]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أدب استعجالي أم أزمة رواية

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-05-02 ، الوقت: 23:14:58
  • تقييم المقالة:
نهاية الرواية تبدأ بنهايتي الشعر و التاريخ"ينتهي كل أدب إلى الضيف بذات نفسه إذا لم تأت إليه نفائس الأداب و الفنون الأخرى تهز الخلق من ديباجة "جوته (1749ـ1832).
ما بال الادب عامة و الرواية خاصة ما عادت تطرب و لا تدهش و لا تهز هل توقف بريقها الأدبي و الفني و الصناعي هل أصيبت بشطط المكان و الزمان ،إذ صارت هي اليوم تسارع نفسها و تصارع قدرها نحو مصير مجهول.و هل أصيبت بما أصاب التاريخ (نهاية التاريخ) أو وصلت إلى ما وصل إليه الشعر نحو (نهاية الشعر)أو هما معا فنيا و ثقافيا و أدبيا و اجتماعيا أو أنها أصيبت بتداعي و تراسل السياسة في الغاية و الوسيلة و في تداعي الإعلام ضمن خير مقدس وواجب و مركز و هامش؟!



 

تعددت الأسباب و الأزمة واحدة ،سواء كان هذا في ما أطلق عليه مؤخرا لفظ أدب استعجالي ،أو بشجاعة أكثر أزمة رواية .ثم لا شك بأن الملاحظ و المتتبع لسوسيولوجية و سيكولوجية الإبداع الأدبي عندنا سيتوصل حتما إلى قناعة بأن الهوة و الثغرة شاسعة تلك التي بين الأجيال الأدبية حتى أوشك أن يصير جيلا واحدا (40سنة).و على ما يبدو تقطعت بهم السبل و صاروا على خطين متوازيين متعاكسين و أصاب على أثره الرواية ما أصاب المسرح و السينما و النقد بإستشهاد رجالاتهم و اافتقدت الرواية جمهورها (فردوسها المفقود).ذاك الذي كان يتظاهر بأنه غير قارئ و غير ملم بأدبائه في جمهورية الرواية الفاضلة .و أزداد الشرخ أكثر بعد رحيل "كاتب ياسين"عن رواية نجمة و خروج الكاتبة "أحلام مستنغامي"خارج الديار عن الرواية وباللغتين التي نشرت في ظرف عشريتين متزامنتين على الأكثر ، أو تلك الروايات التي كان يبدع لها في مصر و تطبع في لبنان و تنتقد في المغرب و صارت اليوم بعد فتح المعهد العربي للترجمة تترجم في الجزائر و على خط حسابي جبري رتيب .إذن هو حقا أدب إستعجالي يقابله أزمة رواية و جيل أدبي متصدع مصاب بالشطط المعرفي لرواده الفرسان و لتاريخه الفني المجيد.جيل كان ولا يزال مخدرا و مذهولا
بإشتراكية زائفة زائلة،تبشيرية تحمل صكوك غفران و بمفتاح لكل فلاح و بدجاجة لكل كوخ و ببقرة لكل زريبة جيل حاصرته دوائر عصره آنذاك و مر الوقت مسرعا و لم يستفق من صدمة سلم الأعمار،وفخ المجادلة إلا و هو وجها لوحه الأزمة (المأساة).
و لما ضرب مجددا على نفس أثر الصدمة الأولى التي فقد عندها وعيه جراء التخدير و التجيل أعاد نفس الكلمة التي وقف عندها لسانه أول مرة ظنا منه بأنه لا يزال يتمم لوائح التشكرات و بيانات التبركات لولي نعمته ذو المقامة الرفيعة العالية !و بأن المفاتيح سلمت لمستحقيها في نفس المكان و الزمان!و بأن الفقر دمر ، و أنتهت الأمية و ماتت دون رجعة كما نجحت الثورة الثقافية التي كان يناضل من أجلها و كذا الثورات الأخرى التي كان يرددها كابرا عن كابر و لما نظر ذات اليمين و ذات الشمال لم يجد أكثر مما وجد فذهب مستعجلا يسجل الأحداث بذاكرة الماضي و اللحظة و بشكل سطحي دون انتظار أو ترقب ،و ظنا منه بأنه يكتب رواية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجزائر الحديثة الشابة (75%شباب)،و بأنه سيكون محسودا عليها من طرف الداني و القاصي، وبأن وحي الكتابة أنزل عليه بمفرده، و أصطفاه شيطان الرواية على يره من الروائيين و الأدباء و المثقفين و أشباههم .وهكذا تمثل له و تهيأ له بأنه تمكن من فك طلسم و حل لغز سحر حجر الفلاسفة .
وعندما أنتقل إلى القرى المحروقة و إلى الصحراء بحرها وقرها الساحر و إلى المصانع المعلقة و إلى الأراضي الزراعية التي تسلحت بالخرسانة المطبقة تأكد له بأنه كان غريبا و سيظل غريبا يبحث عن غريب في غريب غربة مكان يقابله غربة زمان و حدث.لم يكن يدري بأنه يبحث عن ذرة مفقودة في رمال صحراء زاحفة، أي أنه كتب أخيرا لمجتمع آخر لا تمس المجتمع الأصيل بشيء يمسه و يحرك فيه عملاق الأدب من أعماقه و جذوره.

أكذوبة النخبة
و حتى الحجة الكاذبة التي كان يتذرع بها للنخبة أسقطت أيضا لأنها لا توجد أصلا.و إنما هي نفس الفئة الصورية العلية التي كانت في الماضي و بحكم التقدم في السن توقفت مخيلتها الإبداعية و الفكرية عن الإبداع و النقد الأدبي بل أضحت ببغارات تردد سحر الماضي وعبق التراث بلغة مهدمة و سرد متصدع و أسلوب (سادي)،و شخصيات سافرة عارية ليست من عوز الحاجة و لكن من أجل التلذذ بعذابات الآخرين (كشخصيات سجن أبو غريب)أو (شخصيات غوانتانامو) بالطبع أنانية لا يحبها لأهله و لا لنفسه .و إن تحدث عن نفسه يتحدث على أنه من مجتمع ذكوري (دون جوان)لا تكفيه امرأة واحدة جميلة،بل عدة فراشات يحترقن في لهيبه واحتراقه كما نتحصر و تقوقع الروائي على فن واحد من المقروئية و على جيل واحد مكنونا عصبة أدبية تردد نفس الإيماءة لفظا و لحظا و إشارة مما عجل بالأزمة في حين كان الأجدر به أن يلقي بنفسه في أحضان المجتمع و يشد بتلابيب عدة ضمائر.و أنظر مثلا إلى أن "كانت ياسين"لم يكن كاتبا روائيا فقط بل كان رجل مسرح و أحلام مستغانمي كانت في البدء شاعرة و هكذا كما يقول "بيكاسو" حين يعوزني اللون الأزرق أستخدم اللون الأحمر أي توظيف كل الفنون و المعارف الأدبية في فن الرواية الحديثة.
كما أن حركة هذين الروائيين كانت غنية بالفنانين الرائعين و النقاد النزهاء الأكفاء أما اليوم أحيل الناقد الجاد إلى التقاعد المسبق أو إلى كراسي الإدارات أو إلى قاعات التدريس الأكاديمي و ما بقي إلا ذاك الصديق (مع) و الآن بقي لنا أن نتساءل كم مرة تعيد النخبة تلك التي أفرزتها لنا الراوية المكنونة كتاباتها؟من يوم أن تمسك بقلم الرصاص إلى اليوم التي تسلمها إلى المطبعة و الإنتقال من عالم الطفولة (الحلم) إلى عالم المراهقين و اليافعين (الشعر)إلى عالم الراشدين الخلاقين(الرواية )أو في الفكر أو النقد تتماشى و مراحل تطور عمر الإنسان من الطفل أب الرجل إلى الطفل أب الإنسان.
فأين هي إذن الرواية سواء كانت "بارولية" أو"بلزكية"أو هي "بروتوية" حديثة و بعد أن وصلا الشعر و التاريخ إلى نهايتهما ثم أين الأنصاب التي تتكلم و الأنصاب التي تغني و أين الرواية
من الفتون المكانية و الزمانية الأخرى ثم أين الرواية من كل هذه السنين العجاف ثقافيا و اجتماعيا و سياسيا و من الواقع المعاش و من المدينة و الجمهور !؟كل شيء صار استعجاليا كغريب يبحث عن غريب.
أين التحسن التي وعدت به الرواية العرب بعد أن سقط منهم ديوانهم(الشعر ديوان العرب).لم نعد نسمع ونقرأ سوى عن جيل يطحن جيلا،حرب مواقع يخوضها المثقف اليوم ضد أخيه المثقف،و الرابح فيها خاسر. لم نعد نسمع إلا اللعن والشتم على المثقفين من المثقفين أنفسهم، و كأنهم وصلوا بفنونهم الأدبية إلى الضيق،وعدم على العطاء و التجديد،ولو أنهم فتشوا عن أنفسهم في أنفسهم رويا لأسخرجوا الأسباب من أعماقهم ،وكفونا مهانة وذلا ولعناوشر الانتقاد،و أدركوا سر عقمهم الإبداعي الراشد الخلاق!!
إن هذه الظاهرة "الشمشونية في الأدب (علي وعلى أعدائي يارب!)أنجبت لنا رواية وقصة وشعر بلا قارئ ، وبلا مستمع وبلا مشاهد .رواية مريضة بمرض الأدب عامة ،وروائي مصاب بمرض الخوف مهما كان مصدر هذا الخوف. وكان من المفروض أن يظل الروائي إنسانا خلاقا مقاتلا، ساحرا، شاعرا، رائيا،جوابا ، وصائد هواتف خارقة ،وصانعا و بالتالي روائيا.صحيح هو كتب و لكنه قتل و لم يحي (خلق)(الإبداع).سحر ولم يدهش ،وصنع و لم يحسن الصنع،و عرى ولم يكسو العظم لحما ولا الجلد كساءا .وبالتالي لم يشيد جمهوريته الروائية الفاضلة أولم ينظم ديوانا جديدا للعرب و لكن هذه المرة في الرواية .حطم اللغة ولم يبن أسلوبا، صدع وشطط بناءات السرد ولم يأت بما جد وشد ونبه.بل اكتفى بالتحليل دون التقديم،متفرجا سلبيا على المشهد العام للمجتمع ،فأين النخبة التي أفرزتها لها هذه الرواية الملعونة منذاك النقد و القربى الثقافية الملعونة!

شفاعة الرواية و المصلى الأدبي
نتساءل من جديد كم مرة يعيد الروائي كتابة رواياته قبل أن يفكر في النشر ،لو قورن مع إعادة كتابات الروائيين العالميين مثل"كولن ولسن"في الحرب و السلم و"دوستويفسكي" في الجريمة و العقاب ،و"صموئيل جونسون"الذي الذي كان يكتب كتاب خلال سبع سنوات أو الكتاب المصري الملقب بكاتب المقابر الذي أعاد كتابة رواية سبعون مرة أو "بابلو نيرودا "الذي كان يعيد الورقة الواحدة سبع مرات ،أو "نجيب محفوظ" في زقاق المدق ،أو "حيدر حيدر"في وليمة لأعشاب البحر ،أو الطب الصالح" في موسم الهجرة إلى الشمال ،أو "محمود المسعدي" في رواية السد ،أو "محمد شكري" في رواية الخبز الحافي.
أريد أن أقول بأن الرواية عندنا خصوصا ولو أنها في أوج نشاطها عالميا أصيبت بما أصاب التاريخ (فوكوياما) وعلى أنها تشكل أحد أضلاع الرباعي الفني :الشعر ـ التاريخ ـ الفلسفة و الرواية، كما أصيبت من جهة أخرى بما أصاب الشعر من غموض و كتابات بياض ،وكأن يتهرب الروائي من غول بياض الورقة إلى حوار شخصياته المكسورة المهزوزة أخلاقيا و اجتماعيا وسياسيا و كتموية و تضليل ، وعليه لا يوجد متنفس أو من منقذ للرواية إلا الفنون الأخرى كالمسرح أو السينما ،ولكن هذين الآخرين يعانيان بدورهما مشاكل جمة،إذن لم يعد للرواية من شفاعة إلا الرواية ذاتها و أو المصلي الأدبي النشط الفعال،كما أن نكوس راية الرواية وظهورها في شكل أدب استعجالي تم في ظهور طبقة أوليغاركية أدبية جديدة غير ديمقراطية، حين انفرد الروائي بالسلطة التي منحته أياه الكتابة ، واستوطن رهن برج عاجي هربا من القوتين المتعاكستين جهة وشدة،السلطة الكلاسيكية
التي تشده نحو زمرة الانتماء،وسلطة الجمهور التي تطالبه بالدفاع عنها ، ليس في البرلمانات المعهودة سياسيا و إنما في برلمانات الأدب الروائي! و بالتالي المسؤول عن هذا الأدب الاستعجالي و الأزمة التي تشدها الرواية هو المثقف نفسه أو بالأحرى الكاتب ،ثم لم يفهم جيدا
مثل التداول على السلطة السياسية و لعل ما ذهب إليه الروائي الجزائري "رشيد بوجدرة "الكبير صاحب رائعة "تيميمون "خير قبس و نفس حين اعتذر و رفض ترشحه لمنصب وزير ثقافة في يوم ما .
أعطيني اليوم أدبيا أو مثقفا رفض السلطة أو استقال منها عن طيب خاطر بل العكس ما هو واقع اليوم من تطاحن و تسابق جنوني على ظهر صفحات الجرائد اليومية أو الأسبوعية صراع من أجل الاحتفاظ بشمولية و تمركز الثقافة و الادب و الفن في قطب واحد و في جهة واحدة و عند جيل واحد و في إعلام واحد.
و هذا بعد أن حطمت العولمة الفكرية و الفنية كل شمولية أو سلطة فكرية فنية رأسية لا تنبع من أعماق الجمهور ثم أين للأجيال اللاحقة (الأمثولة) أو (النمودج)و هم يرون و يقرأون عن أولئك (الأساتذة) الذين يتلامزون بالألقاب أين الأمثولة بالديمقراطية الأدبية حين يصير السيد الروائي يقوم مقام الملك (الملك هو الملك)و من حيث الأدب هو الأدب ثم من أني لهم بالمستوى الراشد
أو الخلاق الذي بلغته المستويات الأدبية و الثقافي عند أمم و أجناس أخرى.
عليهم أن يعترفوا هؤلاء (فوق) أدبيا بفشلهم الذريع،عليهم أن يلوموا أنفسهم بأنفسهم بعد أن تركوا فاءات الثقافة و الفن لأشباه المثقفين و أشباه الفنانين، عليهم أن يتعلموا ثقافة الاستقالات لا الإقالات أولا ،عليهم هؤلاء الروائيين أن يعترفوا بأنهم فشلوا حقا في قيادة صفوة المجتمع الأصيل الخلاق.
ما عليهم إلا أن ينقذوا أنفسهم مما لحق بهم من أدران غث المعرفة و الإكتفاء بالأسهل السريع، والاحتفاظ بما تبقى لهم من ماء وجه.
أخيرا،بإمكان الرواية أن تكون شفيعا وديوانا جديدا للعرب،بعد أن أوشك الشعر ديوان العرب وفردوسهم الفني الحياتي الأدبي على النهاية، و أن تكون مصلى أدبي، إن عاد الروائيون إلى رشدهم، و اتفقوا على مشروع وطني للإنقاذ الثقافي غاية و ليست وسيلة ،دون انتظار الفرص لاعتلاء ظلال المناصب،وكما تكونوا يولى عليكم و العبرة لمن يعتبر.


العقيد بن دحو /ادرار/الجزائر

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق