]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

أياس /صوفوكليس / قراءة ايطالية

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-05 ، الوقت: 11:01:53
  • تقييم المقالة:
هو اياس , في البدء. لاأحد في مقدوره يضيف شيئا عن العنوان اياس,من حيث اياس عبثا يحاول تفسير الماء بالجهد بالماء,قصيدة عصماء,معادلة نووية,الطاقة فيها تقدر بالكتلة في مربع السرعة ,تشعر القارئ بالرعب,حتى قبل ان تتحول الى مفاعل نووي, وقبل ان تصل الى اروقة الأمم المتحدة,وحتى قبل ان تتحول الى قضية ومن ثمة الى حصار وضرب وغزو وفوضى خلاقة وعولمة وفرق متطاحنة هنا وهناك وحروب داخلية اهلية من يحكم من وعلى من؟...,كل شيء داخل السرمد...,فتش عن نفسك داخل النص,اياس داخل اياس,اياسية أسية لمسرح داخل مسرح ...,

..., قد لاتجدها ابدا..,,وان وجدتها,تعود الى نفس الكلمة التي انشأت كلمة اياس منها وعن طريقها واليها,كاتبها وقارئها وممثلها متهم,بتعاطي افتك سلاح عرفته البشرية,جنود كتبت لهم الشهادة مسبقا حتى قبل ان تأخذ اللعبة مجراها باتجاه المأساة,وكذا النمو باتجاه الخلق المقرون بالعبقرية المرضية.من كتب من؟...,ومن قتل من...؟ من هذاالممثل المخرج الجمهور في آن واحد...؟ من هذا الخصم والحكم...؟,ومن المهيمن هل سلطة النص الأثر او سلطة البطل اوسلطة الشاعر...؟ من يمثل العدالة الشعرية..., من القاضي والمتهم والمحامي والمحلفين..,من ومن ومن...؟ دون شك اي كلمة تريد ان تضفيها على كلمة اياس الا وتشعر بانك تقوم بالعبث,بلعب طفولي ,حتى الأطفال تخلت عنه,اللا جدوى!!!
ما الشاعر:.........!?
ما الجنون:.........!?
ماالعبقرية.:.......!?
ما الشاعر:......؟ سؤال الآنسان باتجاه الطبيعة والوجود وباتجاه نفسه,وحين قيل لافلاطون ما الشاعر؟قال:الشاعر: جنون سماوي.وحين قيل لسقراط ما الشاعر؟ قال: الشاعر ضوء,شبح مجنح مقدس, وهو لايبدع ما لم يلهم ويفقد وعيه ويبطل فيه عمل العقل.
نعم,هذا هو السؤال الصعب الذي يصحبه الدوار,ليبقى سؤال اخر يردد نفسه, كلما قرأنا اثرا اغريقيا:هل فكر الكاتب الأغريقي القديم في نفسه اولا هل حصن نفسه بمصل مضاد قبل ان يكتب حتفه,مصيره باتجاه الرائعة الخالدة :( أياس) !?
Ayass او اجاكس adjacss ,وهو في كامل قواه العقلية, من ذا الذي يقبل ان يكتب الجنون بعينه,ان يحقن نفسه بالمرض الجسماني والنفسي وبكل تداعيات الكلمة من معنى لغة اصطلاحا وحتى فقها,وانت تقرأ الأثر تشعر بالرهبة فما بالك ان كنت الكاتب ذاته!!!
من كتب الأخر,صوفوكليس ام أياس !? يقول بعض النقاد في اسطورة فنان,عندما يصنع الشاعر قصيدته فهو شيئ مدهش ورائع وهائل,وعندما تصنع القصيدة الشاعر فهو اسطورة, اسطورة الأسطورة,طقس الطقس, وعقدة العقدة.الذي يعبر عن مدى عبقرية الفنان الكاتب في رائعة اياس والعكس صحيح.فأن كان الكاتب ( الشاعر) صنع اياس بما يميز الأساطير,فان اياس بدوره ساهم في صناعة شاعر بالجنون,ليس ذاك الذي يثير فينا الشفقة والتأسف,وانما الذي يجعلنا بعيدين كل البعد عن اتخاذ اي موقف الا بعد ان تكتمل التراجيديا دورتها الشمسية , يوم وليلة.الزمن الذي خصصه ارسطو للمأساة الأغريقية .فعلا صوفوكل مجنونا ,كتب جنونه بالشجون,انتهى عقله الى الأبد ولن يسترده,لأن ما قام به البطل عطل كل مفاهيم الأعراف المتداولة بين الأمم. لم يبق على اية طابو,وبالتالي كل من البطل والكاتب وحتى القارئ او المتفرج لم يجسدوا اسطورة فنان وانما اسطورة انسان.
تعود مأساة أياس ابن تليمون الى بطل من ابطال اليونان,حارب امام طروادة واحسن البلاء والنزال في مشاهد عظيمة ضد الطرواديين وحمى اليونانيين بعد ان لم يبق لهم زعيم او عظيم.ولما قتل (أخيل ) جعل سلاحه جائزة لأعظم بطل جأشا وأشدهم بأسا,ففاز بها منافسه (اودسيوس) .غضب أياس لذلك غضبا شديدا حتى ذهب عقله,ومال بسيفه البتار على الماشية وما كان في حظائر اليونان,ولما اصبح وعاد اليه صوابه وعقله ورشده استفز ما اقترفت يداه وقتل نفسه.
المتعة اقصى غاية للشعر:
والشعر حلو ومفيد :
هذا اذا كانت الكلمة تحررنا من جور الحلم الزائد,واذا كانت الفكرة توقد وتوقظ الذهن من سبات لهب الأحاسيس والمشاعر,واذا كان المعنى الضامن الوحيد للأسلوب في الحياة وفي الفن فأن المتعة هي مركز ثقل الجميع,لكن الشعر حلو بدوره ومفيد (سوزا) ,يسعف الذاكرة عبر طليعة الركح واقعا او تقليدا الى ذكاء الأنسانية قاطبة. ذاك الأنسان الذي ظل..,واصبح.., وما فتئ..,او على حد تعبير (اونيل ) اذن,اين ذاك الأنسان الذي يغضب لأتفه الأسباب ويقتل لأتفه الأسباب,اذا اعطيت له السلطة ظلم واذا تمكن جار وتجبر,وسن لنفسه قوانين الأقوى!?.ارتفع الكاتب الأغريقي بأياس من عالم الظلال والصور والأعمال النفسية الباطنية الى عالم المثل, ثلاثة خطوات الى الحقيقة المثلى الأفلاطونية ,لينقذ الفن والفنان متجسدين في صورة الكاتب الشاعر صوفوكليس, الذي اضحى بدوره عقدة للعقدة التي انشأها اول مرة. وهكذا صارا البطلان مصابين بمس ما خاصة اذا علمنا ان الفترة الأغريقية هذه كان يستفحل فيها داء الصرع بشكل مريب ملفت للنظر.ولولا جنون البطل اليوناني التراجيدي وقوة جأشه لما وصلت الينا هذه التحفة الفنية المجنونة ,الحلية الأدبية,عصا المدهش اذا ما القيت التهمت الأخضر واليابس,حتى كاد اياس ان يصير وفقها اله المدهش وهي نفس العصا السحرية التي تقود الأعمى في الظلمات وتلافيف متاهة الكلمات والخروج منها سالما معافى قبل ان تنتابه نوبات الجنون ويتحول بغضب الى حريق وحيوان وثنين, قبل ان يذعن الى حاجة الأنسان . يلقي عليه السؤال,ومع هذا يكاد الا يذكر بشيئ ذي فائدة تذكر. ليصير في الأخير الكاتب الشاعر صوفوكل اسطورة أياس اله مدهش (المدهش ).وحتى ان تدخلت الألهة عن بعد وجعلت اياس لايرى عدوه الأول اودوسيوس فهو من زاوية اخرى لايزال يرى ما جنته يداه من افك وجور بأهل بلده ,لن يتركه صوفوكل هكذا.., لابد ان يرمي به الى حمام التطهير ليكفر عن ذنبه .يكون ساعتئذ الندم الماء المقدس الذي ما بعده غسيل.تسلل الى الجوف المشتعل,وظهرت الماشية والأغنام الدبيحة قربانا وتعزية لدماء اهل اليونان,افذيت به ارواح المئات من بني دمه وجلدته,وما بقي الا ان يقدم اياس قربانا لشعبه واهله,ولهذه الماشية البريئة.انه في قمة الألم,دية شخص يعلم جيدا ان ديتها شخص آخر,هو نفسه ,ألم الروح وألم الجسد معا وألم ما قبل التاريخ,بل,التاريخ نفسه والذاكرة,وكأن صوفوكليس يخاطب من خلاله كل البشرية:ان الندم أفيد للأنسان الأغريقي بل,لكل البشرية.ما فتئ الشاعر يمتعنا من نشيد الى نشيد حتى يرينا الوجه الآخر من اعمال الأنسان :بأنه ليس كله خير وليس كله شر كما قال " بروثيموس " عكس ما ذهب اليه "بياس ":اكثر الناس اشرار ,ومن يفعل الشر في الأخرين يفعل الشر في نفسه اولا.
التطهيروالتكفير من ادران انفعالات النفس,يسود العدل,اذا ما تعلق الشعب بشيئ صار قانونا,وعندها فقط يصير الشعر حلو ومفيد بما يخدم الأثر الدرامي مكانا وزمانا وحدثا,وعظمة الشخصية ووحدة النغم والأسلوب ايضا.
الأنسان المكافئ لأياس:
صوفوكل الشاعر واياس القصيدة او العكس,لاينبغي ان يفرحا كثيرا لأن اللعبة لم تنته بعد..., ولن تنته ...,كما ان الجائزة ليست التي تحصل عليها اودوسيوس وانما ظل الجائزة...,الجائزة الحقة التي تحصل عليها أياس عبر فقده للوعي...,عبر الوصول الى حضيض اليأس,حينما يكتشف اياس عن ارثه هناك ,الذي هو ضعف في المقام الأول.حين يصير الأثر نفسه الجائزة ,انقاذا للشاعر وانقاذا لبني وطنه.وحين تصير هذه التراجيديا وفق مؤثر الفعل ورد الفعل,تمسك بيد البطل يد خفية تحركه الى حيث يشاء او من عدمه,تقوده الى مكان الجريمة,تجعل المشاهد القارئ او المستمع يرثي حتى اكثر الناس عداوة ويشفق عليها عندما تدق ساعات الحسم.ولولا هذا الصديق العدو لما وصل صوفوكل الى قمة الأبداع ولما توصلنا الى المعنى الجديد لكلمة جنون, الجنون السماوي بعد ان فشل الجنون الأرضي في ايجاد المصل الشاف والكاف لمرض الأدب ,حين يعجز الشاعر في الوصول الى اي معنى يقربه مما يكتب والى من يكتب ومن يكتب الأخر!?
انه بناء الهدم,او هدم البناء,الفعل الدرامي ونقيضه او نقيض الفعل الدرامي,متمثلا في قول اودسيوس: حسبي ان يبقى في مكانه وفي خيمته.وفي قوله:كم اود لو كنت بعيدا.وفي قوله:لو كان عاقلا ما تجنبته. هكذا صوفوكل حتى في حالة التشظي الأعظمي يبني اثره الخالد,ويخلق شخوص مأساته,ويظهر لنا وكأن كلمة يأس باللغة العربية مرادف لكلمة اياس - ( الأسماء والطباع قلما لاتتفق ) – اذن ما اياس الاصورة اليأس والشقاء الأبدي المكافئة لصورة الأنسان اليائس وليد التعاسة (انسان اياس),وليد العبقرية المريضة , الفاعل المبدع الذي يبدع صورا مأسوية الأكثر سعادة.أياس ما هو الاصورة للشعار الجمهورية الأسطورية القائمة على مبدأ الهدم الأكثر خلقا وابداعا,جمهورية الكلمات الأولى التي كانت في البدء الأكثر غناءا.يتم هذا عندما تتلاقى ثلاثة قوى فنية: الجندي بروح المحارب والشاعر بروح الفنان والكاهن والعراف بشأن استشراف المستقبل,تشكل هذه القوى اسطورة فنان.أياس بطل يهيمن على مشهد الحزن والألم,كما يهيمن الكاهن على طقس صعب التنبؤ,شأنه شأن المحارب في التدمير والقتل .بينما الشاعر صوفوكل يعمل جاهدا على تهميشه وابعاده عن اي تبجيل او تكريم,وفي نفس الوقت يبحث جاهدا باتحاده مع أياس ومع الشاعر في آن واحد.يريد ان يكون الحدث نفسه بدلا على ان يكون خالقا له وكفى.لايريد ان يكون متفرجا سلبيا على الحدث, بل, فاعلا فيه,مؤثرا فيه, بل, يقرر مصيره ,قضاء او قدر عليه. الثائر حينما يكون معرضا لتهمة الجنون والأنحراف ,لكن صوفوكل يظهره لنا بالثائر الفعال ذو الأكليل الشعري والحسي,كي لايفصل بين الحالتين:حالة الخلق الفني وحالة الجنون,يظهره انسان يتخلى عن نفسه ويتبرأمن افعاله التقليدية,كما ان هناك تطابق مطلق او يكاد بين ثنائية:الأنسان الخير والأنسان الشرير,ثنائيةالفن: الأله والشيطان.تظهر هذه الثنائية في صورة الفنان قصد تحقيق الدراما الدائمة للأنسان,وهذا ما جاءت به صورة مأساة أياس او أجاكس,على ان يسبق تصوير المعضلة الدائمة لصورة فنان وهي الصراع من أجل التوصل الى نوع من الأنسجام بين حاجتي الفنان الى ان يكون انسانا في العالم وكذا في خلق الأسباب التي تخلق عاداته وتقاليده,ومن جهة أخرى ان يكون موازيا ومكافئا بألوانه ولغته في قاعدة تمثاله الخالد المقدس,ضمن اهم قواعد الأثر الكلاسيكي:الزمان,المكان,الحدث,عظمة الشخصية ,عظمة اللغة,وحدة المادة والنغم ,محور القضاء والقدر,والمأساة انسانية.عمل صوفوكل على ان لا يفرق بين رائعة أياس واللوحة الفنية والمنحوتة الفنية والقصيدة الشعرية والقطعة الموسيقية,وكذا بين الشخص المبدع ذاته,فكل من هؤلاء يكاد الفعل ان يحوله الى الأخر,كل منهم يدعي صفة الأخر,فبقدر ما كان صوفوكل قادرا على الرجوع الى ما قبل التاريخ والأندماج فيه,بقدر ما كان يسعى أياس جاهدا بالرجوع الى عهده البائد,عندما بزغت شمس الحقيقة وشهد بأم عينيه ما اقترف في حق نفسه اولا وفي حق ذويه وأهله,او كما ورد في قوله على لسان اوقلم صوفوكل:
ما اشقاني..!!لقد تركت الأثريين البغيضين يفلتان من يدي وهجمت على هذه الثيرة ذات القرون الملتوية,وعلى قطعان شريفة من المعز والأغنام,فهرقت دمها الأسود.وفي قوله:ايتها الظلمة التي اصبحت لي ضوءا..خذيني ساكنا,خذيني...
أياس المكافئ لنفسه:
لايمكن ان تفهم وتتفهم أيا س الا بالولوج الى داخل المنحوتة او التمثال او المعزوفة اوالتحفة ,فهو سريع الأفلات كالماء الذي يشكل عنصره,وخداع كالشعلة,ولسؤاله والأستماع الى ما يقول لابد من اللجوء الى الحيلة, بترك الحيلة في الأخير,و ان تظل ساكنا حتى تنتهي المأساة بانتهاء ظلم الأنسان لأخيه الأنسان,ظلم يبجل ويرفع ويكرم لئيما فاشلا,ويسقط ويذل ويهين كريما ناجحا.وبما ان الظلم جبلة في نفس بني البشر- (من يفعل الشر في الأخرين يفعل الشر في نفسه اولا...,معظم الناس اشرار) – او كما ورد في الأثر الأغريقي القديم . يمكن التخفيف منه, لكن لايمكن القضاء عليه. اياس او اجاكس,كغيرها من الروائع الكلاسيكية اليونانية بامكانها ان تسرق منك وعي الغفلة ,كما تشتمل على تحول اي الأنتقال بك من السعادة الى التعاسة,وعلى تعرف اي الأنتقال من الجهل الى العلم والمعرفة,كما تصحب البطل ان ينتقل من المحبة الى الكراهية.تستطيع ان تخدع عن مكان وزمن الحدث ولو بعد حين,كما ان الناس ميالة بطبيعتها الى الأضافات, اضافات الأقوال وما يروى,كيما تدخل السرور الى قلوب مستمعيها ولغير المحتمل وغير المعقول.وحين انحى اجاكس على هدر دماء ماشية اليونان عكس ما يميز طبعه وشخصه من بطولات ورجولة وكبرياء وشموخ الشبيهة بالملوك,مما عجل بظهور المدهش في اعلى درجاته وتجلياته.ذاك ان الناس شاهدت ما اقترف هذا السيف الحاد وهذه اليد القوية,في رقاب واطراف هذه الماشية الوديعة المسالمة البريئة.كما ان هذا المحتمل غير المعقول هو اجاكس نفسه حول نفسه الى شيئ ا خر الى طقس صعب الرصد.انها معركة الأنسان داخل الأنسان اولا,ضد الهزيمة,معركة ضد الفشل حين يحول نفسه الى قوة عمياء,اي حين تتجاوز قدرة الشخص طاقة الشخص.انه جنون الجنون, في حين كل سكان اليونان من جيش وشعب ظلوا مندهشين لفعل هذا الهائل الذي حول الخلق الى دمار هائل مهول, في حين كان اجاكس او اياس يدمر ويخرب كان صوفوكل يبني ويرمم كل ذرة تسقط مستقيمة تحت قدمي بطله لتجد مكانها في قاعدة تمثاله المقدس,ولجمهور هو كل جمهور العالم ولزمن هو كل الزمن.اذن,من قدم نفسه قربانا للأخر او من مدهش الأخر,أهو صوفوكل الشاعر او اياس الأثر, من المريض النفسي العقلي , هل هو الشاعر او اياس,من السادي المتلذذ بعذابات الأخرين.. !!?? كلاهما قاتل ومقتول, وكان لابد ان يقتل اياس نفسه او ان يقتله بطريقة غير مباشرة. صوفوكل بقدر ما قتل بدوره الشاعر على الأوراق،من منا لايبكي حين يرى بطل يموت بهذه الطريقة المهانة ,حتى قيل في التراجيديا اليونانية العظيمة ان صوفوكل ظل ايام طويلة يفكر في كيف ينقذ بطله ويجعله الا يموت وفشل,وحين قتله ظل يبكي بكاءا مرا لأيام طوال.كان لابد ان يقتل أياس حتى يبقى اثر الشيئ لاالشيئ نفسه ,حتى يبقى اثر أياس لاأياس نفسه,ولولا قتل صوفوكل لأياس بهذه الطريقة لما وصلت الينا هذه الرائعة الجميلة التي تشعرنا باننا لازلنا بشر,نحب ونكره,نسعد ونشقى,نبكي ونضحك,والا ما الفرق بيننا وبين الكائنات الأخرى!? اذا كان اياس قاتل لثيرة الأغريق البريئة عوضا عن خصمه اودوسيوس,فان صوفوكل مجرم فنيا,قتل اياس بوصفة سحرية حين امسكه سيفه و بقدرماقتل نفسه على الطبيعة,بقدر ما قتله مرة اخرى حين توجه به على خشبة المسرح واظهره للجمهور يوجه سيفه البتار الى صدره امام المتفرجين عكس قواعد المسرح الكلاسيكي الذي يحتم الا تمثل مناظر القتل والعنف على ا لمسرح .اذن هل الجريمة تفيد? وان كانت لاتفيد على من نقيم الحد? وخاصة على الكاتب الشاعر الأغريقي الذي كتب ومضى, ترك لكل نقاد الأثر الكلاسيكي ان يقتصوا بالطريقة التي يرونها صالحة ,وبحيث يحققون جراها العدالة الشعرية والدرامية وبان الجريمة لاتفيد. ومن اجل تخليد اسطورة فنان والأنسان يوضح ارسطو في هذا المدهش ان المعالجة هي كل شيئ,فهي التي تحيل المستحيل الى ما هو مقنع ومقبول والى ما هو هائل.
اجاكس او اياس رواية اسطورة العبقري الغامضة المقروءة,وشعرعقدة المجنون المريض المغناة,قوة وضعف,قدرة وعجز.حتى تبدو عبقرية الفنان ذات منشأ تكفيريا,العبقرية المقرونة بالمرض,والمقترنة في اغلب الأحيان بفقر الدم او الجنون او داء الصرع.القوة لاتقدران تقوم دون ان يلحق التشويه بنفسها...,هكذا اذن,جاءت اياس لتجيب عن سؤال ابدي ما الشاعر..!? وجاءت ايضا لتحفظ الفنان بامتيازات المجنون الأحمق المريض ونصف النبي.
بقي في الأخير ان نهدي هذه الطرفة الأغريقية عن المسرح التراجيدي:بعد موت صوفوكل (- 406 ق.م) كتب ارسطوفان في السنة الموالية ملهاة الضفادع التي ذهب فيها الأله ديونيسوس الى العالم الأخر ليسترد واحدا من شعراء التراجيديا الثلاثة: اسخيلوس-يوريوبيدس- صوفوكليس ,فلم يكن قد بقي واحد منهم احدا..,ذاك ان المأساة اليونانية قد انتهت وماتت التراجيديا الأغريفية بموت شعرائها الثلاث.
وعليه نتساءل ماذا بقي من مسرح عندنا بعد سقوط وموت الشعراء والمسرحيين الثلاث:عبد الرحمان ولد كاكي- وعز الدين مجوبي- وعبد القادر علولة ...!?
والأن ,هل تعرفت اخي القارئ عن عقدة واسطورة اياس,لاتسألني:..,لوكنت اعلم ما كتبت هذه القراءة...!!??
بقي لي رأي احتفظ به لنفسي,انتصر اخيرا الكاتب بمقولة قيصر العسكرية:جئت...,فرأيت...,وانتصرت veni...,vedi...,veci,انتصر على نفسه اولا,على الأثر,والأثر الذي يخلفه الحدث,وعلى المشاهد ايضا,حين اخضع الجميع في مذهب تقرير مصير واحد:في مكان واحد وفي يوم واحد يتم فعل واحد,انتصر على الممثل الفكري وعلى الجمهور الفكري بطعنة سيف واحدة,تخلص من ذاته السفلى وعلى بذات نفسه, الى مصاف الرائع المدهش الهائل المذهل.
يبقى ان اقول: اياس سبق ولادته بألاف السنين,لأن الفن سابق على الطبيعة, ذاك مرده ان الطبيعة هي التي تقلد الفن وليس العكس.


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق