]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف الجزء الخامس

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-08 ، الوقت: 20:55:47
  • تقييم المقالة:

 

رغم أهمية موضوع التصوف وتشعبه إلا أننا لا نتناوله من مختلف جوانبه في إفاضة واستقصاء، ولا يمكن معالجة قضية دينية وعقدية بهذه الأهمية بكل أبعادها في هذا الكتاب، وما يوجب علينا عرضه هو الجانب البارز الذي ترك أثرا ظاهرا في العقيدة والدين كمسألة ( وحدة الوجود والحلول والاتحاد والإشراق والكرامات وما يسمى بالحقيقة المحمدية) وهي عناصر مكونات مذهب الصوفية العام، وما علاقة ذلك كله بالسحر والفسفات الوثنية؟ محاولتنا في هذا الفصل تبيان وجه الحقيقة من بعض شخصيات التصوف الذين ابتدعوا هذه النظريات الفلسفية القائمة على الكشف.

 

وقول الحقيقة في شخصيات التصوف أو في غيرهم، لا يعد تجنيا على أحد منهم، ولا رميا لهم ولا لأتباعهم بتهمة من التهم، أو الإساءة للتصوف إذا كان المقصود به الزهد والتعبد والتقرب إلى الله. فلم يكن قصدنا التهجم على أهله وشيوخه، أو الدعوة إليه أو نقد الجانب المستحسن فيه بشكل سلبي وكشف ما فيه من مساوئ وعيوب، ولا بد مع هذا فوجب النظر إلى هذه الناحية في المسألة الصوفية لندرس الحقيقة بجملتها من جانب الإثبات، وخليق بنا أن نحكم في ذلك حكم العقل والمنطق قبل أي حكم كان، والعقل والمنطق وكذلك العلم والدين يقولون جميعا بكلمة واحدة أن الحقائق الكبرى من هذا القبيل لا يثبتها الكشف ولا الإشراق ولا الاستبصار، ولا تقطع فيها بالرأي بوجه من هذه الوجوه في تصور الحقائق الغيبية والخفية والإحساس بالغيب المكنون خلف ظواهر هذا الكون، لأن عقل الإنسان محدود ينقطع دون النهاية من الكون الذي ليست له حدود.

 

نحن لا نقول ببطلان صور الوجدان، على اعتبار أن العلم لا يصفها بوصفها، لأن أسلوب الحس قد يكون كأسلوب الوجدان لمن أراد أن يحكم على أسلوب كل حالة، لأن الملكة الفكرية والروحية أمانة يجب عدم التفريط فيها ولا خير في أمة تسلمها للإهمال، فإذا ادعى مدع أن أتباع هذا المذهب هم أهل حقيقة ينظرون بعين الكشف إلى خبايا الوجدان في النفوس كما ينبغي أن ينظروا في الواقع الظاهري حقيقة، فلا بد من شاء أن يقرأ هذا الفصل من الوجهة الدينية أو العقلية أو المنطقية فسيجد صور الحلول ووحدة الوجود  ماثلة أمامه بأسانيدها ومراجعها في غير شطط، ومن ثم لا بد للوزن الصحيح من وضع أقوالهم واعتقاداتهم في الميزان ليجدها مضعوفة الأثر منقوصة الأساس تخالف الحقائق القرآنية في الوصف والتعليل.

 

وبما أننا في بداية الفصل نود بما يتقاضانا التمهيد له، أن نصحب القارئ على بصيرة من الموضوع، لنستفتح به باب التصوف الذي كثيرا ما تشعبت حوله المسالك، واختلطت عنده الآراء، لنقدم بين يديه بحثا مطولا فيما نعرضه من حقائق عن الصوفية، وفيما نعرضه عن أباطيل بعضهم، أو أباطيل التصوف في أساسه، إذ لا محل للكلام عن بعض أباطيل طريقة من الطرق ما لم يكن كله حقيقة مقررة وضرورة بشكل مطلوب، ولا معنى كذلك لذكر فضائل أهل التصوف، وقد يكون ضرره على الدين الصحيح أكثر من منافعه، بحيث نقصر الحديث عن فضائل الزهاد والعبّاد، ولا نشمل به المعتوهين الذين يلبسون عباءته ويتكلمون باسمه، لأنهم أولى بدراسة أقوالهم وأفعالهم باعتبارها هي الغالبة على الفكر الصوفي بصفة عامة، ولا نزعم أن صفحات هذا الكتاب كافية للإجابة عن أسئلة كثيرة بما يتسع هذا الجزء لموضعه المقدور.

 

ووجب في رأينا أن نقول: أن التصوف يقوم في جوهره على سوء العقيدة في الدنيا وغلبة الوهم على مظاهره وخفاياه، وأنه أختلط بما يجوز وبما لا يجوز وبكثير من الخرافات والسحر، حتى أنه يتعسر على العقل أن يوفق بين ما هو أصله من الدين، وبين ما هو أصله من الكهانة والسحر، ويمكن أن يقال أن الإسلام ينكر تلك العناصر التي ذكرناها، ينكر مذهب الحلول، كما ينكر المذهب القائل بوحدة الوجود، فلا يقر مذهبا يدعي بحلول الله في بدن الإنسان، ولا يقر كذلك مذهب الزاعمين بفناء الذات البشرية في الذات الإلهية حتى وإن فسر ذلك بعضهم بفناء الشهوات لا بفناء الأجساد وحلول محبة الله محلها في القلوب. ولا يقر كذلك مذهبا يدعي وحدة الوجود، وأن الله هو مجموعة كل الموجودات في الكون، وأن الكون كله بسماواته ونجومه وأفلاكه وأرضه بما يتسع هو الله، وليس المقصود بالوحدة الوجودية عندهم تعني وحدة الفصائل الإلهية، بل تعني وحدة الخالق بالمخلوق والواجد بالموجود واندماجه عقلا وروحا في كيان واحد، وهي لا شك شريعة إباحة وفسوق، لا توفق بين الأمور الدنيوية والأخروية بأي مذهب من المذاهب، وجميع الأقطاب على هذا المذهب كان منهم من كان. ونظريات مذهبهم مستعارة بالأساس من الديانات المجوسية والبوذية والهندوسية والأفلاطونية الحديثة، وهي ديانات على العموم تقوم مبادؤها على الكشف بواسطة الجن لمعرفة ما يسمى بالحقائق ما وراء الظواهر، وهذه المبادئ أصيلة في الديانات الوثنية تعلمها الصوفية الأوائل من فلسفة أبراهمة وبوذا وفلسفة افلوطين، ومن يتصفح كتاب الإشراق للسهروردي يجد هذا الكلام كله موثقا باعترافاته، إذ يؤكد أن التصوف قسط مشترك بين الديانات الوثنية والكتابية يستوعبها جميعا في عقيدة واحدة كل الاستيعاب. والصوفية الإسلامية مازجت صوفية الهند وصوفية الأفلوطنيين كل المزج وأضافت إلى مذهبها شيئا جديدا سمته الحقيقة المحمدية التي تعتبرها أساس العقيدة الصوفية، ومن يتعقب التواريخ والأسانيد لتقرير هذه الحقيقة يجد كل ذلك موثقا في كتبهم بشكل واضح وصريح، وقد يكتشف أن العقيدة الصوفية مستعارة كلها من تلك الديانات المذكورة محيطة بالأصول التي تفرعت عنها، ولم تستخرج أسرارها الخفية ومعانيها الروحية من طوايا كلمات القرآن الذي يقرأه جميع المسلمين ولا يحتكره فريق منهم دون فريق آخر.  

 

ولعل أضاليل الكشف الذي أظهر لهم صورا لشخصيات زائفة وعوالم من وراء الظواهر لا وجود لها أصلا على الحقيقة بحيث جعلت معظمهم يسقطون التكاليف الشرعية وإباحة ما تحظره من محرمات، وقد بلغوا في الأمر مبلغا بعيدا، وأصبح أمر الشريعة في أذهانهم شكا وتظنينا، بدعوى أن الحقيقة في رأي أرباب هذا المذهب تنقض الشريعة، وتكشف ما هو أفضل منها ولا تتممها. يقولون بهذا الرأي أو يعتقدون هذا الاعتقاد رغم أنهم يقيمون الفرائض ويصلون الصلوات ويصومون رمضان ويحجون البيت ويعطون الصدقات، وليس معنى ذلك أننا نحمل أهل هذا المذهب أوزار الأدعياء الذين يندسون في صفوفهم نفاقا واحتيالا، فإنه ما من ملة أو نحلة في العصور القديمة والحديثة سلمت من مكائد اللصقاء الذين ينتمونإليها نفاقا وهم ليسوا من أهلها، ولا يعني التصوف على حقيقته حرية الضمير في الإيمان بالله على الحب والتقرب إليه وإطلاق ضمير الفرد من عقال السيطرة الجسدية والروحية وتيسير اللوذ بسريرته حتى لا يداخله في ذلك حسيب ولا رقيب، بل إن التصوف بقضه وقضيضه تراث الوثنيات القديمة تُجددُ تعاليمه أرواح مضللة ابتدعته ليكون دينا في كل زمان ومكان. 

 

عبد الفتاح ب:                     

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق