]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذه هي حقيقة الصوفية والتصوف ( مقدمة ) الجزء الثالث

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-05-08 ، الوقت: 11:22:30
  • تقييم المقالة:

 

لقد حقق ديننا الذي عاش أتباعه في أزياء لا عداد لها، مزية دين العالمين، ولم يشعر في أي زمن من الأزمان أو تحت أي ظرف من الظروف بالحرج فيما يتهدده من غلبة الفلسفات الدخيلة التي تتوارى بين ظهراني بعض أفراد هذه الأمة، ولكن أخذنا ننكرها حين اكتشفنا أنها تروج لعقائد فاسدة تلازم التمهيد لبناء عقائد بعيدة عن صحيح الإسلام، فاشتد حذرنا للغريب من هذه الفلسفات الباطنية. لأن المسلم يستمد سجيته من شمول عقيدته التي لا تفصل الدين عن أمور الدنيا، وإذا حاقت به الهزيمة، وضاعت منه عزته، واستبيحت عقيدته، وطمست معالم مبادئه، وسلبت منه استقلال أفكاره، شعر بأنه خسر كل ما لديه، ولم يبق له من عزاء يطمئن إليه غير الهزيمة التي أذلته، ولا يرغب أن يستعير عزة موهومة تحاكي الظواهر والأوهام، ولذلك نبه (ابن خلدون) في قوله: أن محاكاة الغالب في ظواهره وأشكاله أول عوارض الفناء والتسليم على غير أمل في الخلاص.

 

وكذلك أن ما يدعيه بعص شيوخ الطرائق كونهم يملكون سجية النظر إلى الحقائق بعين الكشف والموهبة إلى عقائد الوجدان في النفوس، فإن التعليق على ذلك لا يستحق أكثر من الإشارة إلى أن الموهبة إذا كان المقصود بها العلم والمعرفة فإن المسلم أولى من غيره بكل علم من علوم المعرفة، لأنه مأمور في دينه بالبحث عن أسرار الخلق، مطالب بالفهم والتفكير والسير الحثيث في طريق الإصلاح، وبذل الجهد لنيل كل المعارف. وأما ما يفوق قدراته، فقد يكون هبة من الله، وقد تكون من ضمن الخوارق السحرية التي سنتكلم  عنها في مواضيع متفرقة لاحقة، وهي في كل الأحوال كانت ممارستها موجودة مذ أقدم الأزمان يتوارثها الأصاغر عن الأكابر، والخلف عن السلف، ولولا هذا التواصل عبر الرجال والأجيال، ما وصلت إليهم فكرة الكشف وغيرها. وكل ما يدعون أنه جديد إنما مارسته الأمم ما قبل الإسلام وقبل أن يصل إليهم في بيانه الحالي.

 

والمعهود في تاريخ الأمم قبل الإسلام أنها كانت ترتقى عقيدتها تباعا لارتقاء آرائها الفكرية والاجتماعية والسياسية وفقا للفلسفات الباطنية الصوفية، ولم يكن هذا بالنسبة للمسلم الذي دان بالعقيدة الإسلامية المستمدة من عقيدته الإلهية التي لا جنف فيها، ولا حيد عن شريعتها بحيث اتخذها مثلا أعلى استغنى بفضلها عن جميع الفلسفات الوثنية والنظريات المضللة والعقائد الفاسدة، لأنه علم أن حقيقة سر الحياة مستمدة من الحقيقة الإلهية، لا من أفكار الناس ولا من شريعة الأساطير والخرافات، فآمن المؤمن بإله خالق وعليم وحكيم وقادر ومريد وعادل كما يوجبه عليه اعتقاده، وعرفها قبل أن تتمثل له تلك المسماة ضوابط علمية في صورة من الصور، وهو يعلم أنه يدين بعقيدة ليست في انطلاق من القوانين الكونية التي سننها لا تتبدل ولا تتحول. والإنسان في هذا الوجود هو مخلوق كسائر المخلوقات، فليس هو الله ولا يحل في الله ولا يفنى فيه، ولا يتبدل بتطور الأحوال والأزمان، وسنن الله جارية فيه، على ما هي جارية في الكون، كما تكررت الإشارة إلى ذلك مرات متعددات في القرآن الكريم : ((سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا))... وإلى أمثال هذه الآية التي تذكر السنة بمختلف الألفاظ والعبارات.

 

فعقيدة الإنسان عنوان آرائه في كل معنى من المعاني، وميزان أخلاقه، وأن التعاون بالآراء خاصة من خواص هذا الدين الذي لم يأت عرضا، ولم تنحصر مبادؤه في شأن من الشؤون دون غيرها لا تساير قوانين هذا الكون، وقد نفهم من قراءة كتب الصوفية أن وحدة الوجود التي يعتنقونها لا تعني بالأساس الوحدانية الإلهية التي جاء بها الإسلام، وإنما تعني فيما تعني أن الله حال في جميع عناصر هذا الكون، وبالضرورة فهو غير منفصل عنه ولا هو متقدم عنه في الوجود، بل أن الله قد وجد بوجود المادة الكونية، وهو روحها وصورتها المتعددة. ونفهم من أقوالهم أنه لا دليل لديهم يثبت على وجه اليقين معنى مفهوم ولا لفظ مذكور من غير هذه التعابير والإشارات المتعددات.

 

 وأما طريقة الكشف أو الاستبصار الذي يعتمده الصوفية كمصدر لاستلهام المعارف لم يكن موضع سؤال في صدر الإسلام، لأن ممارسته لم تكن من معارف هذا الدين، ولا السعي لتحصيله، بل أن الكشف كان مذ أقدم العصور يمارسه فلاسفة اليونان ورهبان الديانات الوثنية، كالهندوسية والبوذية والطاوية، وهو مصدر إيحاءات هذه الديانات والعقائد الصوفية. وحصوله لا يتطلب جهدا كبيرا بقدر ما يتطلب شرط السذاجة العقلية في المريد حتى يصبح متشبعا بأفكار زائفة، وبمبادئ مخالفة للحقائق العقلية والدينية الصحيحة. 

 

عبد الفتاح ب: Abdelfatah.b1@hotmail.fr

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق