]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأوذيسة أم أوذيسيوس

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-03 ، الوقت: 23:09:17
  • تقييم المقالة:
هل اقتنعت المدرسة الجزائرية اخيرا على ضرورة تفتحها,وبداية الطرق على ابواب العالمية الأنسانية الخالدة,ضمن مناهجها التربوية وتحاول التجدد والتجديد فيها ,بتلك الحداثة التي طالما انتظرناهابفارغ الصبر وعن كثب كمدرسة واسرة ومحيط,او ماذا يعني تلاميذتنا صاروا يتطلعون ويفهمون ما عند الأخر القريب او البعيد,ام ان هذا فقط من باب تحطيم تلك العقد التي كانت تشد منا هجنا ومدارسنا الى الماضي التليد ا والى المحلية الضيقة سواء بقصد او من عدمه.

اووووس:
في البدء,كم سعدت وانا استقبل تلميذا صغيرا عمره لايتجاوز الثانية عشر من مرحلة التعليم المتوسط.جاءني الى مقر سكني مستفسرا متسائلا,وياليت السؤال كان في مادتي الرياضيات او الفيزياء بحكم تخصصي العلمي...؟! كان وهو يتفرس ويطلع على ملامحي طولا وعرضا,يسألني عن سؤال غريب قريب الى قلبي في نفس الوقت,سؤال لايطرحه الا استاذ لبيب او ربيب ادب اريب,ملم ومدرك للا دب العالمي بصفة عامة وللأدب الكلاسيكي اليوناني بصفة خاصة.ثم الذهول والدهشة اصابتني في ثقة هذا الطفل الفضولي.تلميذ في مثل هذا السن اعادني الى سنين دراسة طفولتي الأولى وانا فتى يافع,حين كانت تدرس المواد العلمية جنبا بجنب المواد الأدبية ,والفنون المكانية الزمانية,نظريا وتطبيقيا,حين كان المرحوم مصطفى كاتب مديرا لمكتب المسرح المدرسي بوزارة التربية.
ما اسعد هذا التلميذ وما اشقاني...!! حين اطلعني على مالم يخطر ببالي اطلاقا:بان اوذوسيوس بطل ملحمة( الأوذيسة ) للكاتب الشاعر الملحمي الأغريقي (هوميروس ).اخيرا الرحلة الأسطورية تحط رحالها وتصل سالمة غانمة الى المدرسة الجزائرية,اخيرا ابناؤنا يتنفس الصعداء...اوذوسيوس وما ادراك ...!؟ ولو انها جاءت في الجزء الأول من كتاب اللغة العربية السنة الثانية من التعليم المتوسط صفحة:38.لكن دهشتي اكثر كانت في كيف تم اختصار كل هذه الرائعة من حوالي1200 بيت شعري وزنا وقافية موسيقى ولغة وخيال وعاطفة ورمز في ما يقارب اربعون سطرا نثرا ليس الا,حيرتي لاتزال في تساؤل التلميذ,بأني حسب رأيه ملم بمثل هكذا الأسماء الغريبة العجيبة,وبكل ما يحمل حروفا اخيرة على شاكلة: (اووووس) في اشارة الى اغلب اسماء الأغريقية,سواء كانت ابطال او اشخاص عاديين,آلهة او انصاف ألهة .حين مدني التلميذ بكتابه,كنت احمل في قرارة نفسي تثنية الشقاوة والسعادة في آن واحد,وانا اقلبه,واتصفحه صفحة صفحة وورقة ورقة,ومن خلال فهرسة الكتاب ادركت ان العنوان:(عودة ادوسيوس) عنوان يتيم,هو الأول والأخير من مجمل الأثار الأنسانية الخالدة التي لايطالها الزمن.من جهة اخرى ادركت على يقين بأن رحلة اوذوسيوس لاتزل مستمرة,وسوف لن تتوقف عند جبال ومغارات وكهوف جزيرة (اوجيجيا ),ولا حتى في جنيات وعمالقة بحر (سيخيريا),ولا في عمالقة (تيتانوس) لجزيرة (ايتاكا) المتنافسين ومن يفوز على قلب (بينلوب),ولا حتى في ذلك الكفن التي كانت تغزل خيوطه(بنات مونيكا) صباحا لتنقضه ليلا. ارى ان رحلة اوذوسيوس قد توقفت عند شواطئ المرحلة الثانية من التعليم المتوسط من التدريس الأكمالي,وقد عثر على اثار سفينتها تلاميذة المدارس بما فيهم ابن جاري هذا.تلاميذ صغار صاروا يبحثون بجد واخلاص عن شخصيات (اووووس) حسب رأي التلميذ واولياءه الذين بعثوا به عندي.ما اشقى استاذ اللغة العربية في ايامنا هذه ان كان يتلقى اسئلة مثل تلك التي اثقلتني من لدن تلميذ مابالك ان كان كل القسم..!؟
صمت بألف حديث:
كل هذا الصمت والتلميذ يراقب بصبر تقلب تلافيف جبيني وتضاريس تجاعيد ملمحي التي بدأت تصبب عرقا, الوقت يتمدد في المكان ثوان ودقائق ويوشك ان يصير ساعة.طيلة هذا الوقت وانا اطلب السماء مناجيا بأن لاتكون الأوذيسة هي الوحيدة بين طيات هذا الكتاب,صرت ابحث كصاحب الحاجة الأعمى على ملامح اخرى من الأدب العالمي اغريقية كانت او رومانية او فارسية او هندية او صينية كلاسيكية,كنت ابحث عن اثر للآليادة او الأنيادة او الشاهنامة او المهابهارتة او حتى عن اثر لكلكامش,بعد ان منى الله علينا بالشبيه بالأوذيسة,وحينما فشلت كما كنت متوقعا,صرت ابحث عن شيئ من الأدب التمثيلي اليوناني,عن انتجون او الكترا او فيلوكتيت او اياس او اوديب ملكا او ادوديب في كولينا او اوديب واوديسيوس في سفرواحد,كنت لااصدق نفسي حين لم اجد الرائعة المأساة (انتجون/انتجونا),تلك المأساة التي تربط الشبيه بتاريخها مع التاريخ الجزائري انتجون – 400ق.م ,قدمها لأول مرة في الجزائر على خشبة المسرح الفنان الجزائري المسرحي محي الدين بشطرزي سنة 1953,واتخذت كرمز للتحدي والتمرد على ظلم وطغيان المستدمر الفرنسي 1954.بحثت وبحثت حتى نسيت نفسي والتلميذ,ودخلت عوالم المجاهيل والدهشة والذهول واستحضرت مأساة اوديب ملكا وابنتاه تقودانه ضريرا وحيدا شقيا منبوذا,استحضرت فيلوكتيت وهو ينفى ويبعد وينفى,لايملك الا درع وسهام هرقل المجنحة الأسطرية التي لاتخطئ اهدافها البتة,وهذه الكترا مكلومة مفجوعة تتحسر ألما وتزيد لأناتها انينا,مع هذا كلها امل في عودة أخيها ليخلصها من كل عذاباتها.وكأني ارى اوديب في كولونا في سفر واحد درامي رفقة رفيق دربه ثيسيوس,وكيف يفك اللغز(الأنسان) homo ويقضى على الكائن الخرافي (الهولة/السفانكس),كما رأيت انتجون,واندمجت في المشهد كليا وحين دفنت اخاها وحكم عليها بالموت,ورأيت خطبها يضحي بنفسه من اجلها مديت يدي الى منديلي لأمسح دمعة حاولت ان تجرح كبرياء الأستاذ امانم التلميذ,وانا كل ثقة بأن الذي اكتشف وكشف عن سر اوذيسيوس لايمكن خداعه,المهم اني اجبت وتركته يعود بما ظن بي.
عودة الى الذات:
دخلت الى بيتي متعبا مرهقا وكأن كل السنوات التي قضيتها استاذا تجمعت عندي دفعة واحدة في مثل هذا اليوم .شعرت على انها الساعة التي يقرر فيها مصيري التربوي العلمي الأدبي,جراء التلاميذ والمدير والأساتذة,وكل من كان يظن بي خيرا ,اني اقدم شيئا ما يذكر.امتحاني هذه المرة عسير صعب ان يخرج منه ناجحا ناجحا,وبعد ان ارتميت على الأريكة قلت في قرارة نفسي الأوذيسة...,الأوذيسة تجني علي,حتى انت يا اوذيسيوس...!؟
عيب كل العيب ان تقتصر الرحلة الملحمية العظيمة,ملحمة شعب بأكمله,- حتى الفئران لاتستطيع اكمال قراءتها – شبيه بالتاريخ وتاريخ بأكمله ينتهي بهذه الخطوة الكسيحة ,شبيهة بتلك الرحلة المدرسية التي يقوم بها تلاميذتنا ايامنا هذه استجمامية لوقت محدد او لبعض الوقت. الأوذيسة أخذت عن (اديت هاملتون) الميثولوجيا وقام بتعريبها (حنا عبود) بتصرف طبعا,كان من المفروض ان تتخذ كجنس ملحمة مستقل,وليست كأسطورة لاغناء فيها.
وكأن الحدث يعيد نفسه حين جرى نفس التصرق مع القصة الروائية التمثيلية الشعرية الأنسانية (في سبيل التاج) لمصطفى لطفي المنفلوطي وعن الكاتب الفرنسي (فرانسوا كوبيه ) وعن النص الرائع الأعم (اناشيد الوطنية الخالدة),حين اتخذ كقراءة موجهة للسنة الثانية من الطور الأساسي,رواية تمثيلية من 13 مشهدا يختزل في مشهد واحد يتيم...!تشرح هذه النتفة الأدبية سيرة بطل من ابطال الوطنية الخالدة الأخلاقية (قسطنطين) التي تعارضت في نفسه الأبية عاطفتان قويتان:حب الأسرة من جهة,وحب الوطن من جهة اخرى,فضحى بالأولى فداءا للثانية,ثم ضحى بحياته في سبيل شرف الأسرة.تعكس وقائع حرب وقعت في القرن الرابع عشر الميلادي,بين الدولة العثمانية والشعوب البلقانية.جاءت في اسلوب سهل ممتنع رتيب جميل,فما اشبه البارحة باليوم,حتى ان غيرت المدرسة منا هجها وانتقلت من الأساسي الى المتوسط,ومن التدريس بالأهداف الى التدريس بالكفاءات يبقى الهدف النبيل الأنساني هو الخير المنشود.
اريد ان اقول من جراء هذا كله ما احوج منظومتنا التربية والكتاب بشكل خاص في جميع اللغات,وفي جميع الأطوار الى روائع ملامح الفكر الكلاسيكي,والى الروائع العالمية,سواء كانت درامية تمقيلية او ملحميا,ملهاة كانت او مأساة.ما افقر تلاميدتنا وكتبنا الى الفعل التثقيفي الملحمي الدرامي العالمي في ظل عولمية متوحشة شعارها:من لم يكن معي فهو ضدي.
تخيل,لو ان الأثر فوهم جيدا وقورئ قراءة نقدية استنباطية اسقاطية,وتجسد النص تمثيلا على ركح مدرسي صغير,لكفانا هذا شر العنف,وشر الأمية المتعلمة التي تشهده مؤسساتنا ايامنا هذه.ما ابعدنا عن العالمية,من تلك المدرسة التي ننشدها بالأنفتاح على الغير البعيد والقريب,المحلي والعالمي والعولمي,وعلى التعليم من البيداغوجيا(تعليم الأطفال وصغار الناشئين والمراهقين) الى الأوندراغوجيا (تعليم الكبار),ومن المنهج الكلاسيكي التلقيني الى التجريبي الى منهج المقاربة بالكفاءات,ان يعاد الأعتبار الى تدريس كل الفنون الزمكانية,وفتح كل النوادي بكل انواعها.نريدها مدرسة متصالحة مع نفسها ومع المحيط ومع الأسرة,علاقة تكاملية,اساسها المعرفة والثقافة والفن.
اخيرا:نقول:
-اذاكانت الحكمة تقول:اعطونا الجواد ونحن نركب
نقول اعطونا الكتاب(نصا عالمي جيدا) ونحن نقرأ.
-واذا كان الأسد هو مجموعة من الخراف المهضومة
فالكاتب والمتعلم هو مجموعة من الكتب المقروءة.
-اعطونا مسرحا وخبزا مدرسيا
اعطيكم شعبا عظيما.
-ولد تعلمه اليوم (علم-فن-ثقافة)
رجل تنقذه غدا.
ونقول:ابدأوا بمعرفة ابنائكم,فانكم لاتعرفونهم ,والثقافة انقاذ.
ملاحظة:المقال نشر بتاريخ/02/06/2005/الخميس الثقافي/صوت الأحرار.
الكاتب الأديب/العقيد بن دحو/ادرار.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق