]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثورة والإستكشاف الدرامي /انتحون / انتحونا نمودجا

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 23:21:08
  • تقييم المقالة:
انتجون أو "انتجونا"ابنة أوديب أو "أوديبوس" صديقـة الثورة الجزائرية ...هذا كان يقول المرحوم "مصطفى كاتب" كلمـات تردد له ذكر اسم "انتجون" للكاتب الاغريقي الكبير صوفوكل أو صوفوكليس سنة 400ق.م.
قدمها لأول مرة في الجزائر على خشبة المسرح الفنان الجزائري المسرحي (محي الدين بشطرزي)سنة 1953 و أخذت كرمز للتحدي و التمرد على الظلم و طغيان المستدمر الفرنسي 1954 لماذا "انتجون"بالضبط دون غيرها ،ولما لقبت بصديقة الجزائر رغم اختلاف الزمكان!؟ يشير بعض العارفين و الدارسين أن النفس البشرية الأبية و النبيلة التواقة إلى العدل و الحرية و المساواة في مجرى التاريخ هي واحدة و لهذا عندما بكى الجمهور الجزائري المتفرج آنذاك لتضحية "انتجون"كان يبكي على تضحية شعب بأكمله و على مصيره في تلك الفترة و خاصة وهو يرى التنكيل و التعذيب يطوق جيد أمته و شعبه، إذ لم تمر إلا مدة قليلة حتى التحق الممثلين و الجمهور بثوار جبهة التحرير الوطني لمجابهة و محاربة الغاشم المستبد بالبلاد و العبد.و يذهب النقاد أيضا في مسرحية "انتجون" التراجيدية أنها من الجواهر و النفائس الأدبية الشاملة التي يجب أن تتخذ مثالا للناشئين و لكل الأدب المسرحي،ولا ينافسها على تاج الخلود الفكري الإبداعي الرائع إلا "أوديب ملكا
حديث بألف صوت :
ثم إخراج جميع المآسي الإغريقية مابين (500،400)ق.م و هو عصر "أنثينا" الذهبي حين كانت الأسطورة اليونانية تمتد في عمق الديانة الاغريقية ،منذ أن كانت ذات طبيعة (طوطمية) أوحت للإغريق بالشعر و الموسيقى و الطبيعة و بأسلافه و تاريخ بلاده.حيث كانت آلهته تجسيد لقوى الطبيعة ،وتجسيدا لعواطفه ،و لما يضيفه على الأرض و السماء و البحر و النار و الرعد و الحب و الحكمة أيضا، وعلى الرغم من التطور الاقتصادي و دخوله عصر الحضارة وماتبعته في طبيعة السلطة التي بدأت استقراطية قبل أن تتطور إلى ديمقراطية بقي محافظا على أسلاقه من آلهة و انصاف آلهة و أبطال.
وبما أن الأسطورة هي ميراث الفنون جاءت قوية الأثر في قالب شعري ذو منشأ ديني في المقام الأول، حيث قامت أسطورة و فلسفة صوفو كل عن الإنسان الحر المفكر العام (poeticus) وحاول أن يوفق بين آراءه و الآراء الموروثة أي كما يقول النقاد حاول أن يمسك العصا من كل الأطراف ، الطرف الذي مسكه قبله الشاعر الإغريقي (ايسخيلوس) وطرف(يوريوبيدس) المتناقضين و جعل الصراع بين الإرادتين من إرادة الإنسان ، ليجعل من الآلهة تدير أمرها عن بعد ،وقلل من تدخلها في شؤون عامة الناس و المدينة و تقضي بين الصراع الذي ينشب بين الإرادتين الإنسانيتين ، و هذا يعود ‘إلى التطور الثقافي و الحضاري و كذا السياسي و حتى الاقتصادي و شعور اليونانيين بالحرية و المساواة ،واستقلالية الذات الفردية و الاعتراف بالشخصية الإنسانية ،كما خص جل أعماله بالمذهب الأخلاقي .. و مايجب أن تكون عليه الشخصية لا كما هي، و أكثر من المواعظ و النصائح في المحاكاة ،تلك المحاكاة التي تؤدي في النهاية إلى التطهير و التفكير (Cateresis) حقا جعل صوفوكل من "انتقون" أسطورة الكون أو حديث بألف صوت ،عندما تفسرها الإنسانية قاطبة في مجرى الزمن بعدة تفسيرات و إحالات،فالصراع الذي تخلقه ،صراع بين حوافز الإنسان الفرد نحو تنظيم حياته و دوافعه في السيطرة و الاستحواذ إلى جانب غياب وعي العلاقات الأسرية و غياب سلطة الدولة و الدين ،هذا الإنسان الذي يسبق سيفه العدل ،و يقضي في النهاية على مصيره و مصر من هم أولى به.. و من أجل ترسيخ قانون الدولة ووحدة العائلة و جعل القانون في خدمة العدالة لا منهاضا لها ولدت رائعة "انتجون " لتصبح رمزا للضمير البشري،و قضية الأمم بأسرها انتجون هي المرأة ،هي القضية،هي الشرف،هي التضحية و هي الوطن ،بل هي القدر نفسه ولدت كما تقول الحكمة الاغريقية لأجل شعار سيظل إلى الأبد "من أجل جميع المواطنين الصالحين".

ثورة الاستكشاف :
الموقف الأول: من أجل جميع المواطنين الصالحين تتخذ "انتجون" واجبها المقدس وهي تجده واجبا عدلا ملؤه التقوى،لأن الزمن الذ نعيشه في الحياة لا يختلف كثيرا عنه إلى الموت،فلذلك تسعى من أجل قضيتها المتمثل في دفن أخيها ...تتخذه قانونا حافزا ليكون مناهضا لها لا عليها.. وتحت شعار فني تراجيدي قديم وجديد "الجريمة لا تفيد" تأخذ المأساة مرحلة جديدة في الاستكشاف الأولي حين تنتهد "اسمين" حرقة الألم الطويل سيسمس عائلتها: لهف نفسي عليك أيتها الأخت الشقية! إن فرائصي ترتعد إشفاقا عليك.
ـ انتجون :لا تشفقي على حياتي و اجتهدي في المحافظة على حياتك .. و يستمر هذا المنوال الرتيب الحزين علنا، في حين "اسمين" تريد مراراته في قولها: ولكن على أقل تقدير لا تبيحي بسرك لأحد ،أكتميه على الناس، كما سأكتمه أنا أيضا و تستمر "انتجون" في إصرارها و عزمها على خرق قوانين الظلم التي حكمت دون سواها من نساء هذا العالم أخيها بأن يترك في العراء نهبا للسباع و الوحوش الضارية،دون كفن و لا قرابين تقدم مكرمة لموت أخيها في المقام الأول، و أخيها الإنسان حين وجد وحيث ما كان ..المنكوب المنكود..المعوز الذي ولد ميتا سلفا.
الموقف الثاني:لعل من عوامل التعجيل و الإسراع من الاستكشاف هي "الجوقة" أو "الكورس" و كيف وهي من عامة سكان "طيبة" يعنيها الحدث.. ولكن "صوفوكل" يقلل من أهميتها نظرا لتطور التراجيديا، إنها بين البين أنها تتضرر حزنا على "انتقون" من جهة لمقتل أخيها و الحالة التي آلت إليها ،ورأفة بملك "كريون" متثيبا بقوانين تفوقه من جهة أخرى .. و ماعساها من هذا الدور إلا أن تقدم النصح و الوصي بالاعتدال ،و باتباع القوانين و الصلاه من أجل ضمير لعله يستيقظ قبل فوات الأوان .تتهرب "الجوقة" من أمر المكاشفة ..وتراجع الأمر إلى أمور غيبية ،وكيف؟ وقد نهى ما يفوقهم و سيدهم بإنزال أكبر العقوبة لمن يشرف الميت بالقبر و الدفن بل يرى
"كريون" الفاعل جاء ليحرق صور الآلهة

وتماثيلهم و يدمر أرضهم و قوانينهم ،الآلهة لا تشرف مجرما قط و من أجل أن يتجلى الاستكشاف أكثر و أكثر ،و لاتحيطه شبهة ولا ريبة تعترف "انتجون" بملء فيها ، و الاعتراف سيد الأدلة دون إعتذار ولا محاولة للتستر، و تزداد المفارقة على قدر من التشابه أو الاتفاق و على قدر من الاختلاف ،وعلى قدر من العلم و الجهل بالطرف الآخر حين يريد أن يطلع عليه "كريون"بنفسه في قوله :
-ماذا أتظلين مطرقة إلى الأرض من دون أن تفكري ما تؤخذين به.
"تصر "انتجون" على الإعتراف بقولها : كلا ،بل أنا اعترف به ،و أنا أبعد الناس من إنكاره
الموقف الثالث: ازدياد المكاشفة يتناسب طردا بزيادة التوسع من الحدث وخاصة حين تتشرف "اسمين " و تنوي القيام بنفس ما قامت بها اختها "اتنجون" بدافع العاطفة ،وكيف و هي بالأمسفقط تفقد أخوين في طعنة سيف واحدة فبينما يتشرف الأول بالدفن و طقوس الموتى، يحرم الثاني و يترك في العراء نهبا للسباع الضارية وللرياح العاتية ، وكأن صوفوكل تعمد الصراع أكثر أن يكون داخليا نفسيا و اجتماعيا و يدور بين عاطفتين انسانيتين أصليتين – ابنتي أوديبوس من جهة و الملك العم "كريون" من جهة أخرى و أيضا حين تذكره "اسمين بخطب ابنه في قولها :
ما عسى أن تكون حياتي وحدي بدونها
كريون : لا تذكريها ،فقد ماتت
اسمين : اتقتل خطب ابنك!؟
كريون : هناك أرض أخرى يمكن أن تحرث! ورغم أن صوفوكليس حاول من التقليل من دور الآلهة في محاولة تدخلها في مصير الإنان ...إلا أن حتى يبعد التهمة عن الملك و يخيم على العمل الدرامي جو الرأفة و الصلاة ونجد هذا ما يبرره تجاه حكمة :
"هادس" هو الذي يقطع هذا الزواج و تزداد المكاشفة حدة، حين تنشد الجوقة في مكان الحكم، القانون و العدالة .
الجوقة : إذا فقد قضي عليها بالموت .
الثورة و الانقلاب الدرامي :
تواصل الجوقة المفجوجة من صلاتها و تضرعاتها ،و هي ترى أن نقمة الآلهة ستنصب على كافة أفراد الأسرة ،جراء ما اقترفه فردا واحدا فليس هو بمأمن من المصائب إلا وقت قصيرا.
لقد قيل عن كاتب التراخيديات أنه كاتب سعيد لان فن لعبة المحاكاة لديه و لدى غيره معروفة النتائج مسبقا، لكن يبدو هذا غير مألوف عند صوفوكل حين يدهش و يثير في نفوس متفرجيه الشفقة و الرأفة ..ليبلغ التطهير أوجه ، و ليعرف على وجه المفارقة الأخوة من جهة و الملك و ابنه "هيمون" من جهة أخرى.
ثم أن شخصية "كريون" ليست شخصية سيئة و ليست فاضلة ، و لكنها تجهل الخطأ أو الضعف الذي يؤدي البشر و بالتالي يؤدي إلى شقائها و يضيق "صوفول" بطريقة ذكية ..أن الآلهة أيضا بإمكانها أن تخطأ..أنهم بشر أتخذوا صفات الآلهة ..ميكانيزم و آلات لا غير
(..وهو يقول أن لا عدالة تسود في هذا العصر إلا عدالة الآلهة أي آلهة هذه،الذي جاء فيها على لسان بطله هيمون:
إن الذين يرون أنهم وجدوا الأذكياء و أنهم وجدوا البلغاء و أنهم أصحاب النفوس الرفيعة...هؤلاء إذا أمتحنوا كانت أفئدتهم هواء و هراء..فمهما كان الرجل حكيما فليس من العار أن يتعلم .
وتزداد الجوقة إضطرابا بهذا الإبن ..و لهذا الملك في حيرة من أمرها ..إلى أيهما تدير بشطر رأيها و هي الناصحة و المعتدلة في الرأي السديد لنتجو الثورة " تعججا و توهجا و حين يظهر "صوفوكل" "هيمون" وجها لوجه مناهضا و مجابها في سبيل خطية أي الإنتصار للعدالة و يتجلى هذا حين ينصح "هيمون" بأن قتل انتجون هو قتل لمجتمع بأكمله في قوله:
لن تجود بنفسها بين يدي لا تظن ذلك لكن عينيك لن ترياني بعد لأتركنك نهبا لما يملك من غيظ مع أصدقائك الذين يتملقونك.
تنصح الجوفة و هي تعلم أن السيف يسبق العدالة أحيانا و أن الملك يفعل مصيره بيده في قولها:أيها الملك لقد خرج مملكة الغيظ و أن اليأس على
مثله في هذه السن لخطر ، و لكن لا أذان صياغية لهذه الجوفة الذي أصابها الكبر الجسدي و الفكري على حساب تعبير"كريون"
لا أحد يخلص هذه الأسرة النبيلة من قضائها و قدرها الذي أقرته العدالة!و يحاول رئيس الجوقة من التأكيد على الأمر القائم سيجر و يلات مجهولة العواقب ..و يؤكد على ضرورة تراجعه عن إصراره و عناده و كبريائه.
أخبار كريون عن مأساة جديدة سوف تقع و وصول ترسياس و في الأخير حين ينفذ القدر وعده تعلمه الجوقة بشكل أو بأخر بأنه صوفوكل لأن الرأي العام أبدى رغبته على لسان ممثله رئيس الجوقة .
وهكذا هو أسلوب "صوفوكل" في التعامل مع أشخاصه إذ أنه عودنا على أن يقدمهم لنا ليس كما هم في الواقع و إنما بالشكل الذي يجب أن يكونوا عليه.ثم يستفيد "صوفوكل" للوصول إلى الحكمة عن طريق الألم والعذاب..مستخدما رئيس الجوقة (الكورس)ليبلغها إلى مشاهديه.
أن الحكمة لأول ينابيع السعادة لا ينبغي أن نقصر في تقوى الآلهة إن غرور المتكبرين ليعلمهم الحكمة لما يجر عليهم من الشر، و لكنهم لا يتعلمون إلا بعد فوات الوقت و تقدم السن.
كانت هذه الثورة و الإستكشاف التراجيدي من أروع القصص التراجيدية و التي ستظل خالدة في النفس البشرية التواقة إلى العدل و الحرية و المسماة في كل مكان و إلى الأبدين أنها الثورة أو الإنقلاب على الظلم و الطغيان و انتصار فكرة أن القانون لا يكون مناهضا للعدالة بل مكملا لها و بالرجوع دائما إلى الحكمة الدرامية الجريمة لا تفيد .

العقيد بن دحو/ادرار/الجزائر
 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق