]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف الجزء السابع

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-08 ، الوقت: 21:12:17
  • تقييم المقالة:

 

وللمتصوفة قاسم مشترك بينهم وبين المسيحية في مسألة الاعتقاد في الإله، فهم لا يستطيعون الإيمان بإله قدير متفرد بالوحدانية، كامل في جميع صفاته دون من ينوب عنه في تدبير شؤون الكون، ولا يستطيع الفكر الصوفي التوفيق بين أسماء الله وصفاته، فيجعل ابن عربي على سبيل المثال في كتابه (الفتوحات) أسماء تنوب عن أسماء، فضلا عن أنه لا يستطيع التوفيق بين المحسوسات والمعقولات التي تنكشف يوميا عنها أبحاث الإنسان ومعارفه، كلما تطورت الأمور في اتجاه الرقي الحضاري والإدراك، فقد آمن الصوفي بإلهين اثنين، إله اعتباري سماه الحق، وإله نسبت إليه قدرة الفيض على الأنبياء والأولياء وسماه بالحقيقة المحمدية، وجعلها عنوانا لجميع الخيرات والأنوار المنبعثة منها. وقد يختلف في نظرهم مدلول القدرة الإلهية، ومدلول القدرة المحمدية بعض الاختلاف، فمدلول القدرة الأولى تستلزم خلق هذا العالم، ومدلول القدرة الثانية تستلزم الحكم في كل شيء. وهذه المزاعم لم ترض عقول المؤمنين بالتوحيد، ولم يزل في عرفهم أنه ضرب من ضروب الزندقة والكفر ووهم لا نصيب لهم من الحقيقة في شيء ولا تريح ضمير المعتقد بها فضلا عن الرافضين لها.    

 

وقد قسم الباحثون أهل التصوف إلى نوعين حسب علاقتهما بأمور الدنيا: نوع قيل أنه يرفضها باعتبارها وهم وغشاوة مزيفة ويرى للدنيا ظاهرا غرارا فيه النقائص والآلام، وباطنا صادقا كاملا بمثال الإله في جميع صفات كماله. ونوع يخوض غمار الحياة الدنيا ليمتحن نفسه بغواياتها، غير أن هذه التقسيمات لا جود لها في واقع حالهم، ولا وجود لمن يقاوم مطامع الدنيا التي تحجب الحقائق العليا حسب زعمهم.

 

ونأمل أن يكون هذا البحث بحث المسئول، لا بحث السائل الطارئ على القضية من بعيد، وقد اعتمدنا في بحثنا هذا على معرفة التصوف من أصحابه، فضلا عن دراسة العديد من أمهات كتب أقطاب التصوف المعول عليها، وعلى آراء أصحابها الذين يبدونها في سياق مناقشتهم للعديد من القضايا حيث  كشفت لنا أسرارا كثيرة وضعتنا في صورة ما كان يعتقده كل شيخ من شيوخهم الأوائل واستنتاج ما يمكن استنتاجه من أقوالهم وأفعالهم، وما دلت عليه آراؤهم المحفوظة في كتبهم، ورغم أنهم لم يذيعوا كل أسرار الرياضات والخلوات التي سردوا الشيء القليل منها، إلا أنه في هذه التي نسميها اعترافات، أكدت لنا أن حالات السحر والمس كانت بادية على الكثير من أحوالهم. وما تلك الصور البشرية التي تراءت لهم والإحساس بالولوج ما وراء عالم الظواهر، لا تعدو أن تكون صورا مزيفة من صنع الأرواح الماسة، أظهرتها لكل شخص ممسوس بعدما ضمت كيانها إلى كيانه بسبب رياضات روحية وخلوات وقراءة أوراد، فدمجت عقلها بعقله وأبرزت صورتها في صورته، وأصبح من الضرورة بمكان أن يتنازعه عامل حب الحياة في ظل تلك الحالات والشعور بالتضاؤل والضعة أمام رهبة تلك الصور و (الأنوار) وهول عظمتها، يقابل تلك المكاشفات ما رأى فيها من مظاهر القدرة بالإعجاب والقوة بالخشوع، وهو يريد إزاء ذلك أن يتوصل إلى الاشتهار بنوع من الكمال ويخفي مما يشعر بنقصه طمعا في الاتصاف بمزية من المزايا التي سخر لها نفسه بالرياضات.

 

فهذا العالم الذي نشاهده بأعيننا ونلمسه بجوارحنا، عالم لا وجود له على الحقيقة في نظر أصحاب الفلسفة الصوفية، باطنه أصح من ظاهره، ولذلك بالغوا في وصف صوره وتجسيم حوادثه، والتهويل مما صادفوه على غير انتظار في أسفارهم ورحلاتهم الوهمية إلى السموات وإلى عالم الحضرة الإلهية والبرزخ، ووفقا لهذا الاعتقاد فإن الولوج خلف عوالم المادة مخصوص، لا يحسن خوض غماره إلا من خصه الله بما له من الحذق والاختبار، ولذلك يبدو للمرء عندما يتصفح تلك الأقاصيص أنها تتضمن وقائع لازمةلصيانة عقائد الناس ولا محيد عنها.  

 

من خلال هذه التي يسمونها كشوفات واشراقات تحول الصوفية إلى أدوات لتحريف الدين وحشو كتبهم بأحاديث وأسانيد وضعوها بأنفسهم ثم نسبوها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وغلبوا الطابع الخرافي على الدين، وحولوا العبادة من عبادة الله وحده من غير وسيط إلى عبادة الله بواسطة الرسول وبواسطة الشيخ، وابتدعوا في الدين عظائم الأمور لم ينزل الله بها من سلطان، فكان نتيجة هذه التحريفات والخزعبلات والتأويلات الباطلة أنهم جلبوا إلى الأمم الإسلامية كل أشكال الدروشة ومظاهر التخلف، معتقدين أن ما يجرى على أيديهم من خوارق العادات كرامات إلهية خصهم الله بها فزاد ذلك تولعهم بالأوهام التي لا سند لها في دين الإسلام.

 

إن البحوث في التصوف تقرر أن أقطاب هذا المذهب هم أضل الناس طريقا وأبعدهم عن العقيدة الصحيحة، إذ خلطوا عملا صالحا بعمل سيء معتقدين أن مرتبة الشيخ القطب مرتبة إلهية، له قدرات مؤثرة في الأحياء والأموات، ومؤثرة كذلك في العوامل الطبيعية، وقوته لا تضارعها قوة أخرى، ومن أدلة الواقع على حقيقة هذه الاعتقادات أن أتباع الطرائق الصوفية يعتبرون أقوال شيوخهم وحيا مقدسا، لا يجوز بأي حال من الأحوال انتقاده أو رده أو النظر فيه وأن هممهم متعالية عن البشر، وكلماتهم نافذة وما على الأتباع إلا السمع والطاعة والتصديق ولكنها تنسب إلى فعل الله مجازا لأن فعل الولي من فعل الله.

 

وقد نجد في قول العقاد الرد المناسب عن شطحات هؤلاء وخزعبلاتهم، وما هو أوسط وأعدل لدحض هذه المزاعم جملة كما ذكر ذلك في كتابه (التفكير فريضة إسلامية) ولعله ذلك هو مذهب الإجماع في شريعة الإسلام:

 

ـ " إن الإسلام دين موجود، فالذي يشير على المسلم بدين غيره يريد منه أن يتركه ليدين بعقيدة ارفع منه في درجات الاعتقاد وأوفى منه بمطالب الجماعة ومطالب الآحاد، وهذا ما يعتقده المسلم، فما الذي يعتقده خيرا منه إذا نظر في الإسلام وفي سائر الأديان؟

 

ـ يعتقد المسلم في الإله أنه رب العالمين ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط، لا يحابي ذرية دون ذرية، ولا يختص بالنجاة فريقا دون فريق، ولا يميز أحدا على أحد بغير العمل والتقوى...

 

ـ ويعتقد المسلم في النبي أنه رسول هداية، يعلم ما علمه الله ولا يعلم الغيب إلا بإذن الله يخاطب العقول ولا يقسرها على التصديق بالخوارق والأعاجيب، ولا يملك لأحد نفعا ولا ضرا إلا ما يكسبه لنفسه من خير وما يجنيه عليها من  خسار...

 

ـ ويعتقد المسلم في الأنبياء كافة أنهم رسل الله بالهداية يصدقهم جميعا حين يصدق برسالة نبيه، يبشرون وينذرون فلا يهلك أحد من خلائق الله بغير نذير، ولا تفوته النجاة لأنه سبق في الزمان أو تأخر فيه، بغير حيلة له في السبق أو التأخير...

 

ـ ويعتقد المسلم في الإنسان أنه مخلوق مسئول عن عمله وعن نيته، إن عمل صالحا فلنفسه وإن أساء فعليها، يؤاخذه الله بذنبه ولا يؤاخذه بذنب لم يقترفه، وينجيه بتوبته ولا ينجيه بكفارة لم ينهض بثوابها...

 

ـ ويعتقد المسلم في بني الإنسان عامة أنهم أسرة واحدة من ذكر وأنثى، أكرمهم عند الله اتقاهم، وأتقاهم لله أنفعهم لعباده، يتكاثرون بالأنساب ويتعارفون بالأعمال والأسباب، فإذا نصبت لهم موازين الحساب فلا أنساب بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون..

 

ـ ويعتقد المسلم في الدين أنه عهد بين المرء وخالقه، أينما كان فثم وجه الله، محرابه حيث أقام الصلاة بين الأرض والسماء، وضميره حرم لا يباح إلا بما شاء الله...

 

ـ فإذا آمن المسلم بغير هذه العقيدة فما له من عقيدة خير منها فيما يعتقده إنسان في الله أو في أنبياء الله أو في خلق الله أو في مشيئة الله... وإذا قيل له لا تعتقد بالإسلام فقد قيل له: لا تعتقد بشيء ولا تؤمن بإله... [1]

 

ولكن هذه المبادئ الأساسية الوسطية العادلة لا نجدها في الفكر الصوفي الذي يقسر الناس على تصديق خوارق شيوخهم واعتناق الرأي الواحد وتكفير كل من خالفهم الرأي كما شدد في ذلك  الشيخ (رويم) وهو أحد شيوخ التصوف معتبرا من خالف مذهبهم منزوع الإيمان من قلبه: " من قعد مع الصوفية وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه". الفتوحات المكية.

 

[1]التفكير فريضة إسلامية للعقاد


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق