]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اغتراب المثقف العربي قديما وحديثا

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 23:25:24
  • تقييم المقالة:
كلما ضربت مكتبة عربية,من البحر الى النهر,ومن الماء الى الماء,سواء قديما ام حديثا,الا وتنعكس سلبيا بشكله المباشر على المثقف العربي,خصوصا في هذه المرحلة التي اوصلته الى مرحلة الصفر التاريخي مجددا.يقابله غربة في المكان والزمان,وهذا حين تصير المكتبة قاعدة خلفية استراتيجية,واحدى القلاع القومية الوطنية على مستوى الشعب والدولة,حين يتحدد مصير الشعب مع مثقفيه,ومصير الدولة على مستوى العرق والبيئة والتاريخ.لكن ماطبيعة هذه الغربة التي يعيشها المثقف العربي,منذ حرق مكتبة بيت الحكمة بالعراق مرورا بتدمير وخراب مكتبة دار الحكمة بقرطبة الى ضرب المكتبة اللبنانية حديثا الى ضرب مكتبة العراق مجددا ابان الغزو الأمريكي...,والى يومنا هذا لماذا المكتبة؟:
وحتى لااقول غربة مثقف,تلك الغربة المتعلقة بالأبداع الفكري والأدبي وحتى العلمي,لكنه اغتراب عمودي وافقي بشكله التابث والمقنن.هذا المثقف الذي في مجرى التاريخ العربي القديم او المخضرم او الحديث , استطاع بكيفية او باخرى ان يساهم في الحضارة الأنسانية الا مادية ,وان يصل بموروثه الشفهي والشبيه بالتاريخي الى مرحلة التدوين التاريخي,من معلقات اشعار ومقامات وحكايات شعبية وخرافات واساطير وفنون مكانية وزمانية.عموما لم تعرف قديما العرب فنونا مكانيا كفن المسرح ذاك مرده لأنه يتطلب فنا عمرانيا واستقرارا بعين المكان.صحيح المواطن العربي قديم لم يشيد مدينته بمفهوم polis على غرار ما هو عند الأغريق او الفرس او الرومان,مما ساعد على التعصب للقبيلة ومناصرتها سواء كانت ظالمة او مظلومة,الى ان جاء الأسلام بدين ودولة,فساد النظام على اللا نظام,وساد سلطان التدوين,والتثقيف والتهذيب والتقييم والتقويم.كما شرع في تجميع الفنون والعلوم والأداب الأنسانية بالتوازي مع انتشار الأسلام ارجاء المعمورة,كما اصبح المثقف يقوم بدور الحكيم المعلم العارف بشؤون الدين والدنيا والدولة,الفيلسوف وانزل منزلة السلطان والوزير والوالي.وكانت هذه بوادر تأسيس مكتبات عربية اسلامية,ولكن نظرا لأن الحضارة لاتدوم,وبفعل الحقد والمؤامرة على المثقف والمثقفين (الحكماء),وبفعل تدخل فئة ثالثة استرزاقية مشاءة همازة بنميم افسدت وحطمت الصلة التي كانت قائمة بين الحاكم والمثقف مما ساد التفكك والأغتراب مما اضعف الدولة وافسد طباع البلاد والعباد,وازداد الأغتراب بعدا,وارتبط اكثر بالمكتبة ورجل المكتبة,وصار الحاكم والحكيم يعيش عدة اغترابات دفعة واحدة:
الأغتراب الأول:
بل حتى قبل الأسلام كان يعاني من ضرب قاعدته الخلفية ودرعه الواقي وملجأه الأخير,متمثلة في محاولة نزع الكتاب من بين ضهرانيه,بعد ان تخلى عنه الخل الوفي الحاكم,الذي كان يغدق عليه السخاء غير المحدود,وكان وزن ما ينتج وما يترجم ذهبا.وهذه مكتبة (الأسكندرية) التي اسسها اول مرة(بطليموس الأول/ سنة:-323-309ق.م ) ,تدمر وتحرق جراء محاصرة قيصر,وما بقي منها احرقه (البيزنطيون والأقباط),عند دخول العرب مصر سنة:640م
واذا كانت هذه المكتبات غنية بأمهات الكتب والمخطوطات الناذرة للفراعنة (الهيروغليفية),وما ترجمته الأنسانية في مجرى الزمن كانت النار اولى به ظلما وبهتانا.وكأن البشر منذ القدم حين يثور ويغضب تكون اولى ضحاياه الكتب في الحرب والسلم,لما لها من ارتباط قوي وتساهم بكيفية او باخرى بقوة الأنتماء بين الحاكم والمحكوم وما بين الدولة ومواطنيها,ومن جهة اخرى حتى يسهل تدمير هذا الأرتباط ويعم الفوضى,وتتغلغل الجيوش الغازية الى قلب المدينة والسيطرة على نظام الحكم بعد التمهيد لسقوطه عبر بوابة حرق وتخريب وتدمير المكتبة.
الأغتراب الثاني:
وبعد ان اعتنق العرب الأسلام وتقبلهم اياه كمنهج وسلوك وكقانون سماوي تشريعي,وكنظام حكم اخلاقي وخلاق,يحمي حماهم ويصون كرامتهم ويخرجهم من الظلمات الى النور.صاروا يحفظون القرآن والأحاديث النبوية الشريفة,بل كانت بداية التدوين,وبداية تأسيس حضارة عربية اسلامية لاتغرب عنها الشمس كما كان اكثر هدا في عهد الخلفاء الراشدين وانتقل الى خلفاء العصر العباسي الى يومنا هذا.
ولعل مكتبة وبيت (دار الحكمة) ببغداد التي اسسها (ابو جعفر المنصور) وقد توسعت في عصر (الرشيد),وازدهرت في عهد( المأمون),كانت خير جامع لنفائس الكتب ونوادرها,وبمثابة القلب النابض للحكمة العربية الخلاقة.ترجمت ما ترجمت من اثار ادب ومجاميع فارسية رومانية اغريقية. ولعل الغرب من خلال من خلال هذه النهضة التي يشهدها اليوم,وهذه الحضارات الميكانيكية والألكترونية الرقمية,يعترف فيها للعرب الذين كان لهم الفضل في نقل هذه المعرفة وحمايتها من الفناء والأندثار.لكن هجمات المغول والتتار وفساد الأنظمة واللهو والمجون,والغلو في الترف اهمل وهمش دور المكتبات والكتب مما أحرق اغلبها واتلفت وعادت العرب لعادتها القديمة,وفروا وهجروا الحكماء والعلماء بعد ان تحطمت قاعدتهم الخلفية وسندهم,السيف واليراع.
كما تم في عهد الخلافة الفاطمية وفي عهد الخليفة الحاكم بأمر الله سنة1005م تأسست دار العلم او دار الحكمة في القاهرة ضاهى بها بيت الحكمة, مؤسسة علمية غنية بأمهات العلوم والأداب.وصل عندها عددالكتب الى مليون وستمائة الف كتاب,لكن بدورها مصر كانت مستهدفة من كل الجهات,بحكم ان موقعها الجغرافي في مفترق الطرق العالمين الشرقي والغربي,وكذا العربي الأسلامي.فتدخلت الحملات الصليبية بجبروتها وقوتها غربا,والقبائل الرعوية التي عرفت باسم التتاراو المغول شرقا,وصارت بيت العلم على اثر ذلك بين فكي كماشة,كما لم تعد مصر قادرة على حماية اراضيها والدفاع على نفسها- ولو ان المستشرق الغربي( انتوني)قال:(ان مصر كانت تدافع على نفسها,وليس هذا فحسب بل كانت تحمي العالم الأسلامي والمدنية الأسلامية من الفناء والأنهيار ومن العودة الى الجاهلية الجهلاء والى وطن عربي اسلامي ينتقل على ظهر الجمال من جديد).
الأغتراب الثالث:
وكما احرق السلاجقة ودمر مكتبة(بن ردشير) التي تأسست عام991م وكما احرق الفتح المغولي سنة:1258 المدرسة النظامية,ينتقل بنا حال الأمة واحوال الحكيم فيها المثقف الى الأندلس حاضرة قرطبة وحاضرة الزهراء.قرطبة التي انشأبها الحاكم الخليفة(المستنصر بن عبد الرحمان الناصر) المكتبة المستنصرية (بيت الحكمة)سنة:(350-366)هجرية.ومنذ ان افتتحت الجزيرة,كانت منتهى الغاية والمقاصد,ومركز اشعاع وأم المدن ووطن العلم والمعرفة,وينبوعا متفجرا للمعرفة ودار لباب وعقول وفنون وأداب ,ومنشأ التأليفات الرائعة والمصنفات الموسوعية العملاقة.كما قام ابنه(الحكم الثاني): بالمثل فأدى بدوره الى الرقي والنمو الحضري,الفكري العلمي,والى ازدهار الأقتصاد والى الأستقرار السياسي,وتشسامح فكري لم يسبق له مثيل في التاريخين العربي والأسلامي ما بين طوائف المجتمع.كما ادى هذا التحضر الى القضاء على روح التعصب والكراهية,مما دفع الجميع الى التعاون والعمل من اجل الرقي الحضاري والتثاقف ما بين الثقافات.واعتبرت قرطبة بفضل مكتبتها (دار الحكمة) في القرن الرابع للهجري والعاشر الميلادي مركزا من مراكز القيادة والأشعاع للحضارات في العالم كله.
يقال ان كانت دار الحكمة (الفاطمية) انقذت العالمين العربي والأسلامي من السحق وا لأندثار البربري والتتاري.كما انقذت دار الحكمة ببغداد المخططات العلمية والفنية المترجمة والمقتبسة الأنسانية من الفناء والضياع,ولاسيما الفارسية والبابلية والرومانية واليونانية وحتى العربية الأسلامية.فان دار الحكمة بقرطبة انقذت الحضارة العالمية قاطبة. ولكن مرة اخرى انتقل الداء الى الأندلس,وبدأت تتقهقر هذه المكتبات نهاية القرن السابع حتى بداية العصر الحديث نتيجة لعوامل عدة اهمها:
1- العوامل الداخلية والتفكك السياسي والأنهيار بسبب الفتن,والأقتتال الداخيلي,وكثرت الحركات السياسية والدينية المختلفة,وظهور طبقة من الحكام الجهلة الأميين,وعادات سيئة خاطئة خطيرة تتمثل في حرق الكتب واتلافها عنوة.وبهذا تعرضت عدة كتب اسلامية للنهب والحرق والأهمال
2- احرق الأسبان المسيحي عدة مكتبات تابعة لبيت الحكمة بقرطبة,مما انعكس سلبا على حركة التثقيف,مما تغرب وهمش المثقف مجددا. ومن هذا الجانب بالضبط دخل المثقف العربي عصوره المظلمة في مختلف مجالات الحياة,واستسلم للغزو الخارجي,ثم الى انواع مختلفة من الأستعمار مادي ومعنوي,وعلى حساب الأرض ايضا.
الأغتراب الرابع:
اما حديثا وابان سقوط مصر في ايدي الأستعمار البريطاني,ضربت مجددا المكتبة القومية الوطنية,على اعتبارها القلب النابض للأمة العربية والأسلامية.وكما ضرب الرومان مكتبة الأسكندرية في القرن :(- 34 ق.م ) وقام الأقباط والتتار ايضا بنفس الفعل.
ومع هذا استطاعت المكتبة ان تلملم نفسها وان تتعافى علميا وادبيا وفنيا,لكنها ضربت من جديد عن طريق استعمار حديث بغيض,لايقل خطورة عن التتار او البربر او الأقباط او المغول,استعمار مصاص فكر ودم.يحرق الأرض ويقتل الأنسان لأتفه الأسباب,شره للمتنور وللمتعلم وللمفكر.لأن المثقف هو القبس والمشكاة التي تنير عتمة وقتامة ادمغة البشرية,ويحرض على القتال,ومنشط الثورات,ويدعو الى مقاومة المستدمر المستعمر بكل ابعاده الأستراتيجية.
كما تعرضت مكتبة مصر ومتاحفها حتى قبل الأستعمار بالأخص حملات (نابليون بونابرت),حين نهب واحرق المكتبات ويؤخذ له القول المشهور اثناء تحطيم انف (ابي الهول):(انا نحطم انف امة بأكملها) في اشارة الى كبريائها وهيبتها وهبتها الحضارية.
او حتى الأستعمار الثلاثي الذي قام بنفس الفعل الشنيع باتجاه المكتبات والمتاحف وباتجاه المثقف. وهكذا عندما تحرق وتدمر مكتبة تدمر امة بأكملها,لأن الأستعمار لايقاوم بالسيف وحده وانما بالكتاب والقلم ايضا .وان اجود واعظم الثورات كانت في البدء خطة بالقلم والقرطاس في اجود واعظم الأدمغة.ضرب المثقف العربي اذن, في صميم مادته الرمادي وعلى جهاز تفكيره الناقد المقيم المقوم,المثقف المبدع الخلاق.وتحمل الأزهر الشريف وزر المستعمر,وقاد الثورة ومشعل الفكر,وبعد هذا لم تسلم اية مكتبة عربية من الحرق والتدمير الممنهج المقنن ,على الرغم الأستعمار كان يدعي بحمل رسالة تنويرية.وهكذا يفعل حين تعاد دورة التاريخ المأسوية,حين سقطت بغداد مجددا تحت راية الحرية والديمقراطية ,كما ضربت في وقت غير بعيد عن الحدث,مكتبة لبنان وسوريا ,وهكذا تم في القدم حين احرقت مكتبة(بني عمار) في طرابلس الشام.ولعل من ظواهر اغتراب المثقف العربي,والتي يعاني منها حتى الساعة,ابتداءا من ضرب دار الحكمة ببغداد, مرورا بضرب دار العالم بالدولة الفاطمية ,الى ضرب دار الحكمة بقرطبة, الى ضرب مكتبة لبنان مجددا سنة 1981بطائرة اسرائلية خاصة.
كل هذه العوامل بمتابة ضرب البنيات التحتية لتكوين الشخصية القومية والوطنية ,بمثابة ضرب الكتاب مجددا حين افرغ من محتواه الثوري,ومن تلك الفكرة التي تعمل على ازدهار المؤسسة,وجعل التلميذ والطالب في المدرسة والجامعة يقرر مصيره باتجاه المناهج والبرامج التي جاءت خصيصا للمثقف حتى تسيطر عليه الديماغوجية الجديدة.ويترك مكانته لأشباه المثقفين تعبث بالجميع فسادا.


 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق