من الاستبداد  ، فكأنّ العالم الذي رسمت له الثّقافة الغربيّة أكداسا من المعنى ورجّته مرارا لتعيد تشكيله بطريقة تجعل الحياة " جديرة بأن تعاش " لا ننتمي إليه إلا على شاكلة التخيّل خوفا من الانخراط في كل جهاته المنفتحة على صعوبات متعددة  .

البحث  عن مدخل للكون : إذا اعتبرنا أنّ المواطنة هي  نتيجة لتاريخ محكوم بالصّيرورة وبالتحوّل من فترة ماقبل الكتابة ومن الانتماء للطبيعة على شكل تصوّر سحري لظواهرها وصولا إلى القانون الوضعي كعلامة على التشكّل السياسي للفكر البشري ، فانّ تجربة الانخراط في وطن هي نتاج للعقل المناقض للعنف وللانغلاق حول حقيقة " يجعلها الجميع خليلة " وهي لاتقرّ لهم بذاك . فصراعاتنا ترتبط بأشكال متعددة بالحقيقة التي نراها دوما من وجهة نظر واحدة تجعلنا رافضين للمغاير لنا فيتكدّس لدينا معجم من النعوت والأوصاف نطلقها جزافا : المتحضر/المتخلف ، المؤمن/الكافر ، الوطني/العميل ، الإبداع/الابتداع ، وهذا يجسّد صراعا وتناقضا خارج منطق الاختلاف الذي هو من طبيعة الكون ذاته والحياة في معناها البيولوجي (تجدّد خلايا الجسد)  والعقلي (تغيّر الأفكار ) والسياسي ( تحوّل أشكال السّلط بحسب تغيّر الوضعيّات)  والثقافي (تفاعل الثقافات واللغات والعلوم والفنون)  . فكيف نظلّ مدافعين عن حقيقة واحدة ثابتة إلا إذا كان الرهان منفعيّا ضيّقا – ايديولوجي /سياسي /مادي /مذهبي / فكري-  يعتبر كلّ غيريّة مختلفة  مرضا وانحرافا وعائقا  .

إذا افترضنا وجود فضاء يمتدّ من الأسرة فالمدينة باتّجاه تشريع معيّن يحتوي داخله على بنود تحدّد معنى الحق على اختلاف معانيه ومصادره  ، فذلك يقرّ بأنّ هذا الأخير لم يُصنع ليبقى  مفهوما مجرّدا متعاليا عن التاريخ وخارج واقعية وجود الإنسان بل هو تكوّن لغاية التنظّم والانتظام داخل الدولة .

يبدأ الحقّ في تشكّله الأوّل كحقّ في الحياة وفي قداسة جسد الفرد وروحه وتفكيره فتوفّر الضّرورات البيولوجيّة (المسكن، الغذاء....) هو شرط إمكان الوجود في صيغته الدّنيا أو مابه تكون الحياة في بدايتها ، هذه البداية التي لم تكن مُتاحة للعرب الذين أرادوا الحياة في بعدها الإنساني لذلك بحثوا عن " مسالك توصل إلى شيء " فكان الرّهان أنطولوجيّا بغاية الوجود  في جوهر الحياة و تشكيل المدينة – الوطن-الدولة  لتكون متّسعا لمن سيُقبل على عالم تمّ تلوينه بدماء الشهداء تمرّدا على سلطات القهر والاستعباد ورفضا لمنتجي الاستبداد  . كتب الشّهداء بأرواحهم " اسم الثّورة " ورسم الجرحى بأعضائهم المبتورة

" موناليزا" الوطن الجديد ، فهم صنعوا بكل شجاعة المُقبل على الحياة ومُفارقة يغادرها

وصارخا ومتألّما ومنسيّا فتمرّدا على الكلّ . 

إلى أين يسير المستقبل العربي ؟

بما أنّ العالَم هو نتاج المنجزات الفردية والجماعية والحضارية والعلمية والثقافية ،فان الثورات العربيّة هي بصدد إعادة كتابة التاريخ الذي لم ينته بعد – عكس ما بيّنه فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ- الذي اعتبر أنّ أمركة العالم تجسّد لحظة اكتمال التاريخ والوعي الانساني والتطوّر التقني والعلمي والثقافي واللغوي والعسكري كصناعة أمريكية خالصة ، بل هو بدأ في التمظهر بطريقة تمرّدت على السّياق التاريخي للتحوّلات المعهودة والتي كانت تجيء على شاكلة حروب واستعمار  أمّا الآن "فعنوان جديد" حيث انفتحت مسالك جديدة توصل إلى العالم وتقف في جوهر التاريخ وليس على تخومه   .

فالإنسانية أضحت اليوم تُصوّب باتّجاه مسار جديد ونحو مصير مغاير أصبح المواطن العربي فاعلا فيه ومُوجّها له بما فيه من تعثّر لكن طبيعة كل بداية أن تكون كذلك لتصل الى مرحلة الاستقرار.

 فإذا كانت بعض الشّعوب قد مسكت ببداية تاريخها لتوجّهه باتّجاه الحق والعقل والمواطنة والحرية والاختلاف فإننا أمام بداية صنع بها شهداء الثورات طرقا تدلّ على أنّه " على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة" وأنّ المواطن العربي هو بذاته يحوز على مُمكن جسدي وعاطفي ووطني وعقلي وحضاري وثقافي  يمكّنه من إبداع طريقة تأريخ جديدة تشترط تفعيلا متواصلا للاقتدارت الايجابية من أجل أن تظلّ رهانات الثّورة مُنتجة لطريقة تفكير تمكّننا من الإقبال على الحياة بواسطة " العيش معا " داخل أوطان صنعها من رفض الاستعمار وقدّم حياته ثمنا وأبدعها القادرون على التفكير ورسمها المُهجَّرون وأسماها الشّهداء " بلدانا امتدادا لأرواحهم ".  

كتبت الثورات مسارا جديدا بدأ التاريخ يلتفت إليه وأضحى العالم يعيد ترتيب تفاصيله على وقع المُستحدث الثوري العربي. فالتّاريخ ليس تكديسا للأحداث وتجاوزا لماض انتهى بل هو  كتابة للفعل ورسم لعالم يسير وفق ترابط بين الأفراد والمؤسسات والسُّلط والحضارات والقيم والثقافات تجميعا لما هو كوني . كان الفعل الثوري رفضا للسائد السياسي والاقتصادي  والاجتماعي رغبة في إعادة بناء الواقع ومنه البحث عن مدخل جديد للتاريخ يجعل المستقبل مغايرا لانتظارات المستبدّ ولأهداف المتسلطين ولرهانات مُنتجي القمع .

أن يأتي المستقبل مغايرا فذلك يقتضي مخزونا كبيرا من الفكر والفعل للتواصل والحوار

خارج مُدن التعصّب والكبت والعنف داخل فضاء يتأسس على جملة من الشروط :

- العدالة الاقتصادية والاجتماعية

- التداول السّلمي على السلطة

- إتاحة الحرية في التفكير والتعبير والنّقد كوسيلة للبناء وللإصلاح

- الحوار بين مكوّنات المجتمع كبديل للإقصاء

- فتح آفاق جديدة للأوطان لتتحرر من تبعية اقتصادية وثقافية وإعلامية وتقنيّة 

- الاستقلالية في صنع القرار الوطني لمنع المستعمر من العودة بطرق جديدة لم تعد عسكرية بل أضحت اقتصادية وثقافية وافتراضية وحضارية ولغوية

- تثوير النظرة للمواطن بما هو عماد الدّولة والفاعل فيها والمنتج داخلها وليس باعتباره رقما في سجلّ الولادات أو الأموات على هامش الدولة

- تفعيل المُمكن التاريخي ( الديني ، العلمي، اللغوي، الحضاري، التّأويلي، الأخلاقي) وجعله في جدلية مع  الحاضر ليكون المستقبل ثريّا بتعدّد مرجعياته وأسسه  

 فشرط إمكان الوطن في معناه العربي  هو الانخراط في حاضر يضمّ المختلف والمغاير صنعا للمستقبل ومنه  التحكّم في التاريخ .

                  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق