]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف ( مقدمة ) الجزء الرابع

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-08 ، الوقت: 11:30:35
  • تقييم المقالة:

 

وقد تعلمنا على أيدي أحد شيوخ هذا المذهب ما يتعلمه المريد من شيخه، ونلنا السر الذي يأمل الصوفية بجهد جهيد لنيله، ومارسنا الرياضة التي تقتضي أن تكون مفتاح الحصول على الكشف الذي من خلاله يلج المريد إلى العالم الذي كنا نعتقد أنه عالم الحقيقة حتى بلغ بنا الأمر أنه كانت تتكشف لنا غرائب الأشياء وكنا نصادف من يقول لنا: أنه نبي من الأنبياء أو أنه هو المسيح، وقد حدثتني امرأة وهي في حالة تلبس تام أنها مريم أم عيسى عادت إلى الحياة من جديد، وألتقيت برجل يزعم أنه المسيح الدجال، وكان يزعم أنه يملك قدرات كثيرة ومنها إحياء الموتى، ثم أتضح أنه كان مصابا من المس الشيطاني، وقائمة الذين يدعون أنهم يمتلكون قدرات خارقة ويرون الله ويجتمعون بالأنبياء والخضر طويلة، وأمثال هؤلاء يظهرون كل يوم، ولكن المؤكد في الأمر أن أصحاب هذه الأحوال صحتهم العقلية غير سليمة، تتحكم في عقولهم قوى روحانية أرضية وهي من تشيع عن طريق التلبس افتراءات يصدقها السذج من الناس.

 

وكل الرياضات التي يمارسها الصوفية تؤدي بصاحبها إلى مثل هذه الأحوال أو التلبس ورؤية صور زائفة لا تمثل حقيقة من الحقائق المقطوعة باليقين، وأن ما يشاهدونه عبر العين الثالثة أو التجلي المباشر لا يعدو كونه من عمل القرين أو من جنسه. فهو من يوهم صاحبه أنه صعد إلى السماء ويصنع له مشاهد غريبة تجعله يعتقد أن ما يراه حقيقة، وأنه صعد إلى العرش وكلم الله واجتمع بالرسل والملائكة، ولذلك نجد كتبهم تحتوي على الكثير من أقاصيص الإسراءات واللقاءات يقظة بالرسول الشبح. وكل هذا لا يعد حقيقة، إنما هي صور مفترضة ومشاهد تحاكي ما يتصوره عقل الإنسان ويصنعها القرين لمقرونه، ولا نقول أن كل ما يعرضه القرين الجني لمقرونه يعد من المشاهد والأحاسيس الزائفة المفبركة، فقد تكشف الجن لبعض الناس أسرارا وحقائق ووقائع تبهر العقول، ولكن ليس له صلة بما يزعمون أن ذلك تجليات حقيقية. وتجربتنا في الاستبصار والاستنزال... لا تقل أهمية عن تجربة الآخرين، بحيث تعلمنا هذا العمل على أيدي شيوخ صوفية كبار، وكان يفرض على المريد أن يتقيد بشروط الشيخ وتنفيذ تعاليمه جملة دون التفريط في شيء منها لنجاح رياضته وقضاء حاجته، ومنها على سبيل المثال الصوم وتجنب بعض المأكولات وقراءة بعض الأذكار لمدة معينة واستخدام البخور، وهذا العمل يعتبر من لوازم الرياضات الروحانية الذي يجب القيام به قبل الدخول في مرحلة التطبيق العملي ورؤية ما لا يرى. وكنا نناقش تلك الأشباح المستحضرة في مواضيع كثيرة، وكانت تزعم أنها تسكن السموات البعيدة، وكنا نصدق كل ذلك، ومع مرور الوقت تبين لنا أن الذين كانوا يكلموننا هم كائنات أرضية لا صلة لها بالسماء، ثم اكتشفنا طرقا جديدة ومنها هذا الذي يسمى الاستبصار، ثم استغنينا عن طريقة الشيخ بكاملها وتركنا استعمال البخور وما شابه ذلك، وأصبحنا لا نلتزم بشروط الطريقة في جلسات الاستنزال والكشف مقابل خدمة معينة. ثم بعد عمل طويل تداركنا أننا كنا نستعير شيئا موهوما في محاكاة الظواهر والأشكال، ولكن كان ذلك بداية بحث موفق في كشف سر الاستبصار والاستنزال والكشف... فتمخضت نتائجه في كشف حقيقة ما كان يدعيه الصوفية كونه لا يعدو أن كان عملا من قبل كائنات أرضية مضللة ... وتبين لنا من خلال تلك الجلسات أن هذه المعاني الاصطلاحية التي سموها استغراقا وفناء ووجدا وحالا ومقاما وقبضا وبسطا وحضورا وكشفا ومشاهدة وقربا وبعدا وشريعة وحقيقة وإلهاما وذوقا وفيضا وبدلا وقطبا وعلما لدنيا وجذبا... والأعيان السبعة والحضرات الخمسة والمراتب السبعة والمرتبة الأحدية وتجلي الفردانية وحقيقة الحقائق... استمدوا معانيها من تلك الخلوات والجلسات، ولا يعرف لها أصلا في الدين، وزعموا أن لها معان جليلة ومقاصد كريمة اكتشفوها لأنفسهم وأودعها الله في قلوبهم وسترها عن مخالفيهم حتى لا تشاع أسرارها في غير أهلها.

 

وأن هذه المسماة كرامات ما هي إلا خوارق تجرى على أيدي المصابين من المس أو الذين سخروا الجن والشياطين بالعزائم والأوراد والرياضات، وأوهموهم بأن لهم خصوصية ويمتلكون كرامات إلهية وقدرات خارقة تحدث بمجرد الإشارة والتفكير في الشيء. ولا يسعنا إلا أن نقول لمن أراد أن يبحث في شأن كل واحدة من هذه الخصائص ليتأكد بنفسه أنها مزجة بين الكرامة والسحر والمعرفة بالخرافة والهروب من الواقع الظاهر إلى الباطن المجهول. وكل ما يصطلح على تسميته بعلم الباطن في كتبهم لم يكن موضع سؤال في صدر الإسلام، لأنه لم يكن من شريعة هذا الدين الخاتم الذي جاء ليحكم حركة الحياة ويحركها من الداخل بعطائه الدائم في تحصيل العلوم ومختلف الصناعات.

 

 ونرجو أن تكون فصول هذه المواضيع قد تلم بأطراف الموضوع نقدا وردا وما نحا نحو ذلك، وأجابت بشكل هاد عن أسئلة كثيرة، وبيَّنت أنه ليس من روح ديننا أن يتجمد المؤمن على تقاليد وعادات موروثة، وليس كذلك من روحه أن يرفض عادة جديدة إذا كانت أحسن من سابقتها، ولكنه يعتصم من روح دينه بحصانة تحفظه من سحر غلبة هذه الفلسفات فلا تهوله بروعتها.

 

ويكفي دلالة، أنه ورد في نصوص عديدة في كتبهم إشارات زاعمة أن الله هو الإنسان أو أن الله هو الكون بكل ما فيه في صور وأشكال متعددة، وأن  باطنه، غير منفصل عنه، ولذلك فإن الإنسان إذا أكل وشرب فليس هو من يأكل ويشرب، وإذا قام وقعد، فليس هو من يقوم ويقعد، وإذا  نطق وصمت، فليس هو من ينطق ويصمت، وإذا فعل شيئا فليس هو الفاعل بعينه، إنما كل ذلك من فعل الله الذي يسكن جسده ويحركه ويدبر أمره، فالله هو قلبه وروحه، وسكناته وحركاته وأفعاله، وما أجسام البشر إلا قوالب متعددة حل فيها الله حلولا لا غير.

 

وعلى أية حال فإن الكشف الذي هو مصدر الاعتقادات الصوفية لا ينطلق من مرتكزات ثابتة تدعمها البراهين العلمية والعقلية ويقررها الدين الإسلامي، وهو لا يكشف شيئا يحيط به الغيب المكنون، إنما هذا النوع من اختراق حواجز المادة لا يعبر بصدق عما يراه الرائي وهو يحاكي النظريات الأخرى في سرد المغالطات وما تنطوي عليه من افتراءات. وإذا قرأنا الموضوع بسياق حكيم وجدنا أدواته لا تعبر بحال عن صحة ما يدعون، ولا يوجد عقل يقوم بسياحة حرة عبر الكون وكشف ما لا يكشف وهو لا يعلم حتى ما يقع في بيته ولا يعالج أمرا طارئا في نفسه، وما يحتمل أن يحدث له في قابل الأيام.

 

عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق