]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف الجزء السادس

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-08 ، الوقت: 21:02:37
  • تقييم المقالة:

 

والمسلم يعلم أن دينه قد أكتمل ولا حاجة به في أمثال هذه الأحوال إلى ابتداع شيء جديد في دينه، وأن سماحة الإسلام وسعت عقائد جميع الأمم على العموم وعقائد المتصوفة على الخصوص، ولقد كانوا أحرارا في رحابه الفسيح حيث نشأت في ظله طرائق لا تضارعها طرائق من أبناء الديانات والمذاهب الأخرى في وفرة عددها، ومع ذلك لم يذهب أحد ضحية أفكاره الفكرية أو السياسية أو الدينية أو المذهبية ما عدا القضيتين المشهورتين في التاريخ اللتي أعدم فيهما الساحران المتصوفان الحلاج والسهروردي، ولم يكن لهما ثالث في الزمن الطويل، وذلك منذ أن جاء التصوف إلى ديار المسلمين، ولم يصح أن الحلاج والسهروردي كانا من ضحايا الفكر الصوفي، بل كانا ضحية الفتنة وضحية السياسة التي اختلطت في ذهنهما بالزندقة وعليهما إصر كبير فيما جناه كل منهما على نفسه بعد اليأس من توبتهما، ولا نزايد على ما جاء في كتبهم وقصائدهم، وقد تواترت عنهم أخبار السحر  والشعوذة، فكانا يخرجان للناس فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، ويمدان أيديهم إلى الهواء فيعيدونها مملوءة بالذهب والدراهم، ويخبران الناس بما يأكلون ويشربون، وما يدخرون في بيوتهم، ويتكلمان بما في ضمائر العباد، وكان من أتباعهما من يجلس في النار، ويمشي على الماء، ويجلس في الهواء، ويسْبَح في السماء، ومنهم من يظهر نفسه للناس في عدة أماكن بعيدة في آن واحد، ويسمع أحاديث الناس في الأماكن القصية، ومن التهم المنسوبة إليهما قولهما: أن النبوة ما زالت أبوابها مفتوحة لمن تهيأ لها بعلمه ومعرفته وفصاحة لسانه وقدرته على الإقناع بالكرامة والبرهان، وهو ادعاء يشير في الإمكان ظهور أنبياء جدد بعد محمد عليه الصلاة والسلام، وكان كل واحد منهما يدعي أنه سيحكم العالم، وكل هذه الخوارق السحرية التي تعتبر عند الصوفية (كرامات) خروجا عن دستور القرآن، وليست من سنة نبينا، إذ يرفضها الإسلام الذي جاء لإقناع الضمير بالحجة والبرهان لا لإخضاعه بخوارق السحر وأخبار الكهان، وأنه وضع التصوف الذي نقصد به الزهد والتقوى في مكانه الصحيح الذي يصلح به ويصلح من يريده، ولا يوجب الإسلام التخصص في الماورائيات والغيبيات والتنسك والرهبنة، وتخصيص مطالب الروح على مطالب الجسد، وأن قدر الملكات الروحية التي يمكن تحصيلها محدودة متقاربة في جميع البشر، آماد كمالها لا تبلغ به التخصص في اكتشاف مكنونات الغيب. بمثل هذه الأعمال أوجب الإسلام في تدبير حياة الإنسان، وتلك هي شريعة هذا الدين الذي لا سلطان فيه لمخلوق على مخلوق في طاعة الله بالخوارق ومزاعم الكرامات وأضغاث الأحلام، ولا مكان فيها للخرافات.

 

فالطرق الصوفية ليست مذاهب زهد كما يشاع، ولا تنفض يدها من أعمال الدنيا وزينتها وتتجرد بضمائر أتباعها للمطالب الروحية غير الدنيوية، ولا تنأى بأتباعها عن المطالب الدنيوية، وتقوم على سوء العقيدة في الحياة الدنيا وسيطرة الوهم على مظاهرها وباطنها، ومن ثم تكون قد وضعت الحياة الروحية مناقضة تماما للحياة الدنيوية على أي شكل كانت وعلى أي حال تسير، لأنه لا يوجب على الإنسان في سياسة جسده أن يقيم صومعة في أعماق نفسه لا حدود لها غير حدود الكون.

 

قد تبدو المزية الصوفية مزية الإيمان بالله على الحب، لا على الطمع في الثواب والخوف من الحساب والعقاب، إلا أن واقعهم يظهر أن اشتغالهم بالرياضات الروحانية والاعتكاف في الخلوات للكشف والاستنزال وما شابه ذلك، عمل يعمله أرباب هذه الطرائق مع طوائفهم الكثيرة التي تسلك مسلكهم بحيث تغلب شهرتهم بالرياضات والكشف على شهرتهم بالفكر والعلم، والتعمق في الكشف وطلب الأسرار صفة مشتركة بين أهل هذه الطوائف والفلاسفة وعلماء النفس الذين ينقبون عن ما يسمى بودائع الوعي الباطن وغرائب السرائر البشرية، ولهذا فإن الصلة بين الصوفي وربه تبدو ظاهريا صلة قائمة على المحبة لله وحده، غير أن من يغوص بأبحاثه في أعماق التصوف سيكتشف أنها محبة قائمة بين الكاشف والمكشوف أو قائمة على محبة الأشباح التي تظهر لهم مجسمة في هيئة من الهيئات يقظة ومناما، وأكثرها ما تكون للرسول الشبح والخضر المزعوم.

 

ومن يتعمق كذلك في استطلاع حقائق العقيدة الصوفية يشعر كأن بهم يقترحون دينا جديدا، لا فرق فيه بين أحوال الجماد الذي لا عمل فيه لاجتهاد العقل وتربية الضمير والاستفادة من تجارب الأعمال وحوادث الحياة، دينا لا تركن إليه إلا النخبة المختارة من الأقطاب وأصحاب الحالات والكشف والمدارك، لا يتساوى فيه صغارهم مع كبارهم تساويا آليا كما هو الحال في الدين الذي يسمون أتباعه بأهل الظاهر، ولا يستطيع المريد فيه أن يتوجه إلى الله بضميره فردا بغير واسطة الشيخ الذي تتوسط مراسم كهانته بين المرء ومعبوده، ومهما يسترسل الإنسان في عرض التصورات الصوفية نخال أننا منتهون إلى نتيجة عسيرة عن التصور، بعيدة عن المعقول وأعسر عن الفهم من كل ما ذكروه في كتبهم عبر الزمان المتطاول.

 

فالنخبة المختارة من الأقطاب التي تعد في نظر أتباعهم من كبار العقول، قد بلغت الغاية وتحررت من قيود التكاليف وشهوات النفس التي تعتبر حائلا بينها وبين النور، فصار في إمكانها أن تلتمس معارفها مباشرة برياضة النفس التي إذا ملك أمرها أفلت من قيودها ووصل إلى مرتبة العارفين الواصلين، وأغناه صفاء نفسه عن علم العالمين ودراسة الدارسين، ولعل ذلك ما جعلهم غير ملزمين بالتكاليف، غير محتاجين إلى تعاليم الدين كما يحتاج إليه عامة البشر وصغار العقول. 

 

عبد الفتاح ب.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق