]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جمهورية حسان ... رواية في حلقات ( 1 ) أحمد الخالد

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-05-09 ، الوقت: 23:46:32
  • تقييم المقالة:

 

 

( أ ) مسرح العرائس ------------  ... النوم نفق معتم تتداخل ممراته في متاهة غير متشابكة ، يسهل فيها المرور  فوق حواجز الزمان والمكان !           بساط للريح ، تبدو الحياة من خلاله أكثر رحابة واتساع ، قد تتصل تفاصيله بعالم اليقظة ؛ فتلتقط خيوطه ، تتداخل في صياغة أخرى تلائمها ، وتتوافق مع لغتها في ثوب جديد أكثر دهشة وأقلقتامة.        يفك النوم خيوط النهار الأشد صلابة ، ويربطها ربطا عجائبي، لينا ؛ فتصير صافية وأكثر وضوحا ، تبدو في ومضات نهارية على أوقات متباعدة .        هكذا كان النوم قبل ( مقتل حسان الدواخلي ) الذي جعل لحياتي صيغة كابوسية في وضح النهار ؛ فلم أعد أحيا في نومي عوالمغريبة لا تمت لي بصلة ، أرى فيها شخوصا أخرى وأعيش فيه حيوات متباينة ، كنت أحسبها تبتعد عن حيز الحلم والكابوس ، وتقترب بي من شخوص وحيوات من صنع خيالي الذي ضيق أبي الخناق عليه ؛ منذ أجبرني على دخول كلية الحقوق لأسلك طريقه النيابي ، كنت أحسبها صرخة احتجاج ليلية تصفيني من تفاصيل النهار ، وليتها دامت ؛ إذ شاء ( حسان الدواخلي ) منذ مقتله أن يحولها مسرحا للعرائس ! حقا مسرح للعرائس ! شخوصه أسماء ملف روايته التي لم تكتمل !! أراه يمسك بخيوطها جميعا ، يقدم عرضا عجائبي كل ليلة ؛ يتحدث بألسنتهم ، والأعجب أنني أرى نفسي واحدا منهم - وفي كل ليلة يلعب بي حسان الدواخلي دور ثور الساقية معصوب العينين نيابة عن جموع الجماهير التي تتخذ هيئتي وتكتفي بالمشاهدة والتصفيق وهم يرونه يحركني وقتما يريد ويبكيني حين يشاء ، يقترب بي من معرفة قاتله ويجعله قيد أناملي ثم يسحبه مني ضاحكا أو باكيا ، شاردا عن عرائسه ؛ أو مدققا فيها ؛ لا تكف أصابعه عن تحريكها حسبما يريد ، وكيفما أرادت لها رغبته . كلما تقدمت خطوة واكتشفت بعدا آخرا لشخصيته ، أو جريمة جديدة من جرائمه في النهار ؛ كلما ازداد غموضا في الليل ؛ وكلما تزداد تصفيق الجماهير له ؛ كلما ازدادت الستائر التي يضعها فوق شخصية قاتله ؛ كأنه يوبخ فدرتي على سبر أغواره ، حتى كدت استسلم تماما ، وكانت قاب قوسين من أن خلط بين عوالمه العجيبة في عالم النوم وبين تفاصيل قضية مقتله التي تزداد غرابة يوما بعد يوم في عالم اليقظة . حتى كانت الليلة التي امتنع بعدها عن زيارته لي في الحلم ، إذ رأيت حسانا معنا بين العرائس تجمع خيوطنا جميعا في يد كبيرة أخطبوطية الأصابع تملأ سماء المسرح ؛ تحركنا فنبدو كأقزام يتعاركون في حلبة مصارعة تتسع علينا فنصير نقاطا كالغبار متعلقة بخيوط اكبر منها ؛ تطل علينا اليد الكبيرة تمسك بجسد لملتح كعصا غليظة أو كمكنسة ضخمة ؛ تكنسنا بها من الحلبة ؛تخرجنا فنبدو تتطاير , نلف في دائرة كالساقية , ندور سريعا كدوامة ريح في سماء الحلبة تتركنا , ندخل الحلبة ثانية , نتعارك , نعود أقزاما , ونصير فحولا , تخرج علينا اليد الكبيرة الأخطبوطية بجسد الملتحي كعود ثقاب كبير ؛ تشعل به النار فينا وتلقيه بيننا فيتفتت أجسادا ذات لحى ؛ تعاركنا تارة وتتعارك فيما بينها تارة أخرى لكنها تحترق مثلنا ؛ إذ تفتح اليد الكبيرة شبابيك للريح تؤجج نار الحلبة , وتضحك , ترمي لنا بسارية علم , تنطلق صيحات بيننا ؛ " من ظله العَلم بظله فهو أمِن " ثلة تقاتلت للاحتماء بظل العلم , فاستطالت أجسادا لا تحترق , تنفخ ريحا تؤجج النار فينا ؛ وحده حسان الدواخلي الذي اعتلى سلما ؛ يحاول أن يسحب ستائر تحمينا من الريح , أو يفتح صنابير مياه تطفئ أجسادنا المشتعلة ؛ تترك له اليد الكبيرة والمستظلون بعلمها الفرصة للمحاولة , لكنه ما أن يقترب ؛ حتى يبعده , فيعاود المحاولة , وتعاود إبعاده ؛فيعاند , فتلقيه بسلمه في النار! يتفتت السلم : كتبا , وجداريات , وقراطيس محفورة حروفها , ومسلات , وأنابيب معامل , وأهرامات ؛ تأكل النار بعضها وبعضها تنقذها نداءات أمي المتكررة , وجرس المنبه التي عاودت ضبطه مرات ؛ معربة عن دهشتها ما أن افتح عيني من هذا الاستغراق في النوم وتلك الهمهمة الغريبة التي باتت  تصدر عنى والتي لم تكن يوما عادة من عاداتي , مستفسرة منى عمن يكون  " حسان " هذا الذي أصفه أثناء نومي دائما ولأي الدول يكون العلم ذا النجوم الذي وصفته أثناء نومي الليلة ؟! وبالطبع لم تتركني كالعادة أفر  من سؤالها اليومي : -                    متى ستتزوج ؟! لكنها أضافت ضاحكة : إن الزواج وحده هو المنجي لي من " حسان " هذا , وهو أيضا الذي سيؤسس لي الدولة ذات العلم التي أحلم بها !! لم تستطع مزحه أمي هذا الصباح أن تخرجني من الحزن العميق الذي ملئني  والشعور الغامض باللاجدوى الذي سيطر على حين اكتملت يقظتي .

 


رواية جمهورية حسان ... أحمد الخالد / قاص وروائي مصري 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • مدحت الزناري | 2012-05-16
    تتراقص الجمل كأنها مشدودة بخيوط يمسك بها محرك ماهر للعرائس افتتاحية مبهرة لرواية أحببتها وأعيد قراءتها فأزداد امتاعا.. كاتب يستحق المتابعة والوقت معه له قيمة وعائد .. امنحك قليل من الوقت وتمنحنى متعة ودهشة ومساحات للتأمل وأشياء لا أعرفها تتكشف مع الأيام وجميعها سمات للأدب الرفيع الأصيل. 
  • طيف امرأه | 2012-05-12

    احلامنا كوابيس لواقع مرير

    لم تعد حتى القصص تكبت مشاعرها

    لا ادري ساكمل معاكم المشوار بتلك القصة ..لارى النهاية ,,او لأقرا ما يمكن ان يحصل لوطن

    وحياة مواطنين في وطن

    ساتابع قراءة القصة وارجو من الله ان تكون في النجاح والقمة

    بورك بقلمك احمد يكتب ولا يمل ..للحق وفي الخير

    سلمت

    طيف بتقدير

     

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق